30 - 04 - 2026

أزمة المصانع المتعثرة.. بين محاولات إعادة التشغيل وهشاشة العمل

أزمة المصانع المتعثرة.. بين محاولات إعادة التشغيل وهشاشة العمل

كم عدد المصانع المتعثرة في مصر فعلًا؟ عندما تبحث عن الإجابة نجد ثلاث روايات مختلفة فهل عددها 6 آلاف أم 11 ألفا أم أكثر من 20 ألف مصنع. وسط هذه الأرقام المتضاربة تضيع الحقيقة، ويظل العمال هم الثابت الوحيد في المعادلة. 

منذ أكثر من عقد ومع بداية سياسات التعويم يتكرر الحديث عن المصانع المتعثرة في مصر باعتبارها إحدى المشاكل المزمنة في بنية الاقتصاد لكن ما يكشفه تتبع هذا الملف ليس فقط استمرار الأزمة بل ثبات طريقة التعامل معها تقريبا، فبحسب بيانات وزارة التجارة والصناعة المصرية المتاحة عبر موقعها الرسمي، يبلغ عدد المصانع المتعثرة نحو 11 ألف مصنع حتى نهاية 2025 مع الإشارة إلى أن ما يقرب من 6 آلاف مصنع يعاني من تعثر مالي حاد, غير أن هذه الأرقام على ما تبدو عليه من تحديد تظل مفتوحة على تأويلات متعددة. 

فوفق تقديرات اتحاد الصناعات المصرية قد يتجاوز العدد 20 ألف مصنع إذا ما أُخذ في الاعتبار التعثر الجزئي وانخفاض الطاقة الإنتاجية، وهو ما يعني أن جزءا معتبرا من الأزمة يظل خارج نطاق التعريف الرسمي، وبالتالي خارج نطاق التدخل. هذا التباين في الأرقام  ينعكس مباشرة  أيضا على العمال لأن كل مصنع (غير مرئي) في الإحصاء هو في الواقع عمالة  بأجور منخفضة أو في حالة عدم يقين مستمرة من الاستمرار في العمل،  وهنا يتحول التعثر من كونه مشكلة إنتاج إلى كونه آلية ضغط على سوق العمل.

في الواقع لا يظهر أثر التعثر في صورة بطالة صريحة فقط، بل في أشكال أكثر تعقيدا تخفيض ساعات العمل وتأخير الأجور والتحول إلى عمالة غير منتظمة داخل المنشأة نفسها مع الإبقاء على العمال دون تشغيل فعلي، وهي أنماط يصعب التقاطها في الإحصاءات التقليدية لكنها تشكل جوهر الأزمة الاجتماعية المرتبطة بالصناعة.

وبينما تشير البيانات الرسمية إلى إعادة تشغيل عدد من المصانع خلال السنوات الأخيرة، فإن السؤال الأهم يظل متعلقا بنوعية هذا التشغيل وهو هل عاد العمال إلى نفس مستويات الأجور والاستقرار؟ أم أن إعادة التشغيل تمت بشروط أقل في سياق يسعى إلى تقليل التكلفة بأي ثمن؟

لفهم ذلك بشكل أوضح، يمكن النظر إلى أحد أكثر القطاعات تعبيراَ عن هذه الأزمة وهو قطاع الغزل والنسيج، فهذا القطاع الذي يعد تاريخيا أحد أعمدة الصناعة المصرية, فهو نموذج صارخ للتعثر المركب, فمن ناحية يعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل خاصة الطاقة والمواد الخام المستوردة ومن ناحية أخرى, يواجه منافسة حادة من الواردات منخفضة التكلفة وبين الاثنين تتآكل قدرة المصانع المحلية على الاستمرار, لكن الأزمة في هذا القطاع لا تتوقف عند حدود السوق، فجزء كبير من شركات الغزل والنسيج يرتبط بالقطاع العام، ما يعني أن التعثر هنا لا يُدار فقط كمسألة اقتصادية, بل كملف إداري وسياسي وهو ما يفسر بطء عمليات إعادة الهيكلة وتداخلها مع اعتبارات تتعلق بالعمالة والاستقرار الاجتماعي.

في هذا السياق، يصبح العامل في مصنع نسيج متعثر نموذج كاشف، فهو يعمل في منشأة  قائمة شكلا لكنها تعاني من نقص الخامات أو توقف خطوط الإنتاج ويتقاضى أجرا لا يعكس تضخم الأسعار، ويواجه في الوقت نفسه تهديد دائم بإعادة الهيكلة أو تقليص العمالة.

وعند ربط هذا الواقع بالسياسات المعلنة يظهر التناقض بوضوح، فالحكومة أعلنت في 2026 عن إطلاق صندوق لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة إلى جانب حزمة من التيسيرات التمويلية والإجرائية لكن إذا كان الصندوق يستهدف في مرحلته الأولى دعم 30 إلى 40 مصنعا فقط، فإن السؤال وماذا عن بقية المصانع؟ وماذا عن العمال المرتبطين بها؟

الأمر لا يتعلق فقط بمدى كفاية التمويل بل بطبيعة المقاربة نفسها، فالتعامل مع التعثر باعتباره مشكلة سيولة أو مديونية يتجاهل أن جزءً كبيراً من الأزمة مرتبط ببنية السوق وبالسياسات الصناعية وبقدرة المنتج المحلي على المنافسة، وهو ما تؤكده تقارير البنك الدولي، التي تشير إلى أن التحديات الأساسية تشمل نقص العملة الصعبة وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهي عوامل تضغط مباشرة على الصناعات كثيفة العمالة مثل النسيج، كما يربط صندوق النقد الدولي
بين إصلاح القطاع الصناعي وتحسين بيئة الأعمال بشكل عام وهو ما يعني أن أي محاولة لمعالجة التعثر دون تغيير هذه البيئة ستظل محدودة الأثر, في المقابل تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تحسن في بعض مؤشرات الإنتاج الصناعي، لكن هذا التحسن عند تفكيكه قطاعيا لا يعكس بالضرورة تحسن في أوضاع العمال ولا في استدامة التشغيل هنا تحديدًا تتجلى المفارقة، فقطاع قد يحقق نموا في المجمل بينما تتدهور شروط العمل داخله أو تتوسع فيه أشكال التشغيل الهش.

الخلاصة لا يمكن التعامل مع ملف المصانع المتعثرة بمعزل عن العمال الذين يشكلون قلب العملية الإنتاجية، لأن إعادة تشغيل مصنع دون استعادة شروط عمل عادلة ومستقرة لا تعني بالضرورة حل الأزمة بل قد تعني إعادة إنتاجها بشكل مختلف وبين أرقام تتراوح بين 6 آلاف و20 ألف مصنع متعثر يظل السؤال الحقيقي: هل تستهدف السياسات الحالية إنقاذ المصانع أم إعادة ضبط تكلفتها على حساب العمل؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان عام 2026 يمثل بداية حل حقيقي أم مجرد محطة جديدة في إدارة أزمة ممتدة.
-----------------------------
بقلم: حسن البربري 

مقالات اخرى للكاتب

أزمة المصانع المتعثرة.. بين محاولات إعادة التشغيل وهشاشة العمل