لكل دولة في العالم منهج وأسلوب خاص في التعامل مع مفاوضات ما بعد الحرب، يحددهما كلٌ من عقيدتها السياسية وثقافة شعبها، إضافةً إلى نتائج الحرب وتداعياتها على المستويين الداخلي والخارجي.
الولايات المتحدة في تفاوضاتها عند نهاية كل حرب لها مع دول العالم منهجان الأول منهج (الاستسلام) والذي يتم مع خصمها (المهزوم) كما كان مع اليابان في الحرب العالمية الثانية وبعد استهدافها بقنبلتين نوويتين:
الأولى على مدينة هيروشيما في 6 آب/ أغسطس 1945 والثانية على مدينة ناغازاكي في 9 آب/ أغسطس 1945، بعد 3 أيام من قنبلة هيروشيما.
بعدها وقعت اليابان على اعلان "بوتسدام" في 26 يوليو تموز/ يوليو عام 1945، الذي وضع شروطا صارمة لاستسلام اليابان أقلها (الاستسلام لكافة القوات المسلحة اليابانية دون قيد أو شرط والاعتراف باحتلال أراضي اليابان ونزع سلاح القوات العسكرية اليابانية تماما) وأعلنت اليابان قبولها بهذه الشروط في نفس العام 1945.
وعام 1951، أنهت الولايات المتحدة احتلال اليابان مقابل الإبقاء على قاعدتين عسكريتين على الاراضي اليابانية مازالتا قائمتين حتى يومنا وتضمان - الآن - (٥٥)الف جندي فعلي بالخدمة ..
هذا النوع هو الأول من تفاوض الولايات المتحدة مع الدول التي تحاربها ثم تفاوضها ..
النوع الثاني التفاوض مع (الند القوي) الذي يلحق الهزيمة بقواتها ويكلفها خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات ويلحق الضرر باقتصادها.. وهذا ما تم في حربها مع فيتنام وأفغانستان والعراق ..
هذا النوع من التفاوض لا تهتم فيه الولايات المتحدة بفقرات الاتفاقية كثيرا بقدر اهتمامها بتوفير نصوص تساعدها على انسحاب قواتها (الامن) أما فقرات الاتفاقية الأخرى فغالبا ما تهملها ولا تتفاعل معها إلا بقدر حاجتها للبند ومايتطابق مع مصالحها بالمستقبل..
هذا النوع من الاتفاقيات غالبا مايتضمن بنودا ونصوصاً تغري (جهة الخصم) ليساعدها لانسحاب قواتها بتسهيلات كثيرة، طمعاً في امتيازات مستقبلية، لكن ما أن يتم انسحاب قواتها حتى تبدأ بالنكران للاتفاقية وعدم الإيفاء بأي من بنودها ذات الامتيازات. بعد الهزيمة التي منيت بها القوات الأميركية التي احتلت العراق عام ٢٠٠٣ وواجهتها فصائل المقاومة العراقية المتنوعة، تكون خسائر القوات المحتلة حتى عام 2008 وصلت إلى (33) ألف قتيل، و90 ألف مصاب ومعوق غير الخسائر المادية، ولغرض تفادي المزيد من الخسائر وقعت الولايات المتحدة مع العراق اتفاقيتين:
الأولى اتفاقية أمنية وتتضمن هذه الاتفاقية تحديد «الأحكام والمتطلبات الرئيسة التي تنظم الوجود المؤقت للقوات العسكرية الأميركية في العراق وأنشطتها فيه وانسحابها من العراق» بعد ثلاثة سنوات أي عام ٢٠١١، ولغرض تسهيل انسحاب قواتهم دون ملاحقة وقعوا اتفاقية (تعاون) تسمى (اتفاقية الاطار الاستراتيجي) والمجالات الرئيسية للاتفاقية تتضمن 11 بنداً في مجال الأمن والدفاع (دعم القوات العراقية، تبادل المعلومات، والتعاون في مكافحة الإرهاب) ومجال الاقتصاد والطاقة تشجيع الاستثمار، ودعم تطوير القطاع النفطي العراقي، وتعزيز سيادة واستقلال العراق ودعم نظامه الديمقراطي.. وكذلك في مجال الثقافة والتعليم، وبرامج التبادل الثقافي والأكاديمي.
جميع البنود ومعها نقاط أخرى لم تتفاعل معها الولايات المتحدة مستفيدة فقط من الاتفاقية الأمنية (صوفا) التي أمنت لها خروج قواتها من العراق عام 2011.
الولايات المتحدة كقوة عظمى عسكرية واقتصادية، لاتقبل الهزيمة رغم الانتقادات القاسية التي تتلقاها من الداخل الاميركي سواء من المعارضة او الإعلام أو الشارع الأميركي نفسه، والذي يخرج بتظاهرات عارمة تنديدا بالحرب وبالخسائر.. لذا تعمد بالغالب إلى استخدام أوراق الحصار الاقتصادي والدبلوماسي وغيرها لحين خضوع خصمها لشروطها.. وأحيانا تفرض مصالحها للانفتاح على الدولة التي دخلت معها في حرب طويلة أو قصيرة توافقاً مع مصالحها رغم قسوة مرحلة الحرب ونتائجها على الطرفين، كما هو قائم في العلاقة بينها وبين دولة فيتنام والتي مازالت تحكم البلد بذات عقيدة الحزب (الشيوعي) الذي حررت خلاله بلدها عام 1975، حيث تم توقيع اتفاقية الشراكة الشاملة (2013-2023) وتعزيز التعاون التجاري والأمني، ورفعت الدولتان علاقاتهما إلى أعلى مستوى (شراكة استراتيجية) خاصة التركيز على التكنولوجيا، أشباه الموصلات، والأمن الإقليمي، وأصبحت الولايات المتحدة أكبر سوق لتصدير المنتجات الفيتنامية، حيث تجاوزت صادرات فيتنام 126 مليار دولار في عام 2025، وصولا إلى التعاون الأمني الذي شمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتعاوناً في الأمن البحري..
ربما الذي دفع بالولايات المتحدة للعلاقة (الاستراتيجية) مع جمهورية فيتنام الاشتراكية هو (التوازن) مع خصمها (الصين) المجاور لفيتنام آنذاك ..
صحيح لم تكن هناك حرب مباشرة عسكرية بين ايران والولايات المتحدة وأن حجم الحصار ظل محصورا في الجانب الاقتصادي والسياسي إلا أن هناك اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران ومجموعة "5+1"تم عقده يوم 14 يوليو/ تموز 2015، وهو اتفاق نووي وقعته إيران مع مجموعة "5+1″، بهدف الحد من قدرات طهران النووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها. وبموجب الاتفاق قلّصت إيران من أنشطتها النووية ووافقت على وضعها تحت الرقابة الدولية، غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أدى إلى تعثره وتصاعد التوترات الإقليمية.
انسحاب الولايات المتحدة من (الاتفاق) ليس كما أشاع ترامب يومها بالتشكيك بوفاء إيران بالتزاماتها لكنه أدرك ان الولايات المتحدة كانت مجرد (جزء من كل) لوجود دول أخرى مشاركة بالاتفاق من الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن، بالاضافة إلى ألمانيا، فيما الولايات المتحدة تريد أن تكون هي المفاوض الاول ومع جهة (خاسرة) تملي عليها شروطها، لذا تركت (الاتفاق) سائباً لحين أقدمت على حرب مباشرة مع ايران لتملي شروط المنتصر على الخاسر ..
خلال عمر الثورة الاسلامية في إيران منذ عام 1979 وحتى يومنا هذا فان القيادة الإسلامية الايرانية ظلت في عداء دائم مع الولايات المتحدة ومع أصدقائها بالمنطقة (اسرائيل) واصفة أميركا بـ(الشيطان الأكبر) وواصفة إسرائيل بـ(الغدة السرطانية ).
ووفقا لهذا (العداء) تكون قد أعدت نفسها لأي منازلة عسكرية سواء مع أميركا أو إسرائيل أو (كليهما). هذا العداء ليس في بعده الإعلامي إنما على كافة الأصعدة العلمية والتقنية، والاقتصادية والشعبية والتعبوية مقدرةً قوة خصومها، ومشكلةً عمقاً استراتيجياً لها بالمنطقة من محاور المقاومة، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والأراضي المحتلة واليمن ..
في حرب الإثني عشر يوما بين إيران والعدو الصهيوني في الفترة من 13 إلى 24 يونيو 2025، أدركت إسرائيل أنها عاجزة عن مواجهة ايران لوحدها لذا عمدت إلى (جرجرة) الولايات المتحدة بكل ماتملك من قوة عسكرية وقواعد ونفوذ إلى هجوم على إيران بدأ في نهاية شباط فبراير من العام الجاري 2026، وامتد لأربعين يوما استخدمت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل كل مصادر قوتهما العسكرية وآلياتهما المتطورة، فيما ردت ايران الهجوم ببسالة وقوة عسكرية متطورة مدعومة بمحور المقاومة وبشعب عريق التاريخ والثقافة والحضارة، فانهك خصومه واقعدهم وجعلهم في حيرة وشده لايعرفون ماذا يفعلون.
ليس مهماً لدى الولايات المتحدة الاميركية (مكان التفاوض) ومدى قدرته في التأثير على المفاوض وعلى الحفاظ على ماتم الاتفاق عليه ومعاقبة الجهة التي تخالف الاتفاق فيما بعد.
غالبا ماتختار أو توافق أن يكون مكان انعقاد المفاوضات في دول (صغيرة ) سواء بحجمها أو بثقلها ليسهل عليها فيما بعد التنصل من الاتفاق حيث يتمكن أو يرغب ، وإلا ماتأثير قطر في مفاوضات الولايات المتحدة مع أفغانستان، أو تأثير عُمان في مفاوضات إيران حيث سرعان مانقضت الولايات المتحدة الاتفاق وقامت بالهجوم على ايران تاركةً المسؤولين العمانيين في (دائرة العتب) لاغير ..
رغم أن إيران تعلم سلوك الولايات المتحدة وأنها دولة لاتحترم العهود والمواثيق ولكن تفاوض لأمرين الأول أمام العالم إنها دولة مثلما تقاتل ببسالة تفعل كذلك في ميدان الدبلوماسية، والثاني لابد من آليات لوقف إطلاق النار تصدر من طرفي النزاع تقضي تفاوضهما أمام طرف ثالث كبر أو صغر.
وافقت الجمهورية الاسلامية على إرسال مبعوثيها للتفاوض في عمان والآن في باكستان، ومهما كان شكل التفاوض مع خصمها فانها تفاوض بجدية وبشروط معلنة وصريحة وهي تعلم أن (خصمها) مهزوم ولن يقبل بشروطها ..
حرب الـ (40) يوما (الوعد الصادق (4) ) انتهت في منطق الولايات المتحدة مثلما انتهت في فيتنام وافغانستان والعراق، ومادام قد تم الاعلان عن هدنة قصرت أم طالت مددها فهي اعلان لوقف اطلاق النار بين البلدين وأن ماتفعله أميركا في حصار مضيق هرمز مجرد سهم طائش في آخر المعركة.
هنا لابد من تذكير أن جميع المعارك التي خسرتها الولايات المتحدة يكون للداخل الأميركي تأثير كبير فيها، وقد يتسبب طولها وخسائرها وتداعياتها على الواقع السياسي والاقتصادي، فيما يلعب الإعلام دورا كبيرا في التأثير على صناعة قرارات الحروب ، وفي الغالب يكون هناك ضحية لرئيس أو مسؤول كبير تلقى التبعات عليه .
الآن يعيش الواقع الاميركي فوضى وانقساما داخل دائرة القيادة الأمريكية بين معارض ومؤيد للحرب على إيران حيث تبدو الإدارة غارقة في التناقضات بلا خطة واضحة.
يقول كونور سترينغر - كبير مراسلي واشنطن لدى صحيفة التلغراف البريطانية - إن الحملة الأمريكية تحولت من خطة عسكرية "محسوبة" لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلى فوضى عارمة مبنية على مزاج الرئيس ترامب (!) ويبدو أن لا أحد في الإدارة الأميركية يعرف ما يجري أو ما الخطط وما الذي تهدف إليها الآن. هناك فوضى عارمة، ولا توجد أي مساءلة".
يشير المسؤولون إلى أن ترمب بات منفصلا عن الهياكل الإدارية التقليدية التي تحدد إستراتيجية واشنطن عند الحروب، وأصبح يفرغ ضيقه - بدلا من ذلك - على وسائل التواصل الاجتماعي، لتصبح منشوراته اليومية أداة لتحديد مسار الحرب، ويُعرض على ترمب مقطع مصور يوميا يستعرض نجاحات القوات الأمريكية، دون أي ذكر للإخفاقات العسكرية أو التعقيدات.. ويفسر تحليل "التلجراف" بأن ترمب قد نفد صبره من اجتماعات الأمن القومي المطولة والمنظمة، مفضلا الاعتماد على حدسه ونصائح دائرة ضيقة من الموالين الذين "يجملون" له واقع الحرب الميداني.
ترمب وفقا للصحيفة بدأ يُسرّب للمقربين منه بأنه "لم يعد يرغب في التعامل مع هذا الملف" ويبحث عن مخرج سريع، ومع هذا الجمود، تسود البيت الأبيض حالة من الذعر مع إدراك المسؤولين أن الأوروبيين لن يتدخلوا لإنقاذ الموقف وقد أعلن ترمب تمديد وقف إطلاق النار، استجابة لما قال إنها جهود وساطة مكثفة قادتها باكستان، ولكن المفاوضات ما زالت عالقة، مما يفتح تساؤلات حول مدى قدرة إدارة "غير منظمة" - وفق تعبير التحليل - على التوصل لحل للأزمة الجارية.
هذه النصوص التي نقلها مراسل صحيفة التلغراف البريطانية تشبه كثيرا ظروف الإدارات الاميركية عند اللحظات الصعبة في ظل الحروب التي خاضوها وخسروا فيها فاختاروا اخيرا (عقد اتفاقيات) سريعة الهدف منها انقاذ قطعاتهم العسكرية لاغير.
------------------------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية -بغداد






