قلت ذات مرة رداً على سؤال بشأن الانطباع عن اللقاء مع مسؤول رفيع قبل سنوات، "إن هذا الرجل لا يجب الصحافة والإعلام، ولكنه يريدهما ولا يمكن أن يعيش من دونهما".
هذا هو الحال الذي ينطبق على الكثير من تصرفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهو كاره للصحافة ووسائل الإعلام، إلا أنه لا يمكن أن يعيش دونهما، إدراكاً من أن الإعلام عامة هو الطريق للتلاقي مع الجمهور، ونشر اخباره، ووسيلة الدفاع عن سياساته وتصرفاته، والتواصل مع المجتمع، ولا يمكن أن تحل محلها بوستاته على وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تحمل روح الحوار المباشر.
ورغم صفاقة ردود ترامب على الصحفيين، إلا انه يسعى للحوار مع الإعلام، وتزداد حاجته له مع تزايد الضغوط عليه وملاحقته بالاتهامات والتي وصلت إلى اتهامات بالتحرش ضد أطفال، وتزاد حاجة ترامب للإعلام في ظل تآكل شعبيته في الداخل الأمريكي، نتيجة الأزمات الاقتصادية بسبب حروبه الشخصية، ومن أجل إسرائيل والفشل في تحقيق ما كان يصبو إليه.
والذكاء في إدارة واثارة ما بداخل ترامب يختلف من محاور إلى أخر، وفي لقائه مع المذيعة "نورا أودونيل" على قناة (سي بي إس نيوز) CBS News، في برنامج "60 دقيقة"، نجحت نورا في أن يحاصر ترامب نفسه ويدخل في حالة دفاع عن أفعال مشينة، لا يمكن أن تكذبها محاولات النفي التي يصر عليها.
اختارت مذيعة (سي بي إس نيوز) CBS News، مدخلاً ذكياً لاستثارة ترامب، عقب قيامها بقراءة مقتطفات من البيان (المانيفستو) المنسوب للمشتبه به (كول ألين) في حادث إطلاق النار خلال حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، والتي قال فيها " لم أعد مستعدا للسماح لشخص مغتصب وخائن بأن يلطخ يدي بجرائمه" في إشارة إلى دونالد ترامب، مضيفاً "وهذه هي أول فرصة حقيقية تتاح لي لفعل شيء حيال ذلك" منوها إلى أنه هدفه هم مسؤولي الإدارة الأمريكية.
بهذه الكلمات نجحت المذيعة في تعرية دونالد ترامب، ليواجه جمهور متابعيه حول العالم بحالة غضب تؤكد أنه رفيق في فضائح بقضية "جيفري إبستين"، بالصوت والصورة، إلا أن ترامب وبدلاً من الرد الهادئ شن هجوماً شديدا وفي توتر عالٍ على مذيعة سي بي إس نيوز.
لم يحتمل ترامب ما وجهه كول ألين له في رسالته عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي التي أعلن فيها دوافعه من عمله لدخول عشاء ترامب مع مراسلي الصحافة والذي أعلن فيها معاداته "لترامب وللمسيحية"، وفي رده على ذلك، خرج عن دبلوماسية الحوار، ليقول للمذيعة "أنتم أشخاص سيئون، وكنت أعلم أنك ستقرأين ذلك لأنكم أشخاص فظيعون"، وفي حالة من الانفعال قال "أنا لست مغتصباً ولم أعتدِ على أحد"، و "لا ينبغي قراءة هذا على برنامج 60 دقيقة إنه أمر مخزٍ".
كلمات ترامب مؤشر على أزمة يعيشها هذه الأيام، حيث عاد ليقول للمذيعة أنا لست متحرشًا بالأطفال، لماذا تقرأين هذا الكلام الصادر عن شخص مريض؟ تمّ تبرئتي بالكامل"، متهماً وسائل الإعلام وخصومه السياسيين وأشخاصًا آخرين ارتبطوا بقضية جيفري إبستين بمحاولة ربطه بقضايا لا علاقة له بها!.
توتر ترامب واضح جداً إلا أنه واصل الحوار مع البرنامج في تأكيد على حاجته للإعلام، في وقت يمثل التوتر انعكاسا للحالة التي تمر بها المفاوضات بين أمريكا وإيران، بغض النظر عن الرابح والخاسر من الحرب، وتزداد العلاقة بينه وبين الصحافة سوءاً، والتي لم يستبعد أن تتزايد مع مرور الوقت، مع اتساع تراجع شعبيته وسوء ردوده، فقد قال في لقاء برنامج 60 دقيقة "إن الخلافات بينه وبين الصحافة مستمرة خصوصاً حول قضايا الجريمة، منوها إلى أن وسائل الإعلام والديمقراطيين يكادون يكونون جهة واحدة".
القراءة للحالة التي يمر بها دونالد ترامب، تؤشر إلى أنه محاصر من اتهامات بارتكاب أعمال غير أخلاقية، على رأسها التحرش بأطفال، واتهامات بالفشل في الدخول في حرب لصالح أطراف صهيونية، ومحاولة إرضاء قوى داخليه، وحصار من حلفاء غربيين واقليميين بسبب تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي.
يضاف إلى ذلك أن ترامب يعيش في حصار داخلي بسبب التداعيات الخطيرة على الاقتصاد الأمريكي، مع حصار نفسي بين قضبان صنعها بنفسه، ومستمر في الدفاع عن نفسه بصرخات "أنا برئ"، وليس مستبعداً أن يطلق نفس الصرخات مع توجيه اتهامات سياسة واقتصادية له، وسط إصرار على إدارة السياسة بمنطق سمسار العقارات.
-------------------------------------
بقلم: محمود الحضري






