لم تكن تلك المرة الأولى التي أصعد فيها سلالم "البيت الكبير"، لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أن شيئًا ما قد انكسر.
رأيتُ أمي جالسةً على السلم أمام باب شقتنا، تبكي بصمت. لم يكن بكاءً معتادًا؛ لا صوت، لا شكوى، فقط دموعٌ هادئة تنحدر وكأنها تعرف طريقها جيدًا. توقفتُ للحظة، لم أفهم، وسألتها بقلق: "مالك يا أمي؟"
رفعت عينيها نحوي، وقالت جملة لم تغادرني منذ ذلك اليوم: "من يوم ما اتجوزت… ما عيشتش يوم من غيرها."
كانت تقصد زوجة عمي محمد، "أبلة قدرية"، الذين يسكنون معنا في الطابق نفسه.
في تلك اللحظة، لم أكن أدرك تمامًا أبعاد المشهد، لكنني فهمت لاحقًا أن ما رأيته لم يكن مجرد حزن عابر، بل كان إيذانًا بالنهاية.
عالم الثمانية عشر حفيدًا
قبل ذلك اليوم، كان البيت الكبير عالمًا قائمًا بذاته. لم نكن مجرد أبناء عمومة، بل كنا أسرة واحدة كبرى. ثمانية عشر حفيدًا وحفيدة، نكبر معًا، ونتحرك ككيان واحد، يجمعنا سقف البيت الكبير وروح واحدة.
كنا نذهب إلى المدرسة أو الجامعة معًا، ونعود فنفتح الكتب معًا؛ يذاكر الكبير للصغير، بيننا مسؤولية مشتركة عن بعضنا البعض. لم يكن هناك "لي" و"لك" بالمعنى الضيق؛ كنا نتبادل كل شيء: الملابس، الأدوات، وحتى الأحلام الصغيرة.
نلعب معًا، نختلف أحيانًا، ثم نتصالح سريعًا؛ فالمساحة لم تكن تسمح بترف الخصام الطويل. وفي المناسبات، كانت المائدة تمتد لتستوعب الجميع بترتيب نحفظه بالفطرة؛ المائدة الأولى للرجال، ثم الثانية للسيدات، وفي الأعياد لم تكن الوجهة سوى… البيت الكبير.
التسلل الهادئ للفراق
كبرنا… وتغير كل شيء ببطء شديد. تخرجنا وتزوجنا، وبدأ النزوح؛ كلٌ إلى بيته، إلى حي مختلف، إلى حياة تحمل ملامح الاستقلال. ومع ذلك ظل الخيط قائمًا، نعود في المناسبات لنشعر أن كل شيء ما زال كما هو… أو هكذا توهمنا.
حين قرر عمي "محمد" ترك البيت، بدا الأمر أول صدع في الجدار الصامد. وبعدها بوقت قصير خرجنا نحن أيضًا؛ انتقل أبي وأمي إلى بيت جديد. لم يكن مجرد تغيير في المكان، بل كان بداية إحساس خافت بأن العمر ينفلت من بين أيدينا.
ثم جاءت الفواجع…
رحلت خالتي أكابر زوجة عمي محمود، و حماتي التي كانت ركنًا من أركان البيت، فترك غيابها فراغًا كبيرًا فيه. ثم رحل عمي محمود، فتداعى ركن آخر من البيت.
تشابك الأرواح
في هذا البيت، لم تكن العلاقات تسير وفق المسميات التقليدية، بل كانت نساء البيت - أمي وزوجات أعمامي - كأنهن أخوات لا تنفصل إحداهن عن الأخريات؛ تدعم كلٌّ منهن الأخرى في كل شيء، ولا تنفصل عنهن في شراء الأغراض وفي الواجبات والزيارات العائلية، وكل منهن كانت أمًا للجميع وليس لأبنائها فقط، وبالطبع كذلك الأعمام.
في البيت الكبير كانت الأرواح تتشابك في نسيج واحد. ومن قلب هذا النسيج برزت ملامح "خالتي كوثر"، زوجة عمي أحمد الراحل. ورغم أنها كانت تسكن في منزل مجاور، إلا أنها كانت عمودًا أساسيًا من أعمدة "البيت الكبير". كان حضورها مهيبًا، وشخصيتها قوية نافذة، ومنها تعلمتُ معنى "الجدعنة" وتحمل المسؤولية في أبهى صورها.
لم تكن مجرد قريبة، بل كانت الدرع الذي يحميني؛ أكثر نساء البيت دعمًا لي في قراراتي، وأشدهن دفاعًا عني في كل المواقف الخلافية التي كانت تنشأ داخل البيت الكبير. كانت الصوت الذي ينصفني، والقلب الذي يستوعب طموحي وتمردي وبفقدانها، فقد البيت جزءًا كبيرًا من توازنه وحمايته.
بدأ البيت يفقد أعمدته واحدًا تلو الآخر. لم يحدث التفكك دفعة واحدة، بل جاء تدريجيًا، هادئًا، كأنه لا يريد لفت الانتباه. مع كل رحيل كان ينكسر شيء، ومع كل غياب كانت المسافات تكبر أكثر مما ننتبه، والغياب صار هو الحياة. ومع الوقت، لم يعد أحد يسكن البيت الكبير كما كان.
تفرقنا… لا خلافًا، بل حياة. كلٌ انشغل ببيته، وأبنائه، ومسؤولياته. بقيت المحبة، وبقيت الذكريات، لكن اللقاءات لم تعد كما كانت. حتى الأفراح لم تعد تجمعنا جميعًا؛ أحيانًا تضيق الأماكن، وأحيانًا تفرض الظروف نفسها، وأحيانًا تتسلل مسافات غير مرئية بين القلوب.
لم يعد البيت الكبير هو نقطة الالتقاء. وصار المكان الوحيد الذي يجمعنا الآن… ساحة مسجد سيدي عمر بن الفارض بالاباجية، أسفل جبل المقطم بجوار مدافن الأسرة. هناك فقط نلتقي حين يرحل أحدنا، فنقف معًا للحظات كما كنا في وداعه… ثم نفترق من جديد.
العودة الأخيرة
ومنذ أيام قليلة، عدتُ إلى هناك.
ذهبتُ أنا وبنات عمي لتقديم واجب العزاء في أحد الجيران. صعدنا السلم الذي حفظ خطواتنا، ووقفنا أمام الباب الذي شهد أعمارنا… لكن أحدًا لم يكن هناك.
كان هناك أناس آخرون.
وجوه لا نعرفها، وأصوات لا تشبهنا، وحياة لا تمتّ إلينا بصلة.
نظرتُ حولي أبحث عن شيء واحد يدل علينا، عن أثر صغير يشبهنا… فلم أجد.
في تلك اللحظة فقط أدركت:
أن البيت الكبير لم يعد بيتنا،
وأنه لم يعد مجرد مكان تركناه،
بل عالمٌ انتهى.
لم ينتهِ لأننا أردنا،
ولا لأننا اختلفنا،
بل لأنه خضع لقانون الحياة نفسه:
"كل ما يتسع كثيرًا… لا بد أن يتفرق".
ويبقى السؤال الذي لا يفارقني:
هل خسرنا حين خرجنا من البيت الكبير… أم أننا فقط كبرنا؟
-----------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






