- هل يتمكن بيراميدز وسيراميكا المزاحمة على البطولات؟
في المشهد الرياضي المصري، حقيقة لا تحتاج إلى دليل: الدوري الممتاز، منذ انطلاقته عام 1948، يحمل توقيع ناديين فقط من القاهرة. الأهلي والزمالك. الـ"قطبان" اللذان استحوذا على 58 لقباً من أصل 63 نسخة ، فيما توزعت البطولات الخمس المتبقية على أندية "استثنائية" لم تكرر الإنجاز.
وهو الأمر الذي وصم الدوري المصري بالاحتكار فيما نرى أن الدوري الانجليزي يعتبره البعض هو الدوري الاقوى في العالم نظرا لأن معظم الأندية قد تقاسمت البطولات المحلية والدولية أيضا.. فيما يحتكر ناديا الأهلي والزمالك هذه البطولات.
هذا الاحتكار لم يعد مجرد ظاهرة رياضية، بل أصبح "هندسة" هيكلية. وهو ما طرح تساؤلات عديدة نتناولها في السطور التالية للإجابة على السؤال الأهم وهو لماذا لا يفوز بالدوري سوى الأهلي والزمالك؟ هل هي أسبقية تاريخية فقط، أم أن هناك منظومة اقتصادية وإعلامية تحمي هذا الثنائي على حساب مبدأ تكافؤ الفرص؟ وإلى أي مدى نجح "الدخيل" الجديد بيراميدز في كسر هذه الثنائية؟
*احتكار يمتد لسبعة عقود"
الأرقام وحدها كافية لرسم صورة قاتمة عن "التوازن التنافسي" في الكرة المصرية. ففي دراسات علمية محكمة تم نشرها في وسائل أعلام غربية حللت بيانات الدوري منذ موسم 1948-1949 وحتى 2014-2015، وخلصت إلى أن "المنافسة في الدوري شبه معدومة" .
الأهلي، بصدارة تاريخية منفردة، يمتلك 45 لقباً. والزمالك، الذي يلاحقه، يمتلك 14 لقباً . هذا يعني أن الناديين معاً استحوذا على أكثر من 92% من إجمالي البطولات منذ تأسيس المسابقة. وجاءت بقية الأندية، من الاتحاد السكندري (لقب واحد عام 1966) إلى غزل المحلة والمقاولون وإسماعيلي (ستة ألقاب مجتمعة)، تتنافس على "فتات" الكعكة.
"أسباب هيمنة القطبين "
لم تأتِ هذه الهيمنة من فراغ. الباحثون في الدراسة المذكورة يؤكدون أن الأهلي والزمالك يتمتعان بـ "عدد من المزايا المالية المباشرة وغير المباشرة التي لا يحصل عليها منافسوهما" . ببساطة: قواعد اللعبة مختلفة.
1. التفوق المالي الصارخ: وفقاً لبيانات منشورة منها ما نشرته "ترانسفيرماركت" في أغسطس 2025، تبلغ القيمة السوقية للأهلي 39.95 مليون يورو، بينما تبلغ قيمة الزمالك 13.35 مليون يورو فقط . هذا الفارق الكبير بين القطبين أنفسهما يوضح حجم الهوة بينهما وبقية الأندية التي لا تتجاوز قيمتها السوقية 10 ملايين يورو في أحسن الأحوال.
2. الجماهيرية والتسويق: الجمهور هو "السلعة" الحقيقية. عائدات حقوق البث والتسويق والرعاية تذهب بالكامل تقريباً لصالح الناديين الجماهيريين، مما يعمق الفجوة الاقتصادية.
3. غياب سياسة توزيع الإيرادات العادلة: الدراسة الأكاديمية توصي الدوري المصري بتبني "نظام محسّن لتقاسم الإيرادات يسمح للأندية الصغيرة بالبقاء والازدهار" . لكن حتى الآن، لم يتم تطبيق أي نموذج مشابه لنظام "البريميرليج" الذي يضمن توزيعا عادلا للعوائد التجارية.
"ماذا بعد بيراميدز وسيراميكا؟*
في خضم هذا الاحتكار، ظهر نموذجان جديدان خلال السنوات السبع الماضية، هزا قليلاً مشهد "القطبين".
"نموذج بيراميدز.. قوة المال"
تأسس بيراميدز عام 2018 تحت مسمى "النادي الأسيوطي"، قبل أن يشتريه المستثمر السعودي تركي آل الشيخ، ثم ينتقل إلى ملكية إماراتية. الهدف كان واضحاً وهو كسر احتكار القمة بالمال، وليس بالتاريخ.
" الإنجازات"
على عكس التوقعات لم يربح بيراميدز دوري الأبطال حتى العام الماضي، لكنه نجح في الفوز بكأس مصر 2023 والتتويج بدوري أبطال أفريقيا 2025، ليصبح أول ناد مصري غير أهلاوي أو زملكاوي يحقق البطولة القارية منذ عقود .
" الميزانية"
المفارقة أن حارس مرمى الفريق، شريف إكرامي، صرح في 2024 بأن ميزانية بيراميدز تأتي في المرتبة الثالثة بعد الأهلي والزمالك، قائلاً: "مع كل احترامي للأهلي والزمالك، نحن أقل منهم من حيث الميزانية" . لكن رغم ذلك، يبدو أن القيمة السوقية لبيراميدز (21.2 مليون يورو) تؤكد أنه الأقرب لتهديد القطبين، وإن كان يفصله عن الأهلي حوالي 19 مليون يورو .
"نموذج سيراميكا كليوباترا"
الأكثر إثارة للدهشة كان سيراميكا كليوباترا. النادي الذي تأسس عام 2007 فقط . ففي موسم 2025-2026، وبعد مرور 17 جولة، تصدر سيراميكا جدول الترتيب بـ 35 نقطة، متقدماً على الزمالك والأهلي . فهل هذا مؤشر على انفراج في الأفق؟ أم أنها مجرد "ظاهرة موسمية" سرعان ما تتلاشى أمام قوة القطبين في الجولات الحاسمة؟
" نحو هيكلة عادلة"
إذا كان الهدف هو "رياضة جاذبة للاستثمار" وليس مجرد "متاهة للجماهير"، فلا بد من تدخلات هيكلية جذرية منها:
· تعديل نظام المسابقة: الدوري المصري جرب نظام "البلاي أوف" البلجيكي في 2025-2026، حيث يتم تقسيم الأندية إلى مجموعتين بعد مرحلة أولى، مع الاحتفاظ بالنقاط . هذا النظام يزيد من الإثارة في المجموعة الأولى، لكنه يخلق "دوري موازٍ" بلا منافسة حقيقية في المجموعة الثانية.
· مراجعة احتكار المواهب: الأهلي والزمالك يجذبان أفضل اللاعبين ليس فقط بالمال، بل بـ"الضغط الإعلامي" وشهرة البطولات القارية. وهذا يخلق دورة مفرغة: الأندية الصغيرة تبيع نجومها لسد العجز المالي، مما يعمق الفجوة.
مما سبق نخلص الي أن كرة القدم المصرية تعاني من "مرض مزمن" اسمه اللا توازن. وجود أندية مثل بيراميدز أو سيراميكا على منصات التتويج هو مجرد "مسكنات". وفي الواقع هو نظام اقتصادي يعيد توزيع الثروة الرياضية، قبل أن تتحول البطولة إلى "نزهة سنوية" للقلعتين الحمراء والبيضاء.





