25 - 04 - 2026

حين تفقد البيوت بوصلتها .. يصبح العنف سيد الموقف

حين تفقد البيوت بوصلتها .. يصبح العنف سيد الموقف

نستيقظ كل يوم على مشاهد متكررة من القسوة: عنف داخل الأسرة، قطيعة بين الآباء والأبناء، برود في العلاقات، وانفجارات غضب تبدو بلا مبرر. جرائم قتل بين الأرحام، قسوة لا تفرّق بين صغير وكبير. والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط: لماذا يحدث هذا؟ بل: ماذا تغيّر فينا حتى أصبحنا نتلقى هذه الأخبار، نرددها، ثم نتجاوزها بهذه السهولة وكأنها لم تعد تُصدمنا كما كانت؟

كان البيت يومًا مساحة آمنة، ليس لأنه خالٍ من الخلاف، بل لأنه محكوم بمنظومة قيم واضحة: احترام، مسؤولية، حدود، ومرجعية أخلاقية ودينية تضبط الإيقاع. كان الخلاف يحدث، لكن داخل إطار يحفظ المعنى. اليوم، لم تختفِ البيوت، لكنها في كثير من الحالات فقدت بوصلتها، وفقد معها الأفراد الإحساس بالحدود الفاصلة بين ما يجوز وما لا يجوز.

الخطأ الشائع أننا نتعامل مع ما يحدث وكأنه ظاهرة طارئة، وكأن العنف والكراهية هبطا علينا فجأة، وكأن الماضي كان نقيًا تمامًا.

الحقيقة أكثر تعقيدًا: العنف كان موجودًا، لكنه كان محاطًا بسياج من القيم يحدّ من تمدده. أما اليوم، فقد تراجعت هذه السياجات، فأصبح العنف أكثر ظهورًا وجرأة، بل وأحيانًا أكثر قبولًا ضمنيًا، مع تكرار المشاهدة وتبلّد الحس.

ولا يمكن فصل ذلك عن التحولات الكبرى التي مر بها المجتمع. الانفتاح على العالم .. وسائل التواصل منحتنا  فرصًا واسعة للمعرفة، لكنها حملت أيضًا نماذج حياة لا تشبهنا دائمًا. ومع صعود الثقافة الاستهلاكية، ترسخ داخل الإنسان شعور دائم بالنقص .. ما نملكه لا يكفي، وما لدى الآخرين يبدو دائمًا أفضل ، هذه المقارنة المستمرة لا تخلق فقط طموحًا، بل توترًا داخليًا مزمنًا، يتحول في كثير من الأحيان إلى  حقد وغيرة على الآخرين وغضب مكتوم، يبحث عن منفذ قريب… وغالبًا ما يجده داخل الأسرة، حيث المساحات الأكثر هشاشة.

وتلعب الدراما أيضًا دورًا لا يمكن تجاهله. فبعضها لم يعد يكتفي بعكس الواقع، بل يبالغ في تشويهه: بذخ مفرط، ثراء سهل، انحراف بلا تكلفة، وصراعات تُحسم بالعنف. ومع التكرار، لا يعود المشاهد يرفض هذه الصور، بل قد يعتادها، أو يتقبلها كاحتمال طبيعي. وهنا يكمن الخطر: ليس في عرض العنف، بل في تطبيعه وتقليده وتبني بعض الفئات العمرية له .

ومن أكثر التحولات حساسية ما أصاب مفهوم التربية. جيل كامل نشأ على فكرة أن “التربية الحديثة” تعني إزالة المسافات بين الآباء والأبناء، وإلغاء الهيبة، وربما التخفف من أشكال الاحترام اللفظي والسلوكي. لكن ما حدث في كثير من الأحيان لم يكن تربية إيجابية بقدر ما كان تفريطًا غير مقصود. اختلّ التوازن بين الحزم والرحمة، وتحولت العلاقة من قيادة مسؤولة إلى مساواة غير ناضجة. تحت دعوى القرب من الأبناء، أُهملت فكرة “الحدود”، وهي العمود الفقري لأي علاقة صحية.

الطفل الذي لا يتعلم منذ الصغر أن هناك سقفًا لا يجب تجاوزه، يكبر وهو يختبر هذا الغياب في كل علاقاته. ومع أول صدمة حقيقية في الحياة، لا يجد داخله ما يكفي من الانضباط أو القدرة على الاحتمال. وهنا يصبح العنف — في بعض الحالات — لغة بديلة للتعبير عن العجز.

وكما يقول عالم النفس الألماني إريك فروم في كتابه فن الحب: “الحب ليس عاطفة فقط، بل هو مسؤولية ومعرفة ورعاية.” هذه الجملة تختصر الكثير. فحين يتحول الحب إلى مجرد مشاعر غير منضبطة، ويفقد عنصر المسؤولية، يصبح هشًا، لا يربي ولا يقوم، ولا ينتج أفرادًا قادرين على مواجهة الحياة.

ولا يمكن إغفال الضغط الاقتصادي وتغير إيقاع الحياة. تسارع الأيام، وضغوط العمل، والقلق المستمر بشأن المستقبل، كلها عوامل تستنزف طاقة الأفراد، فتقل قدرتهم على الصبر والاحتواء. ومع غياب مهارات إدارة الغضب والتواصل، تتحول الخلافات الصغيرة إلى انفجارات غير متوقعة.

أمام هذا المشهد، لا يكفي التشخيص، بل يجب البحث عن مسارات واقعية للإصلاح. وهنا تبرز أهمية دور المراكز البحثية في دراسة الظاهرة بعمق، لكن على المستوى الفردي، تظل هناك مساحات يمكن لكل أسرة أن تبدأ منها.

العودة إلى تعاليم الأديان، على سبيل المثال، لا ينبغي أن تُفهم كعودة شكلية إلى الطقوس، بل كاستعادة لمنظومة قيم حية: الرفق، الرحمة، الصبر، العدل، واحترام الكبير. الدين في جوهره ليس قيدًا، بل بوصلة. وحين تغيب البوصلة، لا يضيع الطريق فقط، بل يضيع الإحساس بالاتجاه.

من أين نبدأ؟

ربما يكون أخطر ما في هذه الظواهر هو الاعتياد عليها ، حين نراها، نتألم قليلًا، ثم نكمل يومنا كأن شيئًا لم يكن ، لكن التغيير لا يبدأ بقرارات كبرى، بل بخطوات صغيرة وصادقة:

أن يراجع كل أب وأم أنفسهم: ماذا نعطي أبناءنا فعلًا، لا ماذا نوفر لهم فقط؟

أن نعيد الاعتبار لفكرة “القدوة”، لأن الأبناء يتعلمون مما نفعله أكثر مما نقوله.

أن ندرك أن الرفاهية لا تعوض غياب القيم، وأن القرب لا يعني غياب الحدود.

أن نتعلم — كآباء وأبناء — مهارات الحوار، لأن كثيرًا من العنف يبدأ من العجز عن التعبير.

وربما نحتاج أيضًا إلى إعادة الاعتبار لفكرة “المساءلة المجتمعية”: أن لا تمر هذه الأحداث مرور الكرام، بل تُناقش بوعي، لا بفضول عابر، حتى لا يتحول الانحراف إلى مألوف.

الأمل في صلاح المجتمع ليس رفاهية. فوجود هذا القلق في حد ذاته علامة صحية؛ لأنه يعني أن الضمير لم يمت والمجتمعات لا تنهار فجأة، ولا تُصلح بقرار واحد، لكنها تتشكل ببطء… بنفس الطريقة التي تفسد بها.

وإذا كان العنف ينتشر، فالرحمة أيضًا قابلة للانتشار. وإذا كانت القسوة تُعلَّم، فالقيم يمكن أن تُزرع من جديد، بشرط أن نؤمن أن التغيير ممكن، وأن نبدأ من حيث نقف.

في النهاية، الأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي المعمل الأول للإنسان.

كل ما نراه في الشارع يبدأ هناك… أو يُهمل هناك.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا:

أي إنسان نُربي اليوم… وأي مجتمع نصنع غدًا؟
-----------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

حين تفقد البيوت بوصلتها .. يصبح العنف سيد الموقف