لم يعد حضور جماعة الحوثي في الأزمات الإقليمية حدثًا طارئًا أو تكتيكًا ظرفيًا، بل أصبح جزءًا من معادلة أمنية وسياسية أوسع تتجاوز حدود اليمن، فمع كل تصعيد بين إيران وخصومها، يعود الحوثيون إلى الواجهة بوصفهم أحد أهم أدوات الضغط غير المباشر في الإقليم، سواء عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو عبر تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. غير أن اختزال الجماعة في كونها مجرد وكيل إيراني لا يكفي لفهم سلوكها، لأن للحوثيين حساباتهم الداخلية الخاصة، وأولوياتهم المرتبطة بالسلطة في اليمن، والتي غالبًا ما تحدد سقف انخراطهم الإقليمي وحدوده.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة مساعي من الجماعة للانتقال من حالة الترقب إلى التدخل السريع حين ترى أن الظرف الإقليمي يخدم مصالحها. فالهجمات التي نفذتها ضد إسرائيل، أو التهديدات الموجهة للمصالح الأمريكية، تعكس رغبة في تثبيت موقعها داخل ما يسمى "محور المقاومة"، وتأكيد قيمتها الاستراتيجية بالنسبة لطهران. فكلما ازدادت قدرة الحوثيين على تهديد خصوم إيران من جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر، ازدادت أهميتهم داخل الشبكة الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.
لكن خلف هذا البعد الإقليمي تكمن حقيقة أكثر أهمية، وهي أن الجماعة لا تنظر إلى الصراع مع إسرائيل أو الولايات المتحدة باعتباره أولويتها المركزية، بل تستخدمه ضمن حسابات محلية أوسع. فمنذ سنوات، يتمثل الهدف الأساسي للحوثيين في تثبيت سيطرتهم على المناطق التي يحكمونها، وتوسيع نفوذهم على كامل اليمن، والحصول في النهاية على اعتراف سياسي يكرسهم سلطة أمر واقع. ومن ثم، فإن أي نشاط خارجي تقوم به الجماعة يمكن قراءته أولًا من زاوية أثره على توازناتها الداخلية، لا من زاوية الشعارات المعلنة.
لعل في ذلك ما يفسر حرص الحوثيين على إدارة التصعيد ضمن حدود محسوبة؛ فهم يصعدون بما يكفي لتعزيز صورتهم الإقليمية، لكنهم يتجنبون غالبًا الوصول إلى مستوى من المواجهة بما يستجلب ردًا عسكريًا واسعًا يهدد سيطرتهم داخل اليمن. فالجماعة تدرك أن قوتها الحقيقية لا تكمن فقط في ترسانتها الصاروخية، بل في قبضتها على العاصمة صنعاء وعلى الكتلة السكانية الأكبر في شمال البلاد، وفي قدرتها على إدارة مؤسسات الأمر الواقع، وجباية الموارد، والسيطرة على المجال الاجتماعي والأمني.
ومن هنا، لا يمكن فهم الحوثيين من منظور عسكري صرف، فالجماعة بنت خلال السنوات الماضية نموذج حكم لا يكتفي بالتعويل على البُعد الأيديولوجي بل يرتكز على عوامل أخرى مثل الأمن والاقتصاد. إذ أنشأت شبكات إشراف موازية للمؤسسات الرسمية، وأعادت توجيه الموارد المالية بما يخدم بنيتها التنظيمية، وخلقت طبقة مصالح مرتبطة باستمرار سلطتها. وبهذا المعنى، لم تعد الجماعة مجرد فصيل مسلح، بل تحولت إلى سلطة هجينة تجمع بين خصائص الدولة والميليشيا في آن واحد.
ويمكن توفر العمليات التي تنفذها الجماعة خارجيا، خاصة ضد إسرائيل، بعض المنافع الداخلية المهمة لها، فهي تمنح القيادة الحوثية خطابًا تعبويًا يبرر الأزمات الاقتصادية والمعيشية، بما يعني إعادة توجيه غضب السكان نحو "عدو خارجي"، كما أن ذلك يعزز سردية المقاومة التي تستخدمها الجماعة لتدعيم شرعيتها السياسية والدينية أمام أنصارها في بيئتها التي تعاني من الفقر والحصار وتدهور الخدمات، حيث يصبح الخطاب الخارجي أداة فعالة لإعادة إنتاج التماسك الداخلي.
غير أن هذا الدور الإقليمي لا يلغي حدود القوة الحوثية؛ فالجماعة رغم قدرتها على الإزعاج وخلق التهديد، ما تزال تواجه تحديات بنيوية داخل اليمن. كما أن البلاد لم تشهد حسمًا سياسيًا أو عسكريًا، والجنوب لا يزال يشهد اتجاهات انفصالية معقدة، والقوى المناهضة للحوثيين لم تختفِ، كما أن الاعتماد الكبير على الاقتصاد غير الرسمي وشبكات الجباية يضعف فرص بناء سلطة مستقرة على المدى الطويل. لذلك، فإن الجماعة تحتاج إلى استمرار حالة اللاسلم واللاحرب أكثر من حاجتها إلى تسوية نهائية قد تفرض عليها تنازلات جوهرية.
وفي هذا السياق، تمثل العلاقة مع إيران عنصرًا حاسمًا لكنه ليس مطلقًا؛ فإيران توفر للحوثيين الدعم العسكري والتقني والسياسي، وتمنحهم موقعًا ضمن معادلة إقليمية أوسع، لكن الحوثيين ليسوا نسخة مطابقة لبقية وكلاء طهران. فهم أكثر ارتباطًا بسياق محلي معقد، وأكثر انشغالًا بالسيطرة على الدولة اليمنية من الانخراط في مشروع إقليمي مفتوح. ولهذا، فإن العلاقة بين الطرفين تقوم على تبادل مصالح؛ فإيران تستفيد من ورقة ضغط في جنوب الجزيرة العربية، والحوثيون يستفيدون من الدعم الذي يعزز موقعهم الداخلي.
أما على مستوى الأمن الإقليمي والدولي، فإن الخطر الأكبر يتمثل في قدرة الجماعة على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للممرات البحرية العالمية. فالموقع المطل على مضيق باب المندب يمنح الحوثيين قدرة تتجاوز وزنهم المحلي، إذ يمكن لهجمات محدودة نسبيًا أن ترفع تكاليف التأمين، وتعطل الشحن، وتربك أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يعني أن الجماعة باتت تمتلك تأثيرًا استراتيجيًا لا يتناسب مع حجم الاقتصاد اليمني أو قدرات الدولة المنهارة.
الغاية إذن أنه لا ينبغي قراءة تحركات الحوثيين باعتبارها مجرد استجابة لتوجيهات إيرانية، ولا باعتبارها أيضًا مشروعًا وطنيًا يمنيًا خالصًا. فالجماعة تتحرك عند تقاطع مستمر بين الأجندة الإقليمية والحسابات المحلية. وهي تستخدم الصراع الخارجي لتعزيز موقعها الداخلي، وتستخدم الداخل اليمني لتعظيم قيمتها لدى الحليف الإيراني. ومن هنا، فإن مستقبل دور الحوثيين سيتحدد بقدر ما يستطيعون الموازنة بين هذين البعدين دون أن يفقدوا السيطرة على أي منهما. ولهذا، فإن أي مقاربة جادة للتعامل مع الحوثيين لا يمكن أن تقتصر على الردع العسكري أو الضغوط البحرية فقط، بل يجب أن تنطلق من فهم أن جوهر المسألة ما يزال يمنيًا بقدر ما هو إقليمي. فطالما بقيت أزمة الدولة اليمنية مفتوحة، سيظل الحوثيون قادرين على إعادة إنتاج أنفسهم لاعبًا محليًا مزعجًا وورقة إقليمية مؤثرة في آن واحد.
---------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد







