في مشهد كروي مصري تهيمن عليه أندية القمة، تواصل أندية عريقة مثل الترسانة والاتحاد السكندري والمصري البورسعيدي والمنصورة معاناتها بعيدًا عن الأضواء. ورغم امتلاك هذه الأندية تاريخًا كبيرًا وقواعد جماهيرية واسعة، فإنها تعيش أزمات مالية وإدارية تهدد استقرارها، في ظل واقع اقتصادي صعب يصطدم بطموحات جماهيرها.
الترسانة.. تعثر بلا نهاية
منذ هبوطه من الدوري الممتاز عام 2009، لم يعرف نادي الترسانة طريق الاستقرار، حيث تتكرر الأزمات الإدارية والفنية بشكل لافت. ويأتي تغيير الأجهزة الفنية بشكل متكرر كأحد أبرز مظاهر التخبط، إذ لم يستمر آخر مدربي الفريق سوى ثلاث مباريات فقط قبل رحيله.
ولا تتوقف مشاكل الترسانة عند الجانب الفني، بل تمتد إلى أزمات مالية مع وزارة الأوقاف تتعلق ببعض الأصول، فضلًا عن اتهامات طالت بعض أعضاء مجلس الإدارة، خاصة بعد واقعة غرق أحد لاعبي النادي داخل حمام السباحة، والتي أُرجعت إلى الإهمال.
الاتحاد السكندري.. أزمة سيولة وعقوبات
في الإسكندرية، يعاني الاتحاد السكندري من أزمة مالية واضحة أثرت بشكل مباشر على قدرته في تدعيم صفوفه. ففي صيف 2025، اضطر الجهاز الفني بقيادة أحمد سامي للاعتماد على صفقات مجانية ولاعبين منتهية عقودهم، في ظل غياب السيولة المالية.
ورغم التعاقد مع عدد كبير من اللاعبين، فإن الأزمة تجاوزت حدود سوق الانتقالات، لتصل إلى عقوبات دولية. فقد تعرض النادي لإيقاف القيد ثلاث فترات بسبب مستحقات متأخرة للاعب الغيني ناموري تراوري، نتيجة خطأ إداري في تحويل مبلغ بسيط نسبيًا.
وتكررت الأزمة لاحقًا مع اللاعب كرامو كوامي، قبل أن يتم حلها بتدخل إداري سريع، في مشهد يعكس خللًا واضحًا في المنظومة الإدارية.
المصري.. نموذج للاستقرار
في المقابل، يقدم النادي المصري البورسعيدي تجربة مختلفة، حيث نجح في تحقيق استقرار مالي ملحوظ. وأعلن رئيس النادي كامل أبو علي تسوية جميع الديون، مؤكدًا أن النادي بات من بين القلائل في مصر الذين لا يعانون من أزمات مالية.
ويعتمد هذا الاستقرار على رؤية استثمارية واضحة، تشمل تأسيس شركة كرة قدم، والسعي لتنفيذ مشروعات استثمارية، إلى جانب تطوير البنية التحتية، وعلى رأسها ملعب النادي.
المنصورة.. توازن بين الاستثمار والهوية
وفي المنصورة، تتجه الإدارة نحو تأسيس شركة لكرة القدم بالشراكة مع مستثمرين، مع التأكيد على الحفاظ على اسم النادي وهويته. ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق التوازن بين متطلبات الاستثمار والحفاظ على التاريخ والجماهيرية.
أسباب الأزمات
تتعدد أسباب الأزمات التي تعاني منها الأندية، أبرزها ضعف الخبرات الإدارية والاعتماد على حلول مؤقتة بدلًا من التخطيط طويل المدى، إلى جانب غياب الرقابة والمحاسبة، وانعدام مصادر دخل ثابتة، ما يجعل الأندية رهينة للدعم المؤقت.
أزمة أوسع في الرياضة المصرية
ولا يمكن فصل هذه الأوضاع عن السياق العام، حيث شهدت الرياضة المصرية في السنوات الأخيرة أزمات متكررة، من قرارات تنظيمية مثيرة للجدل إلى أزمات مالية وإدارية في عدد من الأندية الكبرى، ما يعكس الحاجة إلى إصلاح شامل.
هل من حل؟
رغم الصورة القاتمة، تظل هناك مؤشرات إيجابية من خلال بعض النماذج الناجحة. غير أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تطوير التشريعات، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الإدارة، إلى جانب تشجيع الاستثمار الرياضي.
في النهاية، تبقى الجماهير هي الطرف الأكثر تضررًا، حيث تدفع ثمن هذه الأزمات رغم وفائها المستمر، في انتظار إدارة تليق بتاريخ أنديتها وطموحاتها.






