حين قررتُ السفرَ إلى العاصمة؛ تلبية لإلحاح صديقي في إنجاز مطلبه بالنقل من محافظة لأخرى، تحدثتُ مع الكثيرين ممن لهم باع في التعامل مع هذه الجهات العليا، وبالفعل طلب مني أحدهم السفر للعاصمة والذهاب لمبنى الوزارة، والسؤال عن مكتب فلان، فهو مستشار كبير، ومسؤول ذو قيمة في الوزارة، وإذا وعد بتنفيذ شيء فإنه ينفذ ما وعد به.
ارتديتُ بدلةً كاملةً، واهتممتُ بوضع عطر مناسب لزيارات الصباح، وحين وصلت العاصمة قررت أن أستقل الأتوبيس المكيف رغم ارتفاع ثمن تذكرته، فالتكييف مناسب للبدلة؛ لئلا يتعرق جسدي، ويضيع أثر العطر في روائح العرق الكريهة، وحين اقتربت من المبنى الفخم، قررت أن أنتظر قليلاً قبل الهجوم على المبنى؛ كي أسترد أنفاسي من السفر، وكنت قد تناولت فطوري فجراً، واقتصر الفطور على اللبن والتمر فقط، وقبلهما ملعقة عسل أبيض، وبين العسل واللبن موز، وحسبت أن هذا ضروري للحياة حتى نهاية الزيارة للوزارة، ثم بعدها أتخفف من رابطة العنق التي تخنقني، وربما أتخلص من الجاكيت هو الآخر، وأهجم على عربة فول في الشارع كوحشٍ كاسرٍ ذي أنياب.
تصورتُ أنني سأشم في أروقة الوزارة عطورا شتى، وسأجد مشقة في دخول الوزارة أو الصعود إلى الطابق الثالث للقاء ذوي النفوذ، لكني فوجئت أنه لا يكاد يوجد خفير نظامي يقف على بوابات الوزارة، فقط استعلامات في مواجهة الداخل؛ ليوجه السائلين إلى بغيتهم، ثم تداركت أمري وتذكرت أنها وزارة خدمية وليست سياسية، فعلامَ يقف الأمن؟
حين وصلتُ بيسرٍ وسهولةٍ إلى مكتب سيادة المستشار كان كل من لقيتهم في رحلتي إلى مكتبه ذكورا، ضربت الباب بيدي ضربة خفيفة فسمعت صوتاً يأمرني بالدخول، كنت أنتظر طابوراً من السكرتارية يسألونني عن سبب الزيارة وهل هناك موعد أم لا، وخلاف ذلك مما نشاهده ونسمع عنه ونراه كثيراً، لكني فوجئت بعدد من المكاتب المتلاصقة والمتواجهة تصنع مستطيلاً ذا ثلاثة أضلاع، وبينها مسافات صغيرة تسمح بمرور شخص واحد بالجنب.
رأيت بعض المكاتب شاغرة وبعضها يجلس أمامه بعض المستشارين.
تنحنحت وسألت: هذه حجرة مستشاري اللغة العربية؟
رد أحدهم قائلاً: نعم.. أي خدمة؟
قلت: أنا جئت للقاء سيادة المستشار محمد شخصياً.
سمعتُ صوتاً في آخر الحجرة يناديني: تفضل، أهلاً وسهلاً، أنا المستشار محمد، تفضل اجلس هنا، أي خدمة.
توجهت ناحيته، كدت أسأله هل أنت سيادة المستشار محمد، المستشار الأول للغة العربية في عموم الوزارة؟
إلا أني أحجمت عن السؤال، فهذه حجرة السادة مستشاري اللغة العربية، وأنا واثق أنني في مبنى الوزارة الرئيس الكائن في عاصمة الدولة، ولكن مَن أراه أمامي لا يشير إلى هذا مطلقاً، رجل يرتدي تي شيرت الذي كان الموظفون الصغار يرتدونه في الأرياف في الثمانينيات، وعلى عينيه نظارة تشبه نظارة فؤاد المهندس لم تعرف التطور والتقدم التقني في صناعة النظارات مهما كانت درجة الإبصار عنده.
ثم إن شعره أكرت لا يضع عليه أي شيء، ولون ملابسه باهت، وقديمة، وأنا الذي كنت أخشى من رائحة العرق، وأسكبت الكثير من العطر قبل دخولي المبنى، وقبيل دخولي الحجرة، الرجل رثَّ الثياب، والمكاتب قديمة قدم المبنى، بل إنَّ هؤلاء المستشارين الأجلاء يبدون لي وقد خرجوا من فترة الخمسينيات إلى هذا الزمن مباشرة، أغلبهم ذوي كروش أو ملابس رثة ولغتهم قديمة، وكلٌ مشغول في أوراق أمامه، ولا أحد يهتم بهذا الضيف القادم من بعيد لينظر إلى عاصمة البلاد وموظفيها المرموقين الذين يفاجئون المحافظات بزيارات ميدانية ترفع وتخفض الكثير من الموظفين.
حين جلستُ أمامه بعد أن استوعبت الموقف كله قلت لسيادته: أنا كنت تحدثت مع الأستاذ عصام من جريدة..
قاطعني: نعم.. نعم، أظن كان الموضوع نقل موظف من مطروح إلى كفر الشيخ؟
قلت له: بالضبط.
أجاب وهو يترك ما بيده كلية ليتفرغ لي: لقد أعطاني بياناته أول أمس وسجلتها وأوصيتُ عليه كي يدرج اسمه في حركة التنقلات القادمة، حضرتك تشرب شاياً؟
لم أجد رداً، فالرجل يتحدث عن نقل صديقي من محافظة نائية وهي في حاجة ماسة للمعلمين إلى محافظة مكتظة بالموظفين بمنتهى السهولة واليسر، كان يجب محاكمة هذا الرجل لا شكره، كنت أتوقع أن يحدثني عن صعوبة الأمر وربما استحالته في ضوء الظروف المعروفة، حقاً، كما أخبرني صديقي الصحفي، الموظفون في دواوين الوزارات أفيال تنظر لبقية الموظفين نظرة الفيل للنملة.
فكم من أمر عظيم ومحال لدى الموظف النملة يحتقره الموظف الفيل، نعم، نحن نمل، وهؤلاء أفيال، رغم مظهرهم المريب والغريب، بل هو مظهر متحفي، ديوان الوزارة هو متحف لا ديوان وزارة، وهؤلاء الموظفون يمثلون دواوين الحكومة أيام العقد الثالث من القرن العشرين.
لما لم أرد على سؤاله بخصوص الشاي، قام الرجل منتصباً، وأقفل ما بيده من ملفات، ووضعها على مجموعة أخرى كبيرة، وأفرغ أمامه على المكتب، ثم فتح درجاً جانبياً وأخرج منه كوبين زجاجيين فارغين، ثم أخرج برطمانين، في أحدهما شاي وفي الآخر بقايا سكر، وضع الشاي أولاً على غير المعتاد، ثم وجد برطمان السكر فارغاً، فبدت الدهشة على ملامح وجهه، وسأل بصوتٍ عالٍ: كيف انتهى السكر من البرطمان وأمس لم أكن موجوداً في المكتب؟
انتظر قليلاً ثم أجاب أحد الزملاء: بحثنا أمس عن السكر فلم نجد إلا في مكتبك وكان عندنا ضيوف كثر.
امتعض الرجل ونظر إليهم نظرة قاسية، ثم قال: هذه ليست وسية، وسكري ليس مشاعاً، ثم علا صوته على غير ما كنت أتوقع فقال: هذا الأمر تكرر أكثر من مرة، ووالله لو تكرر مرة أخرى ليكونن لي موقف عنيف من الجميع.
كانت أعصابه مشدودة وقد تفصد العرق من جبهته ما ينذر بغضب عنيف، كدت أتدخل وأقول له: لا أريد شاياً فيكفيني قضاء طلبي.
إلا أن أحد الزملاء قال: إنك تنسى أنك أكثر من يستلف منا تلقيمة شاي، فكيف تمنعنا أن نستلف منك بعض ملاعق السكر؟
زاد غضب المستشار الأول للغة العربية في الوزارة على عموم الدولة وقال: الشاي سهل الإعارة، خلاف السكر، فلو فرغ برطمان الشاي يمكنك عمل ينسون أو حلبة أو كركديه، أما لو فرغ برطمان السكر، فكيف نصنع شيئاً نحتسيه؟
كانت حجته قوية وقاطعة، رغم تدلي كرشه أمامه، ولولا أني أعلم أن هؤلاء الناس لهم نفوذ في الوزارة لوسعتهم ضرباً، من غيظي مما يفعلون.
قام الرجل، واتجه إلى مكاتب الزملاء وقام بتفتيش المكاتب جميعاً، وأخرج برطمانات السكر، وكانت كلها فارغة أكثر من خمسة برطمانات فارغة، إنَّ ما يحدث في هذه الحجرة كارثيٌ بالنسبة لي، ولم أستطع فعل شيء، كانت العيون متقدة والجباه متعرقة والجميع يكاد يضرب الجميع، وبدأت رحلة البحث عن عدة ملاعق من السكر لصناعة كوبين من الشاي، ولما تأزم الموقف، خرج أحدهم قائلاً: نستلف من مستشاري اللغة الإنجليزية، فهم يستلفون منا كل مدة.
وبعد قليل عاد الزميل بخفي حنين قائلاً: لا يملكون من السكر حبة واحدة ويزعمون أنهم يحتسون الشاي بلا حبة سكر واحدة، ويحتسونه مراً علقماً.
قال المستشار محمد: كيف يحدث ذلك؟
تخلو مكاتبنا كلها من السكر.
تدخل أحد الزملاء: لقد سئمنا من هذا الأمر، قلت ألف مرة نجمع مبلغاً من المال أول كل شهر ونشتري به المخزون الضروري، الجميع يدفع نفس المبلغ، لكنكم فضلتم أن يشتري كل واحد ما يريده بحجة أن البعض يسافر كثيراً، ويخشى أن يستهلك الزملاء حصته من المخزون، وهذه هي النتيجة، صرنا كلنا متسولين، ولا نجد من يعطينا شيئاً، لأن رائحة البخل عندنا فاحت، حتى غلبنا اليهود.
قال المستشار محمد: وهل تريد أن نعود للفوضى مرة أخرى، بل يظل الاستقلال التام أفضل من التعاون الذي يعتمد على احتلال البعض لنصيب الآخرين.
لاحت فرصة هدوء في الحجرة، فقلت: سيادة المستشار محمد، أريد أن أخبرك أنني قاطعت السكر منذ عدة سنوات، ومنذ عدة أشهر قاطعت الشاي والقهوة، ويمرُّ بي الأسبوع والأسبوعان دون أن أحتسي أي شيء، نحن أمة تستهلك الأشياء التي لا ننتجها بكثرة عما ننتجه، فبلادنا لا تزرع الشاي ولا تزرع البن، ونستورد نصف حاجتنا من السكر.
نظر إليَّ نظرة الطبيب إلى المجنون الذي يريد أن يقنع طبيبه بعقله، ثم قال: يعني تشرب الشاي مر، أم أقلعت عنه تماما؟
قلت: بل أقلعت عنه تماماً.
فقال: أرحتني؛ فقد كنت أنتوي شراء نصف كيلو سكر اليوم لأجل الترحيب بك.
قلت: وهل يوجد نصف كيلو عند البقالين؟
قال: لا.. كنت سأشترك مع زميل من الكرماء ونشتري كيلو سكر كامل ونقسمه.
لاح أمامي موقفهما وهما يقتسمان السكر وكيف يقبل كل واحد منهما نصيبه دون أن يكون مغلوباً من صاحبه.
شعرت أنني حللت أزمة صناعة كوب الشاي، فشكرت الجميع ثم خرجت إلى الفضاء الواسع.
وتذكرت قول صديقي الذي يعيش في ألمانيا حين قال لي حين أزور مصر أسبوعين يزداد وزني خمسة كيلوات؛ لأن المصريين يجعلون الطعام في كل مكان، وتتسرب الروائح للمارة فتجبرهم على المزيد من الطعام خلاف بقية دول العالم.
ونزلت من الوزارة، فدخلت أول مقهى قابلني، وطلبت براد شاي بالنعناع، وطلبت السكر خارج البراد؛ كي أضع منه ما أشاء بعيداً عن السادة المسؤولين العظام.
-----------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش






