30 - 04 - 2026

تحرير سيناء لقطة مشرفة فى البوم التاريخ المصري | انتصار صنع آمالا وآلاماً شكلت وعياً بالمستقبل

تحرير سيناء لقطة مشرفة فى البوم التاريخ المصري | انتصار صنع آمالا وآلاماً شكلت وعياً بالمستقبل

فى حياة الأمم والشعوب ذكريات كثيرة (حلوة ومرة) تتشابة إلى حد كبير مع الذكريات العائلية أو الأسرية التى نحتفظ بها فى ذاكرتنا أو نصنع منها ألبوماً من الصور الفوتوغرافية (مطبوعا أو إلكترونيا)؛ نرجع إليه بين الحين والآخر أو "فى ذكراه" لنتذكر تلك الذكريات ونستخلص منها العبرة التاريخية؛ ذلك أن تاريخ الأمم ما هو إلا سجل حافل بالانتصارات التي تصنع آمالها، والآلام التي تشكل وعيها وتضحياتها.

امس السبت 25 أبريل 2026م حلت الذكرى الرابعة والأربعين لخروج آخر جندى إسرائيلى من سيناء الحبيبة ورفع العلم المصرى عليها يوم الأحد 25 أبريل 1982م . فى ذلك اليوم وقف المصريون أمام شاشات التلفاز، وبجوار أجهزة الراديو يتابعون لحظة دخول الجنود المصريين إلى سيناء، وانسحاب الجيش الإسرائيلي منها، ورفرفة علم مصر بعد رفعه عالياً، وكلمات الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ترن فى الآذان "اليوم ترفرف راية مصر على سيناء، إيذاناً بانتهاء آخر مرحلة من مراحل التحرير، وبداية مرحلة جديدة من البناء والتعمير". ومنذ تلك اللحظات أصبح هذا التاريخ يوماً خالداً في ذاكرة الشعب المصري، كما أصبح رمزاً للصمود والنصر، وتجسيداً لإرادة الشعب المصري القوية في الدفاع عن أرضه وسيادته، وكذلك الدفاع عن دماء الشهداء التي روت أرض سيناء. وستظل ذكرى ذلك اليوم المجيد مصدر إلهام للأجيال القادمة من أجل استكمال معركة البناء والتنمية.

لكن 25 أبريل ليس هو وحدة اللقطة المشرفة أو الصفحة المضيئة فى ذلك الألبوم الذى تحدثنا عنه فى بداية مقالنا؛ ذلك أنه لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة مباشرة لانتصار عسكري حاسم تحقق خلال حرب أكتوبر1973م ، ذلك النصر الذي أعاد لمصر مكانتها وفرض معادلات جديدة على الساحة الدولية، وبالتالى فهذا اليوم هو نتيجة لما سبقه من سنوات الألام والآمال والتضحيات والبطولات والمبادرات والمفاوضات، وهو كذلك مقدمة لما بعده من بناء وتنمية سبقها لجوء إلى محكمة العدل الدولية لاسترداد "طابا" عن طريق التحكيم الدولى.

وللحق والتاريخ، كانت القيادة السياسية تدرك تماماً – كما تدرك اليوم - أهمية وقيمة ما تفعله وما تقوم به، كما كانت تعرف أن التاريخ والأجيال سيجلسون يوماً لتذكر تلك الأيام لا للأفتخار بها فحسب، بل ليتعلم الأجيال دروس التاريخ وعبره وليروا مقدار ما ضحى به أجدادهم وما ضحوا من أجله؛ ففى خطابه أمام مجلس الشعب فى 16 أكتوبر 1973م تحدث الرئيس السادات قائلاً: " .... وربما جاء يوم نجلس فيه معا لا لكى نتفاخر ونتباهى ولكن لكى نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلا بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه ومرارة الهزيمة وآلامها وحلاوة النصر وآماله".

وبالفعل صدق "السادات" فى حديثه، وصُدق عبر الأجيال؛ ذلك أن ذكرى أكتوبر لا تزال خالدة فى أذهان المصريين وحاضرة "تشعل وجدانهم" رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها، وليس هذا فقط بل أنها مصدر فخر واعتزاز لكل المصريين؛ إذ لم يكن أكتوبر انتصارا عسكريا فقط، بل كان انتصارا للإرادة الشعبية، تلاحم فيه الشعب مع قواته المسلحة فتحقق نصراً كان بمثابة ملحمة سطرها الجيش والشعب الذى أثبت أن النصر لا يتحقق على جبهات القتال فقط، وإنما يتحقق – أيضاً - بوحدة الشعب وصموده ووعيه فى الجبهة الداخلية.

لكن نصر أكتوبر – أيضاً – سبقته لقطة آخرى فى ألبوم الذكريات التاريخية المصرية، وهى "حرب الاستنزاف"، والتى تكبدت فيها القوات الإسرائيلية خسائر جسيمة، واستعاد المقاتل المصري ثقته في قدراته العسكرية، وكان لها دور رئيسى فى إعادة الثقة للقوات المسلحة والمقاتل المصرى، ورغم ما كان بها من خسائر إلا أنها أحدثت حالة تلاحم استثنائية بين جميع أطياف الشعب المصرى، وكذلك بين الشعب والقيادة السياسية .

ولا يفوتنا التحدث عن لقطة حزينة فى ألبومنا الذى نتحدث عنه وهى تلك اللقطة التى سبقت "حرب الاستنزاف" وهى "نكسة 5 يونية 1967م" ، والتى نذكرها كصورة حزينة فى ذلك الألبوم دون خجل أو "كسوف" من ذكرها ، فليس فى تاريخنا وتاريخ نضالنا ما يُخجل؛ إذ ندرس التاريخ لنتعلم منه أخطاء الماضى ونستشرف منه آفاق المستقبل، ولم لا وقد عبرت عنها القيادة السياسية نفسها بأنها "... كانت استثناء فى تاريخنا وليست قاعدة" كما جاء فى خطاب الرئيس " السادات الذى تقدم ذكره .

وعود على بدء، نستطيع القول بأن 25 أبريل سبقته الكثير من المراحل واللقطات المهمة (حرب الاستنزاف – والعبور ...) ، ثم تلا ذلك لقطات لا تقل أهمية عن سابقتها مثل: الدخول في مفاوضات سياسية مع الجانب الإسرائيلي، انتهت بتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" 1978م ، وتوجت بتوقيع "معاهدة السلام" المصرية الإسرائيلية في مارس 1979م ، والتى نتج عنها انهاء الحرب، وانسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء ، وإقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل وتبادل للسفراء، ولا تزال تلك المعاهدة حتى الأن حجر الزاوية في العلاقات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، كما أنها تعد نقطة تحول جوهرية في الصراع العربي الإسرائيلي.

على أية حال، ترتب على تلك المعاهدة انسحاب اسرائيل من سيناء 25 أبريل 1982م، ورفع العلم المصري على أرضها كما تقدم. غير أن الجانب الإسرائيلى رفض الانسحاب من "طابا" بحجة أنها لا تقع ضمن الأراضي المصرية (تبلغ مساحتها1020متراً)، مما جعل القيادة المصرية تلجأ إلى هيئة تحكيم دولية، وتوج جهدها الدبلوماسى باستعادة طابا ورفع العلم المصري عليها في مارس 1989م وهو ما أضاف لقطة مشرفة أخرى ضمن لقطات "ألبوم" الذكريات التاريخية المصرية.

وعقب الاستقرار الذى شهدته سيناء الحبيبة بعد التحرير، عمدت القيادة السياسية المصرية إلى العمل على تنمية سيناء ضماناً لتحسين جودة حياة المواطنين، وتعزيزاً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ، مما يعكس رؤية الدولة المصرية في تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة. وقد نجحت مصر في تحقيق خطوات كبيرة ، خاصة في السنوات الأخيرة، ؛ إذ تحولت سيناء إلى محور استراتيجي للتنمية، ولم تمنع التحديات الأمنية التي واجهت سيناء الدولة من الاستمرار في تنفيذ خطط التنمية، بل كانت دافعًا لتكثيف الجهود فرأينا: مشروعات البنية التحتية مثل أنفاق قناة السويس التى دُشنت لربط سيناء بالوادي تسهيلًا للحركة ، وكذلك مثل محاور التنمية العابرة لسيناء (طرق رئيسية تربط مدن سيناء بعضها ببعض، وبالوادي والدلتا) ، ورأينا كذلك مشروعات للإسكان والمدن الجديدة مثل مدينة رفح الجديدة، ومدينة العريش الجديدة، مدينة طور سيناء الجديدة، وأيضاً تم تدشين مشروعات الزراعة واستصلاح الأراضي، وكان نتاجها استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة في وسط سيناء، وإنشاء آلاف الصوب الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي، كذلك كانت مشروعات السياحة والآثار، وتم على أثرها تطوير شرم الشيخ ودهب ونويبع كوجهات سياحية عالمية، وكذلك تطوير مواقع الآثار مثل دير سانت كاترين، وكانت هناك أيضاً مشروعات التعليم والصحة مثل إنشاء جامعات أهلية وتكنولوجية في العريش ورفح وطور سيناء، وإنشاء وتطوير شبكة متكاملة من المستشفيات والوحدات الصحية، وأخيراً كانت هناك مشروعات البنية التحتية الأساسية مثل إنشاء محطات عملاقة لتحلية مياه البحر ولتوفير مياه الشرب، و إنشاء محطات كهرباء عملاقة؛ لتأمين احتياجات التنمية، و مد شبكات الألياف الضوئية وغيرها من المشروعات التنموية والصناعية التى يضيق المقام عن حصرها والتى تعد لقطات مضيئة فى أرشيف الذكريات التاريخية المصرية .

اما ملف الأرهاب والذى شهدته سيناء منذ عام 2004 م عبر سلسلة من العمليات الإرهابية نفذتها جماعات مسلحة (من المتشددين) ، وبلغت ذروته بعد عام 2013 م . فقد واجهته الدولة المصرية باستراتيجية مزدوجة ما بين العمليات العسكرية؛ إذ تم تنفيذ عمليات شاملة لتعقب العناصر التكفيرية، خاصة في شمال سيناء، مما أدى إلى تفكيك الشبكات الإرهابية وتجفيف منابع تمويلها، والتعاون القبلي، والذى مثل نقطة تحول جوهرية في التعاون بين القوات المسلحة والقبائل السيناوية في محاربة الإرهاب، مما ساهم في نجاح التمشيط ودحر الجماعات المسلحة، وبذلك نجحت الدولة المصرية عبر عمليات عسكرية شاملة مثل عملية "سيناء 2018" وسطرت القيادة السياسية المصرية وقواتنا المسلحة لقطة أرشيفية أخرى فى ألبوم الذكريات التاريخية المصرية .

وللحفاظ على الاستقرار بعدما تحقق من انتصارات عسكرية ودبلوماسية وتنموية، نجحت القيادة السياسية المصرية في ترسيخ نهج يعتمد على التهدئة واحتواء الأزمات، وعدم الانخراط في دوائر التصعيد، مما جعلها شريكاً موثوقًا لدى مختلف الأطراف (إقليمياً و دولياً) ؛ إذ تجمع السياسة المصرية بين يديها أدوات القوة الشاملة (جيش قوي يفرض الاحترام، ودبلوماسية نشطة تفتح قنوات الحوار، ورؤية سياسية تسعى إلى تحقيق الاستقرار طويل الأمد). وفي ظل هذا المشهد، تأتى ذكرى تحرير سيناء حاملة رسالة واضحة مفادها "أن مصر التي انتصرت في معركة استعادة الأرض، قادرة على كسب معركة الحفاظ على الاستقرار في منطقة تموج بالتحديات" ، خاصة وأن احتفال هذا العام يأتي فى ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه الصراعات المسلحة مع التوترات السياسية على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، ومن هنا لم تعد مصر / القاهرة مجرد طرف مراقب، بل أصبحت منصة للحوار ومركزًا لصياغة الحلول، مما سيضيف إليها فى المستقبل لقطات وصوراً مشرقة - سوف تضاف إلى ألبوم ذكرياتها- لا تقل أهمية عما سطرته فى الماضى.
--------------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد


مقالات اخرى للكاتب

تحرير سيناء لقطة مشرفة فى البوم التاريخ المصري | انتصار صنع آمالا وآلاماً شكلت وعياً بالمستقبل