"تروح فين يا صعلوك وسط الملوك؟"... واحد من أمثلة المصريين المعبرة عن مصير الإنسان البسيط عندما يجد نفسه فجأة وسط جمع من النافذين، أو يقف في مكان ساقه القدر إليه سوقاً بجانب أقوياء لا قبل له بهم ولا يعرف ما الذي قد يفعلونه به. فربما يدفع حياته ثمناً لذلك. وهذا ما وقع قبل 215 سنة للحاج "إسماعيل زعلوك،" وما زال يقع إلى اليوم لمئات الملايين من الزعاليك، أو للدقة الصعاليك.
رحم الله الحاج "إسماعيل زعلوك" الذي أخذه نصيبه إلى حيث لم يحتسب، فوقف بلا حول ولا قوة وسط أمراء المماليك فدفع حياته ثمناً. فلم يكن يعلم صباح اليوم الذي ترك فيه بيته في قلب مدينة دسوق الوادعة في أحضان الدلتا متجهاً مع "شاهين بك"، أحد أبرز أقطاب المماليك، نحو قلعة القاهرة أنه لن يعود. وكان أن وصل مع سيده في الأول من مارس من عام 1811 إلى القلعة. وهناك نفذ الباشا "محمد علي" مذبحته الشهيرة للمماليك. سقط 470 من أقطابهم في غضون دقائق. ولما بدأ جنود الباشا يحصون القتلى ليتعرفوا على هوياتهم، وجدوا بينهم الحاج "إسماعيل زعلوك" الذي لم يكن من الأمراء ولا القادرين.
وبسرعة طار الخبر عبر أزقة القاهرة فتلقفه الناس بالدهشة والعطف على عبد فقير خسر حياته بلا ذنب عندما ساقه القدر ليدخل القلعة وسط جمع كبير من أمراء المماليك، إلى المكان الذي قرر "محمد علي" أن ينهي فيه علاقة خصومه بالدنيا وتسفيرهم على وجه السرعة إلى العالم الآخر. تعجب الناس من مصير الحاج "زعلوك" فخرجت على ألسنتهم عبارات تلخص القصة. من بينها جملة صارت مضرب المثل وهي "آخر خدمة الغز علقة" والغز تعبير كان عوام المصريين يطلقونه على المماليك والأتراك الذين جلبوا إلى مصر وحكموها لفترات طويلة. والقصد منها أن "إسماعيل زعلوك" لم يحصل على شيء يذكر بعد خدمته الطويلة "لشاهين بك"، وإنما جنى على النقيض موتة بشعة. ومن بينها أيضاً العبارة التي تصدرت مطلع هذا المقال "تروح فين يا زعلوك وسط الملوك؟" والتي تحورت بعد ذلك فأصبحت "تروح فين يا صعلوك وسط الملوك" حيث عادةً ما ينتهي مصير الصعاليك كما انتهت حياة "إسماعيل زعلوك" بامتهان يصل إلى حد القتل بسبب ضعفهم أمام الأقوياء.
مرت 215 سنة دار الزمن فيها ولفت الأيام. لكن منطق التاريخ بقي كما هو: صعاليك جدد يظهرون ليجدوا أنفسهم بلا رغبةً منهم وسط أقوياء ليست لهم بهم صلة إلا ما يكتبه القدر. وقد كتب القدر في عصرنا هذا على صعلوك مثلي وعلى مئات الملايين من الصعاليك أن يجدوا أنفسهم وسط ملوك العصر الجديد من أقطاب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، الذين باتوا يتصرفون بعنجهية ويهددون الإنسانية ويوجهون الساسة والسياسة ويتغلغلون بأفكارهم وأموالهم وأدواتهم في العلاقات الدولية.
فليس لديهم مانع ولا يردعهم رادع. باتت لديهم أموال تفوق أموال قارون، وثروات هائلة يضاعفونها كل سنة ليعودوا لينفقوا جانب منها على أخطر مغامرة صناعية عرفتها البشرية على الإطلاق. كما أن لديهم ما هو أخطر بكثير من أموال قارون. فلديهم غرور يزيد على غرور هامان. فهم من يدفعنا دفعاً للعيش بعيداً عن بعضنا للعيش أطول مع التليفونات والكمبيوترات والروبوتات فيما بات يسمى بعصر ما بعد الإنسان. ذلك العصر الذي يأنس فيه الفرد للحجر ولا يألف البشر، ويطمئن فيه لأدوات التواصل الافتراضي مبتعداً عن طرق التواصل الحسي القديمة.
لقد ملأ ملوك العصر الجديد حياتنا بأجهزة مرعبة وطرق متعبة تفعل بنا وفينا ما لم يكن خيال أكثرنا يصل إليه. وأمام ملوك شركات التكنولوجيا الكبرى الذين يوسعون سيطرتهم الكونية اتسعت دائرة الصعاليك ممن ليس لهم حول ولا قوة، إلى حد باتت أرواحنا بلا مبالغة موضوعة على المحك ونحن نقف وسط هؤلاء تماماً كما حدث للحاج "إسماعيل زعلوك" قبل أكثر من قرنين.
واحدة من أساطين الزمن الجديد اسمها "بالانتير" وهي شركة متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري. ومن فرط قوتها باتت ومثيلاتها مثل "أر. تي . اكس" و "لوكهيد مارتن،" لا تخجل من الإعلان صراحة عن اتقانها تصنيع تكنولوجيا القتل، والأسوأ اعتبار ذلك انتصار للقيم والفلسفة. "فبالانتير" وشبيهاتها متخصصون في "أتمتة القتل" automated targeting بعد أن باتوا بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قادرين على جمع وربط بيانات تفصيلية مرعبة عن كل مخلوق يمشي على الأرض سواء عن طريق الأقمار الصناعية والمسيرات أو بفضل وسائل التواصل التي جعلوا الصعاليك يُغرمون بها، ليقوموا بعد ذلك عن طريق حسابات خوارزمية دقيقة بتحديد ما يعتبره ملوك تلك التكنولوجيا أهدافاً معادية حان وقت تدميرها. وهذه الأهداف المعادية ليست إلا بشراً من أحفاد "إسماعيل زعلوك" أو هم كل الصعاليك الجدد المغلوبين على أمرهم، وأنا مجرد واحد منهم.
ومع أن شركة "بالانتير" ليست الأكبر من حيث القيمة السوقية، إلا أنها الأجرأ في توعد صعاليك الكون بالإبادة. رئيسها "اليكس كارب" وصديقه "نيكولاس زاميسكا،" المستشار القانوني للشركة، خرجا بكتاب يعتبر مانفيستو مرعب عنوانه "الجمهورية التكنولوجية." وهو كتاب مُشبّع بعنجهية مركبة تجمع الشعور المفرط بالثقة في التكنولوجيا بالدفاع العنصري عن التفوق الغربي. مانيفستو سياسي لا يعتني بالمشاعر ولا بالأرواح.
يبشر الكتاب بأن "الجمهورية التكنولوجية" هي المستقبل، وأنها ستسود الأرض حتماً لا ظناً. لماذا؟ لأن للتكنولوجيا منطق يسميه "كارب" و "زاميسكا" "بالتسريع"، وقد وصلت التكنولوجيا مع الذكاء الاصطناعي إلى درجة تسريع بل وتفرد وضعت الآلة فوق الإنسان ليتحول التقدم التكنولوجي من رغبة وأمل إلى حتمية لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها أو أن يعترض عليها وإلا لكان مصيره الإزاحة. وأمام تكنولوجيا جديدة لا قبل لأي قوة على مواجهتها، ومن أجل تأسيس الجمهورية التكنولوجية يجب أن يهون كل شيء بما في ذلك التضحية بالإنسان، خاصةً لو كانوا من الصعاليك أبناء الثقافات الراكدة.
والأخطر من الانحياز للتكنولوجيا على حساب أرواح البشر، انحياز "كارب" و "زاميسكا"، وهما أمريكيان، بشكل يقترب إلى العنصرية حيث طالبا بأن يصبح ملوك التكنولوجيا الجدد ركيزة تعزيز القوة الصارمة للولايات المتحدة والغرب. لم ينس الرجلان أن يقسما العالم إلى غرب خير وباقين أشرار. ولأن الغرب خير فهو يستحق أن يعيش. أما غيره فيضج بالصعاليك الذين لن تبكي عليهم الجمهورية التكنولوجية القادمة، التي هي جمهورية غربية تعتمد التسريع المطلق للتكنولوجيا ولن تصمد أمامها ثقافات الآخرين لأنها رجعية ومتخلفة وعاجزة عن فهم نزعة الغرب الفلسفية الماضية إلى تحقيق حلم السوبرمان.
ولأن التكنولوجيا من وجهة نظرهم باتت مطلقة وبات الغرب سيدها بلا منافس، فليس أمام تلك "الجمهورية التكنولوجية" الغربية الجديدة إلا تسريع وتيرة عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية بإمداد جيشها بأدوات حاسمة للتفوق العسكري. وهو ما يلزمه وضع حد لكل بنى الجمهورية القديمة من بيروقراطية وأجهزة تعقب ضريبي ومن صعاليك لم يعد من ورائهم نفع.
هذه باختصار رؤية شركة باتت فاعلاً في العلاقات الدولية تعبر عن تيار تكنولوجي كوني مخيف لديه نفور من البديهيات الأخلاقية التي عاش عليها العالم لآلاف السنين، ويرتبط بمصالح اقتصادية مهولة تجعل ملوك العالم الجدد في حل من إهدار دم صعاليك العالم كله.
اللهم ارحمك يا حاج "إسماعيل يا زعلوك." واللهم ارحم كل صعلوك.
----------------------------------
بقلم: د. إبراهيم عرفات






