25 - 04 - 2026

رشقة أفكار | هل تبلدت مشاعر المصريين؟! (١-٢)

رشقة أفكار | هل تبلدت مشاعر المصريين؟! (١-٢)

- اهتزّ الناس لحادثي وفاة "العوضي" وانتحار"بسنت، وتجاهلوا حالات الانتحار الأخرى! هل نكيل بمكيالين في تعاطفنا وانفعالنا بالموت؟!
- عرائس السماء ذهبن إلى خالقهن من دون وداع أو تعازٍ.. رئيس الوزراء لم يحضر المشهد ولا الأحزاب ولا النقابات ولاعزاء لأحد!
- متوفي واحد يلقى كل هذا الاهتمام في مقابل شهيدات سبع متن احتراقا ،وشويت أبدانهم بتأثير حصارهن داخل جدران غاضبة؟
- زميلة المنتحر بإلقاء نفسه من الطابق الثالث لشركته بالتجمع الخامس قالت: دماؤه سالت على الرخام والإدارة لم تهتز أو تكف عن الضحك!
- رجب البقال يعيش المأساة .. أوراقه سليمة وحملة الإشغالات ترفضها بلا نقاش ورفضها مساعدته يدفعه لإحراق مصدر رزقه؟!
- في تجريم وتغريم المقبلين على الانتحار: المحاولة لابد أن تنجح وإلا فهي "موت وخراب ديار"!!  

انشغل الناس - ولايزالون - بوفاة ضياء العوضي! لم تحظ شهيدات مصنع الكوتشي (السبع بنات) بكلمات رثاء تستحقها أسرهن أو شعور بالحزن أوتعبير عن المواساة.. لم يتقدم السيد الرئيس - باعتباره أبا لهن - من أسرهن وأمهاتهن الثكالى بالتعزية والمواساة .. برقية واحدة، وموفد من الرئاسة ربما كان يكفي.. كما لم  ير أحد رئيس الوزراء في المشهد!! غابت الأحزاب أيضا.. والنقابات ولاعزاء لأحد!

- في  تصريحات لـ "مصراوي" وجه وزير العمل حسن رداد بسرعة جمع كافة البيانات وإعداد قوائم بأسماء ضحايا الحادث؛ لبحث صرف التعويضات.  في حال تقرر صرفها! وفي بيان لوزارة التضامن الاجتماعي، الثلاثاء الماضي، أكدت الدكتورة مايا مرسي أنها وجهت رئيس الإدارة المركزية للحماية الاجتماعية، بالتنسيق مع مدير مديرية التضامن الاجتماعي بمحافظة القاهرة، وفريق الإغاثة بالهلال الأحمر المصري لتقديم التدخلات الإغاثية والمساعدات العاجلة واتخاذ اللازم. وتقدمت  بخالص التعازي لأسر الضحايا، داعية الله أن يلهمهم الصبر ويربط على قلوبهم، وسرعة الشفاء للمصابين!

تعامل روتيني بحت.. لم يوفدوا أحدا ممثلا عنهم لمواساة الأسر المنكوبة في بناتها عرائس السماء، أو يبعثوا ببرقيات، ولا نقول حضور الجنازات وهو واجب كبار ممثلي الدولة.. وكأن تعاملا من نوع خاص مع كارثة كهذه سوف ينقص من قيمة الدولة ، او يرتب عليها التزامات أكبر! هل أصبحنا نتصرف إزاء كل شيء بمنطق كم سنتكلف أموالاً؟ نبحث هذا عندما يتعلق الأمربتعويضات في حوادث الوفاة، وما يتعلق بصحة الناس وعلاجهم  في المستشفيات، ونبحثه ايضا عندما يتعلق الأمر بالتعيينات، وعلى سبيل المثال هناك ملف ملغوم ومتفجر عنوانه "الصحفيون المؤقتون" الـ (٨٢)، ويتعلق بصحفيين يعملون في مؤسسات صحفية حكومية منذ أكثر من ١٥ عاما من دون تعيين حتى اليوم (!!)، وهو إجراء لو تم لن يكلف الدولة سوى ٦ ملايين جنيها شهريا، على حد قول الكاتب الزميل نبيل عمر، الذي شارك في مناقشة هذا الملف في اجتماعات الهيئة الوطنية للإعلام! هل نترك هولاء الصحفيين حتى يكون من بينهم "عماد فقي" آخر، وهوصحفي شنق نفسه في مكتبه بمؤسسة الأهرام في العام ٢٠٢٢؟

هل تبلدت مشاعر الناس أم تبدلت مشاعر الخوارزميات، فمنعت المرثيات والتأبين من المنبع؟ الذين يقبلون على التعليق على صورة لي او بوست او خبر او مقال غابوا جميعا عن المقال الذي يرثي شهيدات الكوتشي السبعة (..) وفي نفس الوقت انخرط الناس في البحث في أسباب "الوفاة الغامضة" لـ ضياء العوضي! متوفي واحد في مقابل شهيدات سبعة متن احتراقا، وشويت أبدانهم بتأثير حصارهن داخل جدران غاضبة لم يمكنهن الفكاك منها، فقد كن مغلولات  بالجنازير التي اغلق بها الأبواب صاحب المصنع غير المرخص!

هل اعتاد  المصريون مؤخرا  مشاهد الدم والقتل والدمار - من غزة إلى بيروت ومن دول الخليج  إلى طهران -  فاصبحت بالنسبة لهم أمرا معتادا وعاديا لايتوقفون عنده؟ وربما حالة نفسية تدفعهم إلى  التوقف أمام غيره من الأمور، ولو كانت التعلق بالتفاؤل الكاذب والآمال الزائفة، التي تدعو نظم إعلام سابقة ولاحقة وحالية إلى ترويجها حينما تشتد الأزمات، كما حدث من قبل! أم أن براكين الغضب تغلي في الصدور، وأبانا الذي يتحكم في "الخوارزميات" من منبعها، يمنع نشر أي تفاعلات مع مثل هذه الأحداث، خاصة عندما يتقلص دور الجهات المعنية، سواء بالمناقشة او بالدعم النفسي والإنساني والمالي؟ ماذا جرى لنا؟

لماذا لم نتوقف ونتمهل وندرس أحداثا جساما مرت علينا في الأسابيع الأخيرة، بينما اهتزّ الناس لحدثين فقط هما وفاة ضياء العوضي في دبي وانتحار"بسنت" أمام الناس، وهل نحن نكيل بمكيالين في تعاطفنا وانفعالنا بالموت؟!

قبل يومين - وفى حادث مشابه نسبيا لما حدث في عام ٢٠٢٢ - طعنت أم من محافظة قنا رضيعها ذا التسعة اشهر، وقيل ان السبب يعود إلى خلافاتها مع زوجها.. طعنت رضيعها بدم بارد حتى أجهزت عليه!!

في السابق وتحديدا في يونيو ٢٠٢٢ قتلت أم مصرية من قرية يمامة بالدقهلية أولادها الثلاثة، وقيل وقتها ان السبب هو اكتئاب ما بعد الولادة! إذن الأحداث تتكرر ولا من يسمع أو يدرس أو يجيب؟!

- وعم رجب قام مؤخرا بإشعال النار في الكشك الذي افتتحه ويسترزق منه.. إثر حملة قامت بها الأجهزة التنفيذية بمدينة القصاصين الجديدة لاتخاذ الإجراءات القانونية تجاه عدد من الإشغالات، من بينها كشك المواطن «رجب الصغير»، بدعوى عدم حصوله على التراخيص اللازمة وقيامه بإشغال جزء من الطريق العام. ورغم أن عم رجب أكد أنه يمتلك مستندات تثبت قانونية وضعه، إلا أن الجهات المعنية لم تعترف بهذه الأوراق، ما وضعه في أزمة مالية واجتماعية صعبة، خاصة أن الكشك يُعد مصدر رزقه الوحيد! لماذا لا نهتم ونناقش اوراقه ونهتم بايجاد حلول لمصدر رزق الرجل؟ لماذا نتركه حتى يصل إلى مرحلة إشعال النار في مصدر رزقه؟!

الأربعاء الماضي ايضا شهدت منطقة كوبري المظلات بمدينة شبرا الخيمة، واقعة مؤلمة بعدما أقدم شاب على إنهاء حياته شنقاً، حيث قام بتثبيت حبل في سور الكوبري وربطه حول عنقه، ليسقط جثمانه متدلياً في مشهد صادم.. كما ورد في الأنباء! هذا  الشاب الذي - يمتلك سيارة - قام بركنها على الكوبري ثم نحر نفسه.

في ديسمبر من العام ٢٠٢١ الذي شنق نفسه فيه نور الدين الموظف الذي عرف بمنتحر التجمع الخامس، قالت زميلة له تدعى روشان «أن نور قفز من الطابق الثالث فسقط على الرخام، مضيفة: بعد الحادث.. الإدارة أكملت عملها بشكل طبيعي، والضحك مستمر دون خروج أي شخص من الشركة وراء الإسعاف)، وأشارت إلى أنها فوجئت بما حدث، بعدما أخبرها الأمن أن كاميرات الطابق الثالث الذي شهد الحادث لا تعمل، مؤكدة أنها لا تعرف نور الدين ولم تتعامل معه بشكل شخصي!

كيف تواجه السلطات والأجهزة المعنية وجموع شعبنا مثل هذه الأحداث؟ هذا ما يستدعي نقاشا مستفيضا، وان كانت هناك دراسة نشرت في العام ٢٠١٢ عن المعهد المصري للدراسات أعدها الباحث والحقوقي شريف الهلالي أكدت أن الإجراءات المتخذة وسبل المواجهة قاصرة ومحدودة!

ومما يثير الحنق أن النواب الذين يفترض فيهم البحث وإيجاد تشريعات تعالج مثل هذه الظواهر لايفكرون في حلول على نفس القدر من التميز والاهتمام، ففي السابق اقترح نائب تجريم الإنتحار من خلال تغليظ العقوبات المادية والتهديد بالسجن، وفي عام ٢٠٢٦ عاد نائب آخر ليقدم حلا مشابها، يقضي بتغريم المقدمين على الانتحار مبلغ ٥٠ الف جنيه! وكأنه يعطيهم سببا لئلا يفشلوا في محاولتهم، او أنه يقول لنا بحسب المثل العامي المصري: موت وخراب ديار، بمعني آخر ماذا يصير الشاة في سلخها بعد ذبحها ياسيادة النائب؟!

ويرى أستاذ علم الاجتماع بآداب القاهرة المتخصص في علوم الانسان سعيد المصري أن “مشروع القانون (السابق وبالتالي اللاحق المشابه له) المقدم إلى البرلمان يفتقر إلى فهم عميق للأبعاد الاجتماعية والنفسية المعقدة المرتبطة بالانتحار، وكذلك إلى تفهم مثالي للعواقب السلبية للقانون نفسه على الصعد الاجتماعية والنفسية والسياسية”، كما يغيّر مشروع القانون المقترح فلسفة قانون العقوبات من خلال جعل الانتحار جريمة يجب معاقبة مرتكبها من دون الالتفات إلى معالجة العوامل التي دفعته إلى هذا التصرف، وذلك انطلاقاً من فكرة أن الانتحار يضر المجتمع، ومصدره هو المنتحر نفسه الذي يجب معاقبته، ما يكرّس مبدأ إلقاء اللوم على الضحية التي يجب أن تودع في مصح نفسي يشبه السجن، في سياق منطق العقوبة وليس تعزيز فرص الحياة”.

هذه ملفات ملغومة ومتفجرة، نتعامل معها بتسرع وببساطة ومن دون جهد او تفكير، رغم أن هذه الأحداث والوفيات والضحايا تجعلنا نئن وننزف من داخلنا، كل من لديه حس رهيف بالآخرين، ولديه بعضا من ضمير،  حتما يشعر بهذه المشاعر.. فلماذا تبلدت مشاعرنا تجاه الموت على هذا النحو؟

وللحديث بقية .
--------------------------------

بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | هل تبلدت مشاعر المصريين؟! (١-٢)