01 - 05 - 2026

ضوء | الأم العاملة

ضوء | الأم العاملة

يتحدد سلوك البشر عبر السنوات الطويلة من خلال التربية والتعليم، التي يستقيها الفرد من البيت والمدرسة والبيئة المحيطة به.

إن خصائص أساسية على كل فرد في المجتمع أن يتحلى بها، مثل الشعور بالمسؤولية، والدقة، والالتزام، والإتقان، واحترام الآخرين، ومراعاة الحقوق والواجبات، وحقوق المواطنة، وحبّ العمل والإخلاص فيه، كلها مفاهيم تتعزز منذ الصغر عند المرء، منذ اللبنات الأولى، وما ينشأ عليه الطفل من قيم وسلوكيات، في البيئة الأسرية أو المدرسية، فالطفل ينهل المعرفة والقيم والأخلاق من هاتين المؤسستين، والمرأة سواء كانت الأم أو الجدة أو الأخت هي المعلمة الأولى، وبما أن المؤسسة المدرسية هي المؤسسة النظامية، فإن تأثيرها التربوي على الطفل يوازي أثر وتأثير المؤسسة الأسرية، وبين هاتين المؤسستين علاقة وطيدة لا تنفصم.

إن عماد الأسرة الأم، وعماد المدرسة المعلم والمعلمة، ونتناول في موضوعنا هذا الأسرة وعمادها الأول.

إن الأم، سواء كانت ربة بيت أو العاملة، لها دو أساسي في تربية الأبناء، وإضفاء الطمأنينة والاستقرار في الأسرة.

وبالطبع دور الأم ربة البيت مهم جدًا، وعلينا أن نثمنه ولا نبخس حقه، لذا نطالب باحتساب جهدها وعملها، وذلك بصرف راتب شهري لها، حتى لو كان مبلغًا بسيطًا لا يتعدى المائتين دينار.

لكن ما تعانيه الأم العاملة من مشقة، للتوفيق بين متطلبات أسرتها وعملها، أمر لابد من التوقف عنده أيا كان موقع هذه المرأة، ممرضة وطبيبة ومعلمة وموظفة في السلك الحكومي أو في القطاع الخاص.

إن الدولة تخصص ميزانية كبيرة للإنفاق على الرياضة بمختلف أنواعها، مثل سباق الخيل وسباق السيارات والكرة وغيرها، وهذا أمر مطلوب، لأن الرياضة لها أهميتها ودورها في المجتمع، كما تخصص الدولة ميزانية هائلة للأمن والدفاع، من أجل تثبيت الاستقرار في البلاد، وهذا أمر لا غبار عليه أيضًا، لأن النهضة لها علاقة وطيدة بشعور المواطن بالأمن والاستقرار.

لكن لابد وأن نفكر في تعزيز الاستقرار الداخلي للأسرة، سواء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، ذلك أن استقرار الأسرة من استقرار المجتمع، ومثلما ذكرنا آنفًا إن الأم عماد الأسرة والركيزة الأساسية لها، لذا فإن استقرار الأم النفسي والاجتماعي هو أساس استقرار للأسرة والمجتمع. ولا يتأتى الاستقرار المجتمعي إلا بالاستقرار النفسي والاقتصادي لدى الأم.

إن تقليل الأعباء على الأم العاملة، هو ضمان للاستقرار الداخلي الأسري، من أجل رعاية أطفالها، وإعطاء بيتها وأفراد أسرتها الحق الكافي من الرعاية والعناية اللازمة.

إن صناعة الأجيال بين أيدي الأمهات، فالأم هي الكادر الأول الذي تعتمد عليه التنمية البشرية،

فلماذا لا تستفيدون من هذا الكادر بشكل صحيح؟

لماذا لا تشجعون هذا الكادر على القيام بواجباته ومسئولياته على أتم وجه؟

إن أغلب الأسر البحرينية من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، تعتمد على عمل الشريكين لتلبية احتياجات الأسرة، لأن الواقع ومتطلباته يفرض تعاون الشريكين، والتنمية الحقيقة تعني مشاركة المرأة مع أخيها الرجل في بناء المجتمع.

إن ترك الوالدين لأطفالهم فترات طويلة أمر في غاية الخطورة، لأن أغلب الأمهات والآباء يكدحون طوال النهار، ثم يرجعون منهكين إلى البيت طلبًا للراحة، ولا يرون أبناءهم، وبعض الأمهات ممن يعملن بدوامين لا يرون أطفالهن إلا قليلاً.

وبالطبع إذا استمر الحال والمنوال لفترة طويلة من الزمن، وقد يستغرق سنوات طوال، فإن ذلك حتمًا يعود سلبًا على الأطفال.

طوال تلك الفترة أين يعيش ويتربى الأطفال؟ إما في كنف الجدة، وهؤلاء محظوظون، وإما يكونوا بين أيدي الخادمات، وهؤلاء ندعو الله أن يحميهم ويحفظهم.

ونرى أمامنا الكثير من الأسر والحالات المشابهة.

والسؤال المؤلم ماذا يمكن أن يكون عليه حال الأطفال والمراهقين من الأبناء؟

آنذاك من الطبيعي شعور الأطفال بالضياع الأسري والنفسي والاجتماعي، الذي يؤدي إلى مشكلات كثيرة، بدءًا من التدخين في سن مبكرة، إلى تعاطي المخدرات، والجنوح بل والجريمة أحيانًا.

إن حاجة الأبناء إلى كلا الوالدين أمر بديهي، وخاصة الأم الصالحة لا يمكن أن يعوضها أحد، وكم نتمنى أن تكون جميع الأمهات العاملات يعملن بدوام واحد فقط، لكن بما أن هذا المطلب صعب التحقيق، لذا نناشد المسئولين في كل المواقع بوضع التربية الأسرية ودور الأم فيها نصب أعينهم، بتقليل الأعباء على كاهل الأم العاملة.

كما تطالب جميع الأمهات العاملات في مختلف القطاعات، بتقليل سن التقاعد للنساء، لكي يتسنى لهن قضاء ما تبقى من عمرهن بين أولادهن وأحفادهن.

ويطالب كلا الوالدين بتوظيف أبنائهم، لكيلا يكونوا عالة عليهم، ولكي يشعر الأبناء بالاستقرار المادي الذي يسمح لهم بالزواج وتأسيس أسرة كريمة.

وهناك عبارة جميلة تعبر عما نقول:

إننا نحتاج إلى أكثر من ألف عامل لتشييد المباني والقصور، ونحتاج إلى مليون جندي لحماية البلاد، لكننا نحتاج إلى شخص واحد، هو الأم، لكي تظلل السعادة على الأسرة كلها، وبالتالي ينعم المجتمع كله بالاستقرار والأمان.
-------------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | الأم العاملة