23 - 04 - 2026

معادلة الردع الإيرانية.. دروس لا تنسي للأمة

معادلة الردع الإيرانية.. دروس لا تنسي للأمة

في مشهد يتسارع بلا هوادة، تخوض منطقتنا حرباً غير متماثلة، طرفها الأول قوة كولونيالية تمتلك مفاتيح الكون الأول بأحدث أدواته وتقنياته وحشوده العسكرية. والطرف الثاني: جمهورية إيران الإسلامية، تقف وحدها في فناء الحرب الشاسع، لكنها فاجأت العالم بمعادلة ردع غير متوقعة بالمرة، جعلتها تتربع على كامل المشهد.

ووسط هذا الصراع، وقفتُ متسائلاً: من أين لإيران كل هذه القوة؟ كيف كان الإعداد؟ وما ثقافة ووعي هذا الاستعداد؟

هالني ما سمعته لأول مرة في هذه المعركة عن "القوة الجو- فضائية" الإيرانية وإمكاناتها. إنه جيش جو- فضائي لا مثيل له في جيوشنا العربية! ثم الحرب السيبرانية التي برعت فيها "مجموعة حنظلة" الإيرانية، والتي تمكنت من اختراق أعمق تحصينات العدو الإسرائيلي. وقفت أسأل نفسي عن الصواريخ الإيرانية كمّاً ونوعاً، وعن حقيقة أن الحرس الثوري لم يستخدم حتى الآن سوى مخزونه القديم!

منطقتنا تواجه المجهول. ربما هو معلوم للكيان والأميركان، لكنه غائب عنا نحن، وقلت لنفسي: لماذا لم يتم عمل لجنة مشتركة تتكون من قادة جيوش: مصر، السعودية، تركيا وباكستان لدراسة حيثيات تلك المعركة من حيث الفعل، ورد الفعل. من حيث الإمكانيات والإستعدادات.

فلو كان الأمر بيدي، لقمت بتشكيل لجنة ترصد ما يجري بوعي وفهم. لجنة تنظر في معركة الصواريخ والمسيرات، ومعركة الطاقة، وحرب المضائق، وأساليب القتال الصهيـ وني من تجسس، اغتـ يالات، حـ رب إعلام ومعلومات، حرب سيبرانية. ولجنة تنظر في كيفية إنشاء إيران لجيش كامل تخصص جو- فضائي لا نظير له.

نريد لجنة تبحث في سر تطور صواريخ إيران بأنواعها، وكيف أمكن تخزينها وحمايتها من القصف رغم وجود الجواسيس في كل مكان، ومع ذلك بقيت أماكن التخزين سراً مصوناً، وأماكن الإطلاق عصية على التدمير. كيف استفاد الإيـ راني من حربه الطويلة مع العراق، ومن صواريخ "سكود" الروسية التي أمطرهم بها صدام حسين لحوالي عقد من الزمان؟ كيف طوّروها؟

لجنة تبحث كيف نجح الإيراني في بناء قاعدة معرفية وعلمية صلبة، وكيف ربطها بحركة التصنيع العسكري. فخلف تطوير السلاح يقبع بلا شك تعليم جيد، وبيئة علمية خصبة، اهتمت فيها بأهم علوم قيادة الكون: فيزياء، رياضيات، كيمياء، حاسبات، خوارزميات، هندسة عكسية، وعلوم الكم.

مستقبل الشرق الأوسط في مهب الريح، ومع كل تسارع دراماتيكي في ميدان المعركة، تزداد الحاجة إلى وقفة جادة، لا عاطفية ولا منحازة. ولهذا، فلنُنَحي خلافاتنا جانباً. ولنتجاوز التقسيم الوهمي لأمتنا بين مسلم ومسيحي، سني وشيعي، فالخطر القادم لا يفرق، لا يحترم ولا يحابي أحدا علي دينه أو طائفته.

القادم "إن لم نستعد له" أسوأ بكثير مما نتصور. ولن نخرج من عنق الزجاجة إلا بأدوات ثلاث: علم قوي يمسك بزمام التكنولوجيا، ووعي جمعي يفهم طبيعة الحرب غير المتماثلة، واستعداد لا يعرف التوقف يتعلم من النموذج الإيراني كيف يُصنع الردع من العدم.

فالدرس اليوم ليس لإيران وحدها، بل لكل من يظن أن النجاة تكون بالانحياز أو الانتظار. النجاة تكون بالبناء من الداخل، بصمت، وبإرادة لا تنكسر.
----------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير


مقالات اخرى للكاتب

معادلة الردع الإيرانية.. دروس لا تنسي للأمة