شهدت مكاتب التأمينات الاجتماعية على مدار الشهرين الماضيين، وتحديداً منذ الرابع والعشرين من فبراير الماضي، حالة من الشلل التام الذي تجاوز مرحلة "البطء التقني" ليصل إلى التوقف الكامل عن تقديم الخدمات. ورغم محاولات التجميل الحكومية، إلا أن ما رصدته "المصري اليوم" في جولاتها الميدانية الأربعاء الماضي يكشف عن واقع مرير يعيشه المواطن المصري أمام أبواب مكاتب مغلقة فعلياً بفضل نظام CRM الجديد.
فشل المليار و300 مليون جنيه
إن الطامة الكبرى تكمن في استبدال نظام قديم كان يلبي احتياجات المواطنين بنظام جديد كلف خزينة الدولة ملياراً و300 مليون جنيه، دون التأكد من جاهزيته التشغيلية. والنتيجة؟ ارتباك وتكدس غير مسبوق، وتحول مكاتب التأمينات إلى ساحات للمواجهة بين الموظفين العاجزين والجمهور الغاضب، في ظل غياب تام لأي بدائل ورقية أو أنظمة طوارئ قادرة على استيعاب الموقف.
"مسكنات" قانونية تهدد الإيرادات
أمام هذا العجز الفني، سارعت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لاتخاذ إجراءات "استثنائية" هي في حقيقتها هروب للأمام، حيث تم إصدار تعليمات بفك الارتباط بين تقديم الخدمات الحيوية وبين سداد التأمينات، ومنها:
المرور: تحرير خطابات سارية لمدة 3 أشهر لاستخراج تراخيص السيارات والسائقين دون اشتراط شهادة التأمينات.
التأمين الصحي: استخراج وتجديد بطاقات التأمين الصحي دون انتظار الطابعات أو الخطابات التأمينية.
المقاولات: توجيه مجالس المدن بإنهاء معاملات المقاولين لكافة العمليات دون المطالبة بشهادة المخالصة التأمينية ، وتم توجيه خطاب مماثل للهيئة الهندسية للقوات المسلحة لنفس الغرض .
هذه الفئات تحديداً تمثل أهم مصادر إيرادات الهيئة، ومنحها الضوء الأخضر لإنهاء مصالحها دون سداد يعني ضياع المليارات من السيولة النقدية. والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: من يضمن حصر هذه الحالات بدقة مستقبلاً؟ وهل سيتم تحميل المواطن والمقاول فوائد تأخير عن فترة تعطل "السيستم" التي لا ذنب لهم فيها؟
غياب الرقابة وتجميل الواقع
المثير للدهشة هو موقف الحكومة والبرلمان؛ فأين لجان تقصي الحقائق؟ وأين دور الأجهزة الرقابية في معاينة الواقع الميداني بعيداً عن التقارير المكتبية؟ إن البيان الصادر عن الحكومة بشأن التأمينات الاجتماعية لا يعبر عن الواقع المرير، فهو يتحدث عن "بطء" في حين أن الحقيقة هي "توقف كامل" للحياة التأمينية للمواطنين.
لقد سارعت الهيئة لهذه الإجراءات الاستثنائية لقطاعات المرور والمقاولات فقط لأن تعطل هذه الفئات كان سيفجر أزمة تظهر للعيان بشكل فوري، بينما تركت باقي أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم يواجهون مصيرهم أمام شاشات "السيستم" العاطلة.
الخلاصة:
إننا أمام أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة تقنية. إن الاستمرار في إنكار توقف النظام هو إهدار للمال العام واستهانة بمصالح الملايين. نطالب بفتح تحقيق عاجل من الأجهزة السيادية للوقوف على أسباب تعطل نظام كلف الدولة المليارات، ومحاسبة المسؤولين عن قرار التشغيل قبل الجاهزية.
-----------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات والمعاشات






