29 - 04 - 2026

عالم بلا حراس.. عقيدة "الخنجر المسموم | قرن من "هندسة الدم" في العقلية الصهيونية

عالم بلا حراس.. عقيدة

في اللحظة التي يجد فيها الشرق الأوسط نفسه عالقاً بين مطرقة التحولات الجيوسياسية الحادة وسندان الانفجارات المتتالية، لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن جذوره التاريخية.

"من خنجر "دي هان" إلى مسيرات 2026"

إن ما نشهده اليوم على الأرض من تصفيات تكنولوجية مروعة واستباحة كاملة لسيادة الدول، ليس مجرد تكتيك عسكري طارئ، بل هو استمرار لـ "عقيدة وجودية" تأسست عليها الحركة الصهيونية قبل قرن من الزمان؛ عقيدة ترى في التصفية الجسدية للخصم الطريق الأقصر لفرض الهيمنة، وتعتبر العالم بأسره ساحة مفتوحة لعملياتها في غياب أي حراس حقيقيين للقانون الدولي.

الكي الداخلي واغتيال الشرعية الدولية

لم تبدأ آلة الاغتيالات الصهيونية بتوجيه فوهتها نحو العرب، بل بدأت بـ "الكي الداخلي" وتصفية المعارضة اليهودية نفسها.

ففي عام 1924، سقط المفكر اليهودي "يعقوب دي هان" برصاص منظمة "الهاغاناه" في القدس، ليكون أول ضحية سياسية في تاريخ المشروع الصهيوني، ذنبه الوحيد أنه سعى لحوار يضمن العيش المشترك بعيداً عن الرؤية الإقصائية.

توالت بعدها عمليات التصفية البينية، كاغتيال القيادي "حاييم أرلوزوروف" في تل أبيب عام 1933 إثر خلافات داخلية.

وحين شعرت العصابات الصهيونية أن الانتداب البريطاني والمجتمع الدولي قد يقفان عقبة أمام طموحاتها التوسعية، لم تتورع عن تصفية اللورد البريطاني "موين" في القاهرة عام 1944.

ومع إعلان قيام الدولة الصهيونية عام 1948، انتقلت هذه الميليشيات إلى مؤسسة الإرهاب، فكانت أولى رسائلها للمجتمع الدولي هي اغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت السويدي "فولك برنادوت" في القدس، لأنه تجرأ على اقتراح عودة اللاجئين الفلسطينيين وتدويل المدينة المقدسة. كانت الرسالة واضحة منذ البداية ، القوة وحدها تصنع الشرعية.

استهداف العقل والامتداد الجغرافي

مع تحول العصابات إلى "دولة"، تحولت الاغتيالات إلى سياسة أمنية منهجية تجاوزت الحدود الجغرافية.

في الخمسينيات والستينيات، أدركت إسرائيل أن الخطر لا يكمن فقط في البندقية، بل في "العقل"، فأطلقت عمليات واسعة عبر الطرود المفخخة لاغتيال العلماء الألمان العاملين في البرامج العسكرية المصرية ؛ بالإضافة للكثير من المصريين والعرب (مثل أبو علي مصطفى، يحيى المشد، سميرة موسى، وعلماء العراق، وآلاف الكوادر الميدانية) وحتى الأجانب ولا يتسع المقال لذكرهم حاليا.

ومع مطلع السبعينيات، دشنت إسرائيل مرحلة استباحة العواصم العالمية. فمن تفخيخ سيارة الأديب غسان كنفاني في بيروت (1972) في محاولة بائسة لاغتيال الرواية الفلسطينية، إلى ملاحقة قيادات منظمة التحرير في شوارع أوروبا ضمن ما سُمي بـ "غضب الله"، حيث سقط وائل زعيتر في روما ومحمود الهمشري في باريس. واستمرت اليد الطويلة في ملاحقة خصومها، من اغتيال "أبو جهاد" بعملية إنزال ضخمة في تونس (1988)، وفتحي الشقاقي في مالطا (1995)، وصولاً إلى اغتيال محمود المبحوح في دبي (2010) في فضيحة استخباراتية كشفت استخدام جوازات سفر دولية مزورة.

عصر المسيرات وتصفية الهياكل القيادية

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن المواجهات المباشرة باتت مكلفة، فانتقلت إلى عصر "القتل النظيف" عبر التكنولوجيا والمسيرات.

حيث شهدت الساحة الفلسطينية اغتيال الرموز التاريخية كالشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي (2004) بصواريخ الأباتشي. وفي عام 2008، طالت الاغتيالات القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية في قلب دمشق.

لكن التحول الأخطر تجلى في استهداف البرامج العلمية الإقليمية، والذي بلغ ذروته باغتيال العالم النووي الإيراني "محسن فخري زاده" (2020) عبر سلاح موجه بالذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية.

هذا التطور نقل إسرائيل من استهداف الأفراد إلى محاولة شل "العقل الإستراتيجي" للخصوم.

حروب الظل الراهنة ، الزلازل الكبرى

ما يحدث على الأرض اليوم، امتداداً من عام 2024 وحتى اللحظة الراهنة، يمثل انقلاباً شاملاً في قواعد الاشتباك ، فلم تعد إسرائيل تستهدف شخصية هنا أو هناك، بل لجأت إلى "تصفية الهياكل القيادية بالكامل".

لقد شكلت عملية تفخيخ أجهزة الاتصال (البيجر واللاسلكي) في لبنان سابقة مرعبة في تاريخ الحروب السيبرانية، تلاها الزلزال الأكبر باغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ومرشحه للخلافة هاشم صفي الدين، وقادة المجلس العسكري (إبراهيم عقيل وفؤاد شكر) بآلاف الأطنان من المتفجرات التي سوت مربعات سكنية كاملة بالأرض.

وبالتوازي، أظهرت إسرائيل قدرتها على اختراق أكثر الساحات تحصيناً، كما حدث في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، داخل مقر ضيافة رسمي في طهران، في تحدٍ صارخ للأمن القومي الإيراني، إلى جانب الاستهدافات اليومية المستمرة التي تطال مستشاري الحرس الثوري في دمشق وقيادات الفصائل في بيروت وغزة.

هندسة الدم

إن القراءة المتأنية لهذا التاريخ الدموي الممتد تؤكد أن المؤسسة الصهيونية، رغم امتلاكها لأعتى ترسانة تكنولوجية في العالم، لا تزال أسيرة عقلية "الميليشيا" التي تعتقد أن قطع الرؤوس ينهي الصراعات.

قد تحقق هذه الاغتيالات نشوة انتصار تكتيكي مؤقت في شوارع تل أبيب، لكنها على المدى الإستراتيجي تعمق أزمات الكيان الوجودية. ففي كل مرة يُغتال فيها قائد، تولد أجيال أكثر راديكالية وتصميماً، لتثبت معادلة التاريخ الأزلي أن الاغتيالات تعرقل مسار الشعوب، لكنها أبدًا لا تطفئ القضايا الجوهرية، في منطقة كُتب عليها أن تبقى بين مطرقة القوة الغاشمة وسندان إرادة البقاء.
--------------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

عالم بلا حراس.. عقيدة