29 - 04 - 2026

أمريكا بعد ترامب: تفوّق مهدَّد أم انهيار مؤجَّل؟

أمريكا بعد ترامب: تفوّق مهدَّد أم انهيار مؤجَّل؟

ليس من الدقة أن نصف ما تعيشه الولايات المتحدة اليوم بأنه لحظة انهيار، كما أنه ليس من الحكمة أن نطمئن إلى أنها في مأمنٍ من قوانين التاريخ. بين هذين التوصيفين المتناقضين، تقف الحقيقة في منطقة أكثر تعقيدًا: ما نراه هو أزمة استمرار، لا أزمة وجود؛ أزمة الحفاظ على التفوق، لا فقدان القدرة على البقاء.

الخطاب الشائع الذي يحتفي بـ “ترنّح الإمبراطورية” يخلط بين الاهتزاز والسقوط، بين التراجع النسبي والانهيار البنيوي. وهو خلط مفهوم نفسيًا، لكنه فقير تحليليًا. 

القوى الكبرى لا تسقط لأنها تواجه أزمات، بل حين تعجز عن إدارتها، أو تفقد الأدوات التي مكّنتها من تجاوز أزماتها السابقة. والتاريخ، إذا قرأناه بعيدًا عن الرغبات، يخبرنا أن الولايات المتحدة لم تصل إلى هذه النقطة بعد.

صحيح أن الداخل الأمريكي يعيش حالة استقطاب حاد غير مسبوقة منذ عقود؛ انقسام سياسي يضرب في عمق المجتمع، وتآكل نسبي في الثقة بالمؤسسات، وصعود خطاب شعبوي يعكس ارتباكًا في تعريف الدور الأمريكي ذاته. 

وصحيح أيضًا أن الخارج لم يعد كما كان: منافسون بحجم الصين يصعدون بثبات، وقوى كـ روسيا تعود إلى المشهد بأدوات صلبة، بينما تتآكل القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المنفردة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة.

هذه الصورة، لا تكفي للحديث عن انهيار. فالعناصر العميقة للقوة الأمريكية ما زالت تعمل: اقتصاد ضخم قادر على امتصاص الصدمات، نظام مالي عالمي لا يزال يتمحور حوله، تفوق تكنولوجي متجدد، والأهم من ذلك، بنية مؤسسية أثبتت مرارًا قدرتها على إعادة التوازن حتى بعد لحظات ارتباك حادة.

ما تعانيه الولايات المتحدة اليوم هو ضغط الانتقال من وضع “الهيمنة المطلقة” إلى “التفوق المتنازع عليه”، وهذه لحظة تاريخية صعبة لأي قوة كبرى، لأنها تفرض عليها التكيف مع واقع لم تعتده: عالم لا تقوده وحدها، ولا تستطيع تجاهله أو إخضاعه بالكامل. 

هنا تحديدًا تتولد الأزمة: كيف تحافظ على موقع الصدارة دون الأدوات القديمة نفسها؟ وكيف تعيد تعريف قيادتها في نظام دولي لم يعد أحادي القطب؟

في هذا السياق، يبدو الحديث عن “الانهيار” أقرب إلى رغبة منه إلى تحليل. فالتراجع النسبي لا يعني السقوط، بل قد يكون جزءًا من عملية إعادة تموضع. بل إن التاريخ يقدم لنا نماذج لقوى كبرى مرت بمراحل ضعف نسبي، لكنها استعادت توازنها بطرق مختلفة، أحيانًا عبر إصلاح داخلي، وأحيانًا عبر إعادة تعريف دورها في العالم.

ومع ذلك، فإن إنكار وجود الأزمة لا يقل سذاجة عن المبالغة فيها. فالولايات المتحدة تواجه بالفعل تحديات بنيوية: فجوة اجتماعية متسعة، استقطاب يهدد تماسك القرار السياسي، وصعود قوى دولية لا تكتفي بمنافستها بل تعمل على إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي ذاته. 

هذه التحديات، إذا لم تُدر بكفاءة، يمكن أن تتحول من أزمة استمرار إلى بداية مسار تآكل طويل.

السؤال الأكثر دقة بتعلق: بقدرة أمريكا رغم كل هذه العوائق على الاستمرار في موقعها المتفوق بنفس الصيغة؟ 

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا. لكن هذا “اللا” لا تعني السقوط، بل التحول. فالقوة التي صاغت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية لن تختفي بسهولة، لكنها أيضًا لن تبقى كما هي.

اللحظة الراهنة إذن ليست لحظة أفول، بل لحظة اختبار. اختبار لقدرة الولايات المتحدة على التكيف مع عالم يتغير بسرعة، وعلى إعادة بناء توازنها الداخلي، وعلى إدارة صراعها مع منافسين جدد دون الانزلاق إلى فوضى تفقدها ما تبقى من تفوقها.

قد يأتي يوم الأفول، كما تقول قوانين التاريخ، لكن هذا اليوم لا يُقاس بانفعالات اللحظة ولا بخطابات التمني. هو مسار طويل، تتراكم فيه الأخطاء بقدر ما تتآكل فيه عناصر القوة. وربما يكون هذا اليوم قد اقترب، لكنه لم يصل بعد.

أما الآن، فنحن أمام قوة تعاني ـ نعم ـ لكنها تعاني كي تستمر، لا لأنها انتهت. وهذا فارق يصنع كل الفرق.

ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال بصيغة مختلفة: ليس هل تنهار الولايات المتحدة، بل كيف تُمسك بتفوقٍ بدأ يتفلّت من بين يديها. 

 فالأخطار لم تعد تأتي من جبهة واحدة؛ في الداخل، تآكل بطيء يهدد تماسك النموذج نفسه، استقطاب يضرب في عمق المجتمع، وارتباك في تعريف الدور والغاية. وفي الخارج، قوى صاعدة لا تسعى فقط لمزاحمتها، بل لإعادة تشكيل قواعد اللعبة التي صنعتها هي يومًا.

هي على الحقيقة أزمة إمساك بما تبقى من تفوق في عالم لم يعد يعترف بسهولة بتفوقٍ مطلق. وهذه أخطر مراحل القوة، حين تتحول من حالة مستقرة إلى موقعٍ يحتاج إلى دفاع دائم، وحين يصبح الحفاظ على القمة أصعب من الوصول إليها.

قد لا يكون زمن الأفول قد حان بعد، لكن المؤكد أن زمن التفوق المريح قد انتهى. وما بين هذا وذاك، ستتحدد ملامح مرحلة ما بعد ترامب: إما قدرة على إعادة ضبط التوازن واستيعاب الضغوط، أو انزلاق تدريجي ثابت نحو فقدان الموقع الذي استغرق بناؤه قرنًا.
-----------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

أمريكا بعد ترامب: تفوّق مهدَّد أم انهيار مؤجَّل؟