25 - 04 - 2026

سلوك الأفراد والمجتمعات الاسلامية بين الشريعة والقانون

سلوك الأفراد والمجتمعات الاسلامية بين الشريعة والقانون

الصراع المفتعل بين الشريعة والقانون من الموضوعات التى تخصص فيها بعض الدارسين كما كثرت الرسائل الجامعية للمقارنة بين الشريعة والقانون مع أن معظم الخلافات مصدرها عدم فهم المصطلحات وربما لأسباب أيديولوجية. وبالطبع فإن منهج المقارنة يكون بدافع تحقير القانون وتعظيم الشريعة استنادا إلى أن الشريعة هى من الخالق أما القانون فهو من صنع  المخلوق، ومادام الخالق أعظم فإن عظمته تنسحب إلى شريعته، وهذا منهج ينال من المقدسات وتبسيط مخل للحالة.

فى هذا المقال نحاول أن نطرق مساحة جديدة لبيان أن سلوك الناس يحكمه الكثير من الاعتبارات. وليست القضية اختيارا جامدا بين الشريعة أو القانون وبالطبع فإن دراسة الشريعة مع القانون تفيد فى الاحاطة بجوانب توجيه السلوك إلى الجانب القويم والعملى والمنسجم مع طبائع الناس أو تهذيبها.

أما اختيار الشريعة وحدها وإغفال القانون كلية أو العكس فهو منهج عصبى أيديولوجى لا يفيد إلا فى إذكاء المشكلة، فهل للشريعة مجالها وللقانون مجاله كما يحدث فى الدول الإسلامية حيث تخضع القانون للشريعة فى مسائل الأحوال الشخصية ويكون تطبيق الشريعة بمفهوم فقهى مختار. ففى مصر يلجأ القاضى إلى أرجح الأقوال فى فقه أبو حنيفة ولا أزال أتمنى أن يلجأ القاضى إلى تطبيق الشريعة فى هذا المقام وفق المذهب الفقهى الذى يناسب الحالة من المذاهب الفقهية الثمانية التى كان الأزهر الشريف يعتمدها، فكل المذاهب الإسلامية يتوفر فيها الحد الأدني من السلامة الشرعية التى يطمئن إليها، يضاف إلى مشكلة التقابل بين الشريعة والقانون أن فهم الشريعة وفهم القانون يحتاج إلى ضبط وتدقيق، حيث يضيق البعض مفهوم الشريعة ويقصرها على العقوبات والحدود، بينما الشريعة بمعنى الأحكام تحتاج إلى التربية الأخلاقية، فالدين ليس أوامر ونواهٍ فقط وإنما هو منظومة أخلاقية متكاملة، وحتى العبادات لا تنفصل قطعا عن السلوك وإنما هى أهم المداخل لضبط السلوك، لأن الإنسان كلما تقرب إلي الله بالعبادات والفضائل وإصلاح القلب كان الإنسان أكثر صلاحا مع نفسه ومع غيره، ولذلك فإن القانون فى الدول غير الإسلامية لا يهمه الصلاح الدينى والعبادات، فتلك مسألة شخصية، وإنما يركز على ضبط سلوك الأفراد وأن يحتكم الناس إلى قواعد القانون. بل إن القانون الصحيح فى الدول الإسلامية ينسجم مع الصلاح الدينى ولكن التطرف فى المعسكرين: معسكر القانون الذى يدعى العلمانية، ومعسكر الشريعة الذى يحتقر القانون ولا يعترف به، هذا التطرف الأحمق هو الذى يخلق الصراع المصطنع وينشر البلبلة والفوضى فى المجتمع. 

ولتقريب هذه المفاهيم من الواقع نضرب بعض الأمثلة فمخالفة قواعد المرور مخالفة للقانون وليست مخالفة للشريعة وعدم ربط حزام السيارة كذلك ومن ناحية أخري ، فإن دخول البلاد دون تأشيرة مخالفة لقانون الدولة المستقبلة وليست مخالفة للشريعة ولذلك من الخطأ أن نطلق علي الهجرة "هجرة غير شرعية" بل هي هجرة غير قانونية.

وقد نشطت حملات تطبيق الشريعة الإسلامية فى الدول الإسلامية واتخذت هذه الحملات صورة المعارضة السياسية بثوب دينى. وفى المقابل ظهر اتجاه لتقنين الشريعة الإسلامية بحيث يطبق القاضى القانون المنسجم مع  الشريعة الإسلامية. وبالتوازى ظهر اتجاه فقهى مستنير يروج لفكرة أن المهم ألا يخالف القانون الشريعة الاسلامية.

والشريعة والقانون تهدفان كلاهما إلى ضبط سلوك الناس، فالشريعة هى أحكام الدين التى يفسرها ويشرحها الفقهاء بحيث تكون صالحة للتطبيق العملى، والقانون هو أحكام المشرع الوضعى متأثرا بالرغبة فى ضبط سلوك الأفراد والمجتمع، فالهدف مشترك ولكن المصادر والآليات مختلفة. فمخالفة قواعد المرور فى القانون تعتبر مخالفة قانونية رصد لها القانون عقوبات فهل تعد أيضا إثما دينيا وهل يكفى القانون فى هذه الحالة لضبط سلوك الأفراد؟

كذلك درجت الدول الإسلامية على تحريم الربا فى قوانينها،  والقانون يهتم بسلطان الإرادة ومع ذلك فى حالة الربا يعد إثما دينيا عظيما، أما فى القانون فهو تطبيق لإرادة المتعاقدين ولكن الإجحاف والإكراه يجعل العقد قابلا للإبطال، وبذلك تجرم الربا فى الشريعة وفى القانون ولكن بمداخل مختلفة. والحق أن أحكام الشريعة الدينية والسلوك والأخلاق يمكن إفراغها فى أحكام قانونية وتنفذها السلطة بالقهر عند الاقتضاء. وإذا تعمقنا فى مقاصد الشريعة وحرصها على الإنسان الفرد والمجتمع نجد أنها أشمل من القانون، ويمكن تقنين الشريعة خاصة وأن الفقهاء أفاضوا فى شرح الأحكام مما يسهل التقنين فتنسجم السلطة السياسية مع الأحكام الدينية، مع ملاحظة هوامش الافتراق العملى بينهما. فمثلا تارك الصلاة آثم شرعا ولكن حسابه يوم القيامة بينما تارك الصلاة فى القانون مسألة ترتبط بالحرية الشخصية، لأن القانون يعنى بالسلوك الضار بالآخرين. وكذلك شارب الخمر إذا أسكرته وصار قابلا للإضرار يتدخل القانون لحجب ضرره عن المجتمع، أما شرعيا فشارب الخمر منتهك لنهى قرآنى قاطع ولحد من حدود الله.

وهكذا لو استعرضنا المخالفات المختلفة وبيننا حكم القانون والشريعة فيها لأمكن التوفيق بينهما بروح ضبط السلوك مع مراعاة الفوارق بين المشرع الالهى والمشرع الوضعى وكمال المشرع الإلهى وحكمته العميقة، وحكمة المشرع البشرى وما يعتوره من نقص. فالقانون الأوروبى لا علاقة له بالدين، وأما قانون الأحوال الشخصية الإسلامية فهو يرتكز تماما على الشريعة وكذلك المواريث وغيرها من المجالات المرتبطة بالشريعة، وخارج هذا الإطار فإن المشرع الوضعى يكفى لضبط السلوك.
--------------------------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل 

مقالات اخرى للكاتب

سلوك الأفراد والمجتمعات الاسلامية بين الشريعة والقانون