كشفت مصادر عربية قريبة الصلة بطهران لـ "المشهد" أن إيران كانت قد طرحت نقل نصف اليورانيوم المخصب والبالغة كميته 440 كيلوجراما إلى روسيا والاحتفاظ بالنصف الثاني لديها، والتأكيد على أنها ستقوم بتخفيض نسبة التخصيب لاستخدامه في أغراض سلمية، ورفع محدود للحصار على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز بشرط فتح المجال البحري لناقلات النفط الإيرانية، ووقف الحرب على كامل الجبهات بما فيها لبنان، مما يمنح ترامب فرصة لاختراع نصر يسوقه بإعلانه تسليم إيران لليورانيوم المخصب، ورفع الحصار لضمان استقرار الاقتصاد الأمريكي الداخلي والعالمي بتحسين أسعار النفط.
وطالبت إيران بإعلان واشنطن رفع الحصار ووقف الحرب في لبنان قبل الجلوس على مائدة المفاوضات، لكن أمريكا رفضت وأصرت على رفع الحصار بدون الإعلان، وهو ما أدى لإفشال المفاوضات وإصرار إيران على مطالبها، ورفض الذهاب لإسلام آباد حتى بعد إعلان ترامب وقف الحرب الإسرائيلية ضد لبنان لمدة 10 أيام، لانعدام الثقة بين الطرفين، ورفض ترامب الإعلان عن رفح الحصار يعزز الرؤية الإيرانية بأن أمريكا قد تعيد الحصار فور استلام اليورانيوم، وهو ما يفسر إصرار طهران على الإعلان كشرط مسبق.
المصادر قالت أيضاً، إن قبول ترامب بمقترح البنود العشرة الذي قدمته إيران كأساس عملي للتفاوض ومناقشتها، ووقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين ثم مدها لأجل غير مسمى، رغم تمسك إيران بشروطها يعني وجود نقاط التقاء سرية تم التوصل إليها، لكن المشكلة رؤية ترامب للإعلان الرسمي عن رفع الحصار هو اعتراف بالهزيمة، وهو يريد رفعاً صامتاً لتسويق "نصر وهمي" للداخل الأمريكي والصهيونية المسيحية، دون أن يبدو كأنه "رضخ" للشروط الإيرانية.
وما يؤكد حديث المصادر بشأن مضيق هرمز والموانئ، ما أفادت به القناة 12 الإسرائيلية نقلاً عن مسؤولين بأن إسرائيل وجهت رسالة واضحة للإدارة الأمريكية بعدم التراجع عن رفع الحصار البحري في مضيق هرمز، وأن الهدنة التي منحها ترامب ستكون قصيرة جداً.
المصادر أوضحت أن طهران ليس لديها مانع بأن يصنع ترامب نصراً وهمياً لإدراكها بأن النصر الإعلامي هو ثمن بخس مقابل خروج القوات الأمريكية من المواجهة المباشرة وهي مثقلة بالخسائر، لأن الأهم هو النتائج على الأرض، وليس الصورة الإعلامية فالعالم والداخل الإيراني والحلفاء يعلمون أن القدرات الأساسية لم تسحق كما أدعى ترامب وإدارته، وأنها خرجت محققةً نصراً استراتيجياً في مواجهة القوة العظمى في العالم دون سقوط النظام أو تدمير الدولة، كما أن إيران ـ والحديث مازال للمصادر ـ ترغب في إنهاء الحرب والتفرغ لترميم ما تضرر داخلياً، وإعادة ترتيب أوراقها بالمنطقة بعد تعميق الشرخ بين أمريكا وحلفائها الذين اهتزت ثقتهم بها خلال الحرب، لذلك تسعى لفتح جسر ذهبي لرحيل ترامب بدلاً من محاصرته في زاوية تجبره على التصعيد، مع علمها بالمأزق الذي يواجه، وهو عنصر الوقت واقتراب انتهاء مهلة الـ 60 يوماً، وأنه يبحث عن مخرج من تلك الحرب بشكل المنتصر، لذلك تصر طهران على شروطها، لأن خروج أمريكا مكسورة الهيبة هو المكسب الأكبر الذي لا يضاهيه بيان عسكري أو ضجيج إعلامي.
** إسلام آباد على طاولة التكذيب
وكان الرئيس الأمريكي وإعلامه قد أعاد الزخم والجدل بشأن استئناف المفاوضات مع إيران، بالإعلان مساء الجمعة (24 إبريل 2026) عن توجه المبعوث الخاص للشرق الأوسط "ستيف ويتكوف"، وصهر ترامب ومستشاره السياسي "جاريد كوشنر"، إلى العاصمة الباكستانية "إسلام آباد" السبت (25 إبريل 2026) لاستئناف المحادثات السياسية، مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي وصل "إسلام آباد" مساء الجمعة، وهو ما أكدته المتحدثة باسم البيت الأبيض لقناة "فوكس نيوز"، وقالت "إن الإيرانيين طلبوا عقد اجتماع مع الولايات المتحدة"، وأوضح موقع أكسيوس، وشبكة "إيه بي سي" أن اللقاء سيعقد يوم الإثنين المقبل (27 إبريل 2026) بعد إجراء المبعوثين الأمريكيين محادثات ثنائية مع الوسطاء الباكستانيين، إلا أن موقع أكسيوس عاد وأشار نقلا عن مصادر وصفها بالمطلعة أن توقيت الاجتماع غير محسوم، لأن برنامج تحركات الوزير الإيراني، يشمل إلى جانب باكستان، سلطنة عمان وروسيا.
على خطى تصريحات الرئيس الأمريكي، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض "كارولين ليفيت"، "إن الإيرانيين يريدون التحدث مباشرة، والرئيس مستعد دائماً لمنح الدبلوماسية فرصة"، معربة عن أملها في إحراز تقدم خلال اللقاء المرتقب، خاصة وأن الإدارة الأمريكية تلقت في الأيام الماضية إشارات إيجابية من الجانب الإيراني. أما ترامب فنقلت عنه وكالة "رويترز" قوله "إن إيران تعتزم تقديم عرض يلبي المطالب الأمريكية، وأنها ترغب في إجراء محادثات وبحث إمكانية التوصل إلى اتفاق". فيما نقل عن مسؤول باكستاني قوله "إن الاجتماعات مع عراقجي ستركز على إعادة إطلاق التفاوض، وكشف المصدر أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ووزير الخارجية إسحاق دار، وقائد الجيش عاصم منير، سيحاولون خلال اجتماعهم مع عراقجي إقناعه بالعودة لباكستان بعد جولته في مسقط وموسكو، لإجراء مباحثات مع المبعوثين الأمريكيين لإحياء المفاوضات بين طهران وإدارة ترامب.
ومن جانبها أكدت وكالات الأنباء الإيرانية "ارنا وتسنيم وفارس" والتليفزيون الإيراني، والمتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أنه لم يتم التخطيط لأي اجتماع بين إيران وأمريكا.. كما أعلن مكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، أن عراقجي سيلتقي خلال زيارته التي بدأت الجمعة (24 إبريل 2026) بالقيادة الباكستانية العليا لتبادل وجهات النظر حول آخر التطورات في المنطقة، فضلاً عن الجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار الإقليميين، ولم يذكر البيان أي معلومات بشأن ما تناقلته وسائل الإعلام الأمريكية والمتحدثة باسم البيت الأبيض.. أما رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي فقال "عراقجي لا يحمل في زيارته لباكستان أي مهمة تتعلق بالمحادثات النووية".
وحسماً لتناقض التصريحات بشأن الإعلان الأمريكي بعقد مباحثات مع عراقجي في إسلام آباد، بطلب من طهران، كذب مصدر إيراني أمني سياسي تصريحات البيت الأبيض بشأن طلب إيران إجراء حوار مباشر مع الأميركيين، مؤكداً أن إيران لم تقدم أي طلب للحوار مع الأميركيين، وأنها رفضت بشكل قاطع حتى هذه اللحظة جميع الطلبات الأميركية للتفاوض بسبب مطامعهم وزيادة سقف مطالبهم، ولا يوجد أي قرار إيراني للتفاوض في الظروف الراهنة رغم الحاجة الماسة لدى الأميركيين للتفاوض.. وقال المصدر في تصريحاته التي نقلتها عنه قناة الميادين اللبنانية، ووكالة إيران بالعربية للأنباء، "الأميركيون يرسلون طلبات للتفاوض مع إيران عبر الوسيط الباكستاني منذ اللحظة الأولى لانتهاء جولة المفاوضات الأولى"، واصفاً تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض بشأن طلب إيران لإجراء حوار مباشر مع الأميركيين محض كذب وقلب للحقائق.
وبينما تشتعل حرب التصريحات والتكذيب، يبقى السؤال: هل سيسلم ترامب بشروط طهران المعلنة قبل أن تغلق ساعة الكونجرس الرملية أبوابها يوم 28 إبريل 2026، وهي وقت انتهاء مهلة الـ 60 يوماً، وفقاً لقانون الحرب الأمريكي الذي يسمح بالحرب دون الرجوع له، أم سيقامر بمواجهة مع الواقعيين في دولته العميقة (المخابرات والبنتاغون) والذين بدأوا في تسريب المعلومات الخاصة بالخسائر المتكتم عليها، وكان أخرها تقديرات لمسؤولين بالبنتاجون نقلتها عنهم صحيفة "نيويورك تايمز" باستخدام نحو 1200 صاروخ باتريوت في الحرب ضد إيران بكلفة تفوق 4 ملايين دولار للصاروخ، وذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار في اليومين الأولين للحرب؟






