25 - 04 - 2026

​تريليونات الأسمنت قراءة في الخلل المتعمد واستفزاز الجوعى

​تريليونات الأسمنت قراءة في الخلل المتعمد واستفزاز الجوعى

أعادت الإعلانات الأخيرة عن مشاريع عقارية كبرى باستثمارات تتخطى حاجز التريليون ونصف التريليون جنيه، تسليط الضوء على الأزمة العميقة في إدارة الموارد وأولويات التنمية. هذه المشاريع الضخمة، التي يُسوق لها كمدن ذكية غير مسبوقة تضم عشرات الأبراج الفاخرة، تقف كشاهد حي على ما يمكن وصفه بـ "الخلل المتعمد" في الرؤية الاقتصادية. وفي ظل سلسلة متصلة من مشاريع البنية التحتية والمواصلات الباهظة والصفقات الاستثمارية الكبرى على السواحل، يطرح هذا التوجه تساؤلاً مؤلماً: كيف يمكن تبرير حشد هذه التريليونات في قطاع العقارات، بينما تتجاوز معدلات الفقر الـ 65%، وتُترك قطاعات بناء الإنسان الحقيقية، كالصحة والتعليم، فريسة للإهمال والتدهور؟

مغالطة المقارنة بمدن الماضي الصناعية.

كثيراً ما يخرج علينا بعض المروجين لهذا المسار بمقارنات سطحية، مشيرين إلى أن الدولة في عقود سابقة أقامت مدناً جديدة (مثل السادس من أكتوبر، والعاشر من رمضان، ومدينة السادات) وقوبلت بالرفض أو التشكيك في بدايتها. لكن هذه المقارنة تتجاهل فارقاً جوهرياً؛ فتلك المدن السابقة أُسست في جوهرها كقلاع "صناعية" وإنتاجية تهدف إلى خلق فرص عمل حقيقية ومجتمعات متكاملة تدعم الاقتصاد الفعلي. شتان الفارق بين مدن تُبنى لتوطين الصناعة والإنتاج، وبين مدن تتكون من أبراج تريليونية تُبنى بغرض المضاربة العقارية وتجميد الثروات في كتل أسمنتية.

وهم التنمية ودولة السمسار.،

عندما يتحول المحرك الأساسي للاقتصاد من الإنتاج والصناعة إلى المضاربة العقارية، فإن الدولة تتخلى عن دورها التنموي الأصيل لتتحول إلى "سمسار عقارات" ومقاول أراضي. إن ضخ مئات المليارات وتجميدها في كتل أسمنتية وأبراج سكنية وإدارية فاخرة لا يخلق اقتصاداً مستداماً، ولا يدر عملة صعبة، بل يسحب السيولة النقدية من الأسواق ليخدم شريحة ضئيلة جداً. هذا النهج يؤدي حتماً إلى تعميق الفجوات المرعبة بين طبقة الأوليغارشيا التي تزداد ثراءً واحتكاراً للموارد، وبين أغلبية مسحوقة تكافح من أجل البقاء.

المقارنة المشوهة مع النماذج العالمية،

يتذرع المدافعون عن هذا المسار بنماذج نجاح عالمية مثل دبي، أو هونج كونج، أو إندونيسيا، لتبرير هذه الطفرات العمرانية؛ وهي مقارنة ظالمة ومغلوطة من جذورها. هذه الدول لم تبنِ نهضتها بمجرد رص الطوب وبناء ناطحات السحاب في ظل فقر مدقع وضعف في القدرة الشرائية للمواطنين. تلك المدن انطلقت كقواعد صناعية، ومالية، وعواصم للتجارة العابرة بمتوسط دخل مرتفع جداً للفرد. التطور العقاري هناك جاء كـ "نتيجة" لخدمة اقتصاد إنتاجي حيوي يجذب الاستثمارات العالمية، ولم يكن هو الاقتصاد نفسه. لا يمكن بناء دولة قوية بالاعتماد على العقارات وحدها، متجاهلين أسس الصناعة والتجارة الحقيقية.

استفزاز الجوعى وخيرات للغرباء.،

كيف لإنسان يكافح بشق الأنفس لتوفير قوت يومه، في بلد اعترفت سياساته مراراً وتكراراً بأنه يعاني اقتصادياً، أن يتحمل هذا الاستفزاز اليومي؟ إن ما يراه الشعب ليل نهار من إعلانات تضخ أرقاماً فلكية لأسعار العقارات الفارهة، ومشاهد لحفلات البذخ والإنفاق المفرط، ليس مجرد تفاوت طبقي، بل هو استفزاز صارخ لمشاعر الملايين.

لقد ترسخ شعور مرير بأن خيرات هذا الوطن -إن وُجدت- لم تعد لأهله، بل صُممت للغرباء ولطبقة معزولة، ليُترك المواطن الأصلي غريباً في وطنه، يشاهد عجز أمثاله من الفقراء ويتجرع قلة الحيلة في عقر داره. الوطن ليس مساحة تُعرض للبيع لمن يدفع أكثر، بل هو المظلة التي يجب أن توفر الحياة الكريمة لأصحابها.

بركان الغضب وسُنة الله في المترفين.،

إن هذا الاستفزاز الممنهج لا يمر مرور الكرام، بل قد يكون هو المحرك الأساسي لبركان غاضب يتعبأ في الصدور وقد يتفجر في أي لحظة. عندما يشعر الأغلبية بأنهم خارج الحسابات، وأن مواردهم تُهدر لإسعاد فئة قليلة، فإن حالة الاحتقان تقترب من حافة الخطر.

وهو أمر حذرنا منه الخالق عز وجل في سننه الكونية؛ حيث ارتبط انهيار المجتمعات وهلاك الأمم بطغيان طبقة المترفين واستفزازهم لعموم الناس، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. إنها صرخة تحذير إلهية من أن تمكين المترفين وتجاهل آلام الناس هو أقصر الطرق لدمار العمران.

قد تضيف هذه المشاريع التريليونية أبراجاً جديدة ومبهرة، ولكنها في السياق الوطني العام تمثل امتداداً لسياسة الاستثمار في الأسمنت على حساب الإنسان. التقدم الحقيقي للأمم لا يُقاس بارتفاع الأبراج التي لن يدخلها المواطن العادي، بل بجودة المدرسة التي يتعلم فيها، وكفاءة المستشفى التي تعالجه، وقدرة المصانع على توفير فرص عمل حقيقية تنتشل المجتمع من الفقر وتحفظ للمواطنين كرامتهم على أرضهم.
--------------------------------------
بقلم: عز الدين الهوارى


مقالات اخرى للكاتب

​تريليونات الأسمنت قراءة في الخلل المتعمد واستفزاز الجوعى