وسط حراك دبلوماسي مكثف ومعقد يجرى على خط النار، وضغط عسكري أمريكي غير مسبوق، واستخدامها سياسة حافة الهاوية (Brinkmanship) وهي استراتيجية تفاوضية خطيرة تنتهجها واشنطن حالياً لدفع الصراع الأمريكي الإيراني إلى أقصى درجات التصعيد، وهو ما يطلق عليه (حافة الحرب أو الكارثة) لإجبار طهران على التراجع عن شروطها وتقديم تنازلات تهدف إلى تحقيق مكاسب لواشنطن دون الوصول فعلياً إلى صدام شامل، وهذه السياسة تعتمد على التصعيد المتدرج أو المحسوب لتهديد إيران وإجبارها على العودة للمفاوضات من أجل القبول بالمبادرة الأمريكية، وإلا الترهيب باللجوء إلى الحرب دون تنفيذ ذلك، من أجل التوصل إلى حلول للملفات الساخنة بالشرق الأوسط، إذ تخيم حالة من الضبابية الشديدة والغموض على ما وُصف بـ «مفاوضات الفرصة الأخيرة» بين الولايات المتحدة وإيران، والمقرر عقد جولتها الثانية في إسلام آباد، وسط تصريحات متناقضة وتصعيد لفظي من الجانبين، قبل انتهاء هدنة الأسبوعين بساعات، فيما العالم يترقب حرب التصريحات بين ترامب وقادة إيران، إذ توعد الرئيس الأمريكي بتدمير بنى تحتية حيوية خصوصاً محطات الطاقة والوقود في حال عدم مشاركتها في المفاوضات، بإعتبارها محطة حاسمة في مسار الصراع، ما يزيد من مخاوف انهيار وقف إطلاق النار بين البلدين، عقب تجدد التصعيد وإقدام الولايات المتحدة على احتجازسفينة الشحن الإيرانية العملاقة «توسكا»، فيما ترفض إيران المحادثات تحت ضغط حصار موانئها معتبرة أن قبولها «استسلام للشروط الأمريكية» وفق رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي أكد أن الرئيس دونالد ترامب يسعى من خلال الحصار وانتهاك وقف إطلاق النار، لتحويل المفاوضات إلى « طاولة استسلام» أو تبرير تجدد الأعمال العدائية، ورغم وصول الوفود التمهيدية من البلدين إلى إسلام أباد، إلا أن المفاوضات لم تُعقد حتى الاَن، وسط غموض جعل الأمور أكثر ضبابية عن مصيرها، وإعلان ترامب رفضه تمديد هدنة وقف إطلاق النار.
تبذل باكستان جهوداً كبيرة لاحتواء التصعيد، ودفع الطرفين إلى جولة جديدة من المفاوضات، لإنهاء هذه الحرب التي أشعلت أسعار النفط في العالم وتالياً رفعت أثمان العديد من السلع والخدمات، ووصل الأمر إلى توقف بعض رحلات شركات الطيران العالمية نتيجة عدم توفر الوقود، عقب إغلاق مضيق هرمز الذي يعبر منه 20% من إحتياجات العالم من النفط، إذ وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محادثات إسلام آباد لعقد اتفاق، بأنها الأمل الأخير أمام طهران لإنهاء الحرب متعهداً بعدم تكرار ما وصفه بخطأ الرئيس السابق باراك أوباما، وأنه سيفجر البلد بأكمله في حال عدم توقيعها على اتفاق، خصوصاً وأن الولايات المتحدة تطرح اتفاقاً عادلاً ومعقولاً للغاية على إيران، وإذا لم يقبلوه فستدمر أميركا كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران، وهو ما كان ينبغي أن يفعله رؤساء آخرون تجاه إيران خلال الـ47 عاماً الماضية، حان الوقت لإنهاء آلة القتل الإيرانية، مؤكداً أنه لا تمديد للهدنة التي تنتهي مساء الغد الأربعاء، فيما يعتبر الإيرانيون أن المطالب الأمريكية متطرفة ولا يمكن القبول بها، وسط لهجة تصعيدية من طهران، والحديث عن جاهزيتها لعودة الحرب وأن اليد على الزناد، ومطالبتها بإنهاء الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
يسابق الرئيس الأمريكي الزمن لإنجاز اتفاق مع إيران بسبب الضغوط الداخلية في بلاده والعالمية أيضاً نتيجة إرتفاع أسعار النفط، إذ أكد أن الاتفاق النووي الذي تتفاوض عليه إدارته حالياً مع طهران سيكون أفضل بكثير من الاتفاق المبرم عام 2015، نافياً تعرضه لأي ضغوط لتسريع المحادثات، وقال ترامب في منشور عبر منصات التواصل الاجتماعي، إن الاتفاق المرتقب سيتفوق على خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو الاسم الرسمي للاتفاق النووي الإيراني الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً اتفاق 2015 بأنه أسوأ اتفاق على الإطلاق، إذ أعلن أن إيران تخسر 500 مليون دولار يومياً بسبب الحصار المفروض على موانئها، وتأتي هذه المحادثات، قبل ساعات من انتهاء وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مساء الأربعاء، وسط تصاعد التوترات في المنطقة، وتلميح ترامب إلى انفتاحه على خطوة دبلوماسية حاسمة وهي الاجتماع مباشرة مع القيادة الإيرانية إذا سنحت الفرصة، بشرط أن يتخلصوا من فكرة حيازة أسلحة نووية، فيما تشترط طهران حل عدد من الملفات الشائكة قبل العودة إلى المباحثات، من بينها إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان باتفاق لوقف إطلاق النار، والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمّدة حول العالم، بعد أن نجحت في الصمود والمقاومة على مدى 40 يوماً من الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل في 28 فبراير الماضي، ما دفع واشنطن إلى اللجوء لمسار الدبلوماسية، خشية الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة، خصوصاً أن ترامب أعلن أن إسرائيل لم تدفعه للحرب على إيران، لكن الولايات المتحدة شاركت فيها نتيجة لحرب 7 أكتوبر على إسرائيل، فيما فشلت واشنطن ودولة الاحتلال في تحقيق الكثير من أهداف الحرب وفي مقدمتها إسقاط النظام في إيران، ما يمنح طهران قوة تفاوضية لتحقيق شروطها العشرة التي أعلنت عنها قبل أن تتنصل الإدارة الأمريكية منها.
رغم قصف إيران بأكثرمن 37 ألف قذيفة خلال الحرب، فإنها تعلن دائماً أنها مستعدة لمواصلة الحرب من أجل تحقيق أهدافها وعدم الاستسلام للشروط الأمريكية، مستغلة إغلاق مضيق هرمز، وتعتبره بمثابة القنبلة النووية الإيرانية الحقيقية، التي ستوجع العالم كله في حال إغلاقه، إذ يمرّ عبره خُمس الإمدادات النفطية في العالم، ولذا سارعت واشنطن إلى محاصرة الموانئ الإيرانية رداً على إغلاق هرمز، وأعلن ترامب أنه لن يتم رفع الحصار إلا في حال توقيع إيران اتفاق نهائي وهو ما ترفضه طهران، في الوقت الذي تعتبر واشنطن الملف النووي خطوطها الحمراء الذي لن تتنازل عنه، وترفض وقف عمليات تخصيب اليورانيوم، فضلاً عن تفكيك منشآت التخصيب الكبرى، وتسليم واشنطن اليورانيوم العالي التخصيب بنسبة 60% والذي يقدر بـ 460 كيلو جراماً، ونقله إلى أمريكا، في حين نفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان خارج إيران، وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الذي أكد أنه «لن يتم نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى الولايات المتحدة لأنه ليس خياراً مطروحاً بالنسبة لنا»، فيما يسعى ترامب للحصول على مخرج لهذه الحرب قبل استحقاق مرتقب بانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، وسط تهديدات أمريكية باستخدام القوة العسكرية كورقة تفاوض، إذ أعلن عن تقديم عرض عادل ومقبول لإيران في إطار الجولة الثانية من المفاوضات، وفق تصريحات ترامب، وسط تحشيد عسكري متواصل ووصول آلاف الجنود الإضافيين إلى المنطقة، بينهم نحو 6 آلاف جندي على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»، إضافة إلى قوة أخرى قوامها 4200 عنصر من مجموعة برمائية، ويشارك نحو 50 ألف جندي أمريكي في العمليات المرتبطة بإيران وفق تقديرات البنتاغون، بالتزامن مع فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وهو تصعيد يعكس رغبة واشنطن في رفع كلفة الموقف على طهران.
أدى الحصار البحرى الأمريكي على الموانئ الإيرانية، إلى رفضها المشاركة في مفاوضات باكستان خصوصاً بعد الاستيلاء على سفينة «توسكا» الإيرانية، والتي كانت في طريقها إلى ميناء بندر عباس، الأمر الذي يوضح مجدداً حجم التعويل الأمريكي على الضغط العسكري في إطار التفاوض، واستخدام سياسية حافة الهاوية مع إيران، وفي حال نجحت إستراتيجية ترامب في الحصار البحري، فسيقضي على أهم ورقة ضغط تفاوضية لدى إيران وهي مضيق هرمز، لكنه سيزيد الحرب اشتعالاً في حال عدم التوصل إلى اتفاق ما قد يؤدي إلى حرب استنزاف طويلة، يسعى البلدان إلى عدم الانجرار إليها، رغم إعلان الرئيس الأميركي، أنه لم تعد هناك أي نقاط عالقة تحول دون التوصل إلى اتفاق مع إيران، وأن الاتفاق بات قريبا للغاية، وليس هناك أي نقاط عالقة، ولوح ترامب بأن بلاده ستعود لإلقاء القنابل على ايران، فيما تطالب طهران بالافراج عن السفينة الإيرانية ورفع كامل وشامل لجميع العقوبات الاقتصادية، وهو ما تربطه واشنطن بتنازلات نووية حقيقية وقابلة للتحقق،ولذا تضغط الولايات المتحدة لتشمل المفاوضات أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما تعتبره إيران ملفاً منفصلاً، لرغبتها تحصيل رسوم مع سلطنة عمان، خصوصاً أن عرض المضيق 34 كيلومتراً، والمياة الاقليمية لإيران 14 ميل بحري نحو 19 كيلو متراً، ولعُمان مثلها، ولذا تعتبر المضيق مياه إقليمية إيرانية عمانية، مع استمرار المحادثات عبر وساطات مصرية باكستانية تركية لتقريب وجهات النظر في جميع الملفات ولذا يتوقع أن تسفر مفاوضات الجولة الثانية عن خارطة طريق وإطار عام يتضمن حلاً للبرنامج النووي فقط ، وفتح مضيق هرمز، لمنح الطرفين مزيد من الوقت قد يصل إلى ستين يوماً لتفكيك باقي القضايا الخلافية ومنها البرنامج الصاروخي الإيراني الذي ترفض طهران طرحه على مائدة المفاوضات.
جاءت زيارة قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، للعاصمة الإيرانية طهران لعقد سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى مع كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، وركزت المباحثات على الخطوات المتخذة في إطار إنهاء الأعمال العدائية، ومناقشة الوضع الأمني الإقليمي الأوسع، وشدد قائد الجيش الباكستاني على ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع وخفض التوترات بثبات وجدية، مؤكداً أهمية الحفاظ على زخم الجهود الدبلوماسية الجارية، وفي الوقت نفسه، يبذل رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، جهداً كبيراً مع مصروتركيا للتوصل إلى اتفاق ينهي هذه الحرب المتصاعدة التي أدت إلى قلب أسواق الطاقة العالمية والنظام الجيوسياسي رأساً على عقب، حيث استهدفت الضربات الإيرانية الانتقامية البنى التحتية الحيوية في دول الخليج، ما هدد إمدادات النفط والغاز العالمية، وفقًاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية، وتوسع النزاع ليشمل جبهات متعددة مثل لبنان، مما خلق وضعاً مأساوياً من القلق والتدمير.
وأقول لكم، السؤال الاّن هل ستنتهي الحرب على إيران أم يظل العالم يعيش في هذا الكابوس المزعج؟ رغم إعلان الرئيس الأمريكي أن الحرب في إيران ستنتهي قريبا للغاية، وأن النصر في إيران بات وشيكاً للغاية والعمليات العسكرية لم تستغرق سوى شهرين فقط، لكن لا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات المرحلة الأولى في باكستان، خصوصاً في الملف النووي، ومضيق هرمز وأبلغ ترامب الصحافيين أنه لن تُفرض رسوم من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة، ورفض طهران تسليم اليورانيوم المخصب المخزّن إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير، مؤكدة أن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل إلى أي مكان خارج إيران، وكذّب رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، عبر حسابه على منصة "إكس" مزاعم الجانب الأمريكي، وقال إنه مع استمرار الحصار، لن يظل مضيق هرمز مفتوحاً، ويأتي التطور في واحد من أكثر ممرات الطاقة حساسية عالمياً، حيث يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز، ما يرفع المخاوف من اضطرابات أوسع في الإمدادات والملاحة الدولية، ويقيني أن الساعات القليلة المقبلة ستشهد مد الهدنة لمدة أسبوعين إضافيين وعقد جلسة مفاوضات خلال الساعات المقبلة للاتفاق على إطار عام للملف النووي وفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، في حين تستمر المفاوضات الأشهر المقبلة.
-------------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]







