22 - 04 - 2026

الشرق الأوسط: نحو تفكيك بنية الصراع وإعادة بناء المعنى

الشرق الأوسط: نحو تفكيك بنية الصراع وإعادة بناء المعنى

ليست أزمة الشرق الأوسط مجرد تعاقب زمني لحروب متفرقة يمكن تفسيرها بمنطق اللحظة، أو احتواءها عبر تسويات ظرفية تعيد توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة؛ بل هي في عمقها البنيوي، تعبير عن خلل تأسيسي أصيل رافق نشأة الدولة الحديثة في هذه المنطقة، ذلك أن ما جرى لم يكن تطورًا تاريخيًا طبيعياً نابعًا من تفاعل المجتمع مع ذاته، بل كان تأسيسًا معكوسًا، تقدمت فيه الدولة بوصفها بنية سلطوية جاهزة على المجتمع، قبل أن تتشكل الشروط الإنسانية والاجتماعية التي تمنحها معناها وشرعيتها، وفُرضت الحدود كوقائع جغرافية صلبة، بينما بقيت الإرادة الجمعية لشعوب المنطقة مُعلّقة، لم تُتح لها فرصة أن تعيد تعريف ذاتها أو أن تشارك في صياغة مصيرها.

ومن هنا، فإن فهم الحاضر لا يستقيم إذا اقتصر على قراءة الوقائع الراهنة بمعزل عن جذورها، لأن ما نشهده اليوم ليس إلا امتدادًا تاريخيًا لتلك اللحظة التأسيسية المضطربة، التي لم تُحسم تناقضاتها، بل جرى ترحيلها من جيل إلى آخر، فلقد حملت تلك اللحظة في طياتها بذور صراع كامنة، لا بوصفها احتمالات عابرة، بل كديناميات عميقة تنتظر شروط تفجرها، ولذلك فإن مقاربة أزمات الشرق الأوسط تقتضي تفكيك هذا الإرث التأسيسي، والكشف عن البنية التي أعادت إنتاج الأزمات بصورة دورية، حيث يتكرر الصراع بأشكال مختلفة، بينما يظل جوهره ثابتًا: غياب التوافق بين الدولة بوصفها إطارًا سياديًا، والمجتمع بوصفه مصدرًا للمعنى والشرعية.

فلم يكن تشكُّل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط حدثًا تاريخيًا محايدًا أو نتيجة مسار طبيعي لتطور المجتمعات، بل جاء كاستجابة لميزان قوى دولي أعاد رسم العالم عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث تولَّت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى مهمة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، لا وفقًا لحاجات شعوبها أو دينامياتها الداخلية، وفي قلب هذه اللحظة، يتكشف سؤال مقلق لم يُطرح آنذاك بقدر ما تم تجاهله عمدًا: هل كان الهدف هو بناء دول قابلة للحياة، تمتلك شروط الاستقرار والشرعية، أم مجرد إنشاء كيانات قابلة للإدارة والتحكم؟ بل، أي نوع من الدول يمكن أن ينشأ حين يُختزل المجتمع إلى موضوع للضبط، لا فاعل في التأسيس؟ وأي معنى للسيادة حين تُولد الدولة محمولة على إرادة خارجية، لا على تعاقد داخلي؟

فإن ما جرى لم يكن تأسيسًا بقدر ما كان فرضًا، ولم يكن بناءً بقدر ما كان تركيبًا فوقيًا لكيانات سياسية منفصلة عن سياقاتها الاجتماعية، حيث سُبقت الدولة إلى الوجود قبل أن تتشكل الأمة، ورُسمت الحدود قبل أن تتبلور الهوية، وكأن التاريخ قد انقلب على منطقه المعتاد، فهل يمكن لكيان سياسي أن يكتسب شرعيته من الخارج ثم يطالب بالاعتراف من الداخل؟ وهل تستطيع الدولة أن تتحول إلى إطار جامع بينما لم تُتح للمجتمع فرصة أن يكون شريكًا في ولادتها؟ أم أن هذا الانفصال الأولي بين السلطة والمجتمع قد زرع في بنية المنطقة توترًا دائمًا، يتجدد مع كل أزمة ويعيد إنتاج نفسه في صور مختلفة من الصراع؟ هكذا يبدو أن التأسيس ذاته لم يكن مجرد بداية، بل كان لحظة مشبعة بالتناقضات، لحظة لم تُغلق أسئلتها، بل تركتها مفتوحة على تاريخ طويل من القلق وعدم الاستقرار.

وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الدولة في الشرق الأوسط بوصفها ثمرة تدرّج تاريخي نابع من تحولات المجتمع وتفاعلاته الداخلية، كما هو الحال في التجربة الأوروبية، بل تبدو أقرب إلى بناء فوقي هبط على الواقع الاجتماعي مكتمل الشكل، لكنه منقوص الروح، فقد جاءت الدولة هنا سابقة على شروطها، ومفروضة قبل أن تنضج البيئة التي تمنحها معناها، الأمر الذي أفضى إلى قطيعة خفية لكنها عميقة بين السلطة والمجتمع

ومن ثمة يبرز سؤال مقلق: كيف يمكن لكيان سياسي أن يطالب بالولاء وهو لم يولد من رحم الجماعة؟ وكيف يُنتظر من مجتمع أن يرى في الدولة مرآة لذاته، بينما لم يُتح له أن يشارك في صياغة ملامحها؟

وفي هذا السياق، لا يعود الانفصال بين السلطة والمجتمع مجرد خلل عابر، بل يتحول إلى بنية قائمة بذاتها، تعيد إنتاج نفسها عبر الزمن، فالدولة وهي تسعى إلى تثبيت وجودها، تجد نفسها محرومة من سند اجتماعي عميق يمنحها الشرعية والاستمرارية، فتضطر إلى تعويض هذا النقص بأدوات السيطرة والضبط، وفي المقابل يقف المجتمع في موقع العجز، لا لأنه يفتقر إلى الحيوية أو القدرة، بل لأنه حُرم تاريخيًا من فرصة أن يطوّر آلياته الخاصة لإنتاج سلطة تعبّر عنه، وهنا يتجسد التناقض في أوضح صوره: سلطة قوية في أدواتها، لكنها هشة في شرعيتها، ومجتمع حيّ في إمكاناته، لكنه معطل في قدرته على التمثيل.

أليس هذا التوتر هو ما يفسر تكرار الأزمات، حيث لا تستطيع الدولة أن تستقر لأنها لم تتجذر، ولا يستطيع المجتمع أن يتمرد بفاعلية لأنه لم يكتمل كفاعل سياسي؟ أم أن هذه العلاقة المختلة بين الطرفين قد خلقت دائرة مغلقة، كلما حاول أحدهما كسرها أعاد إنتاجها من جديد؟ هكذا يبدو أن المشكلة لم تكن يومًا في ضعف الدولة أو في تخلف المجتمع، بل في غياب اللحظة التي يلتقي فيها الاثنان على أرضية مشتركة تؤسس لمعنى حقيقي للسيادة والانتماء.

ومن هنا تبرز أولى العقد البنيوية التي لا تزال تحكم مسار المنطقة حتى اللحظة الراهنة، وهي ما يمكن تسميته بأزمة الشرعية التأسيسية، تلك الأزمة التي لم تكن عارضًا تاريخيًا قابلاً للتجاوز، بل تحولت إلى سمة كامنة في بنية الدولة ذاتها، إذ لم تنشأ الدولة على قاعدة تعاقدية تعكس إرادة الجماعة، ولم تتأسس عبر مسار يمنحها الاعتراف التدريجي من المجتمع، بل وُلدت وهي تحمل في داخلها فراغًا في المعنى، فجاءت شرعيتها مبتورة منذ اللحظة الأولى، غير أن الأخطر لم يكن في نشأة هذه الأزمة، بل في الطريقة التي جرى التعامل بها معها لاحقًا، حيث لم يُسعَ إلى معالجتها عبر توسيع المشاركة أو إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، بل جرى الالتفاف عليها وإعادة إنتاجها من خلال أنماط حكم استبدادية أعادت تعريف وظيفة الدولة نفسها. 

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ماذا يحدث حين تتحول الدولة من كيان يُفترض أن يمثل المجتمع إلى جهاز يراقبه ويضبطه؟ وأي معنى يبقى لفكرة السيادة حين تُختزل في قدرة السلطة على السيطرة لا في قدرتها على التعبير؟ لقد جرى، عبر عقود، تحويل الدولة إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون إطارًا للتمثيل، وأصبح الحفاظ على النظام بديلاً عن تحقيق المعنى، والاستقرار الشكلي بديلاً عن الشرعية الحقيقية، وهكذا لم تُحل أزمة الشرعية، بل تم ترحيلها من جيل إلى آخر، حيث أعادت كل سلطة إنتاجها بصيغة جديدة، وكأن التاريخ يدور في حلقة مغلقة، تتغير فيها الوجوه وتبقى البنية على حالها.

أليس هذا ما يفسر ذلك التوتر الدائم الذي يطفو على السطح مع كل أزمة، حيث تبدو الدولة قوية في حضورها، لكنها قلقة في عمقها، ويبدو المجتمع خاضعًا في ظاهره، لكنه متحفز في باطنه؟ أم أن هذا الاختلال المستمر هو نتيجة حتمية لتأسيس لم يُنجز، وشرعية لم تُبْنَ، وعلاقة لم تُحسم بين السلطة ومن يفترض أنها تمثلهم؟ هكذا تتكشف أزمة الشرعية لا كفكرة نظرية مجردة، بل كواقع حيّ يعيد تشكيل السياسة والمجتمع، ويحدد إلى حد بعيد ملامح الحاضر وآفاق المستقبل.

وفي قلب اللحظة التأسيسية يتكشف تناقض أكثر عمقًا وإثارة للقلق، يمكن وصفه بمفارقة الاعتراف والإنكار، حيث لا يتعلق الأمر فقط بكيفية نشوء الكيانات السياسية، بل بمن يُمنح حق الوجود ومن يُحرم منه، بمن تُعترف هويته وتُشرعن، ومن تُدفع هويته إلى هامش التاريخ وكأنها لم تكن، فلقد حكمت عملية تشكيل المنطقة معايير مزدوجة لا تستند إلى منطق أخلاقي أو تاريخي متماسك، بل إلى حسابات القوة وإرادة الهيمنة، فتم الاعتراف بمشروع قومي حديث لليهود ومنحه الإطار السياسي والدولي الذي يضمن تحققه، في حين جرى في المقابل تجاهل، بل وإنكار، حقوق جماعات تاريخية متجذرة في جغرافيا المنطقة، كالأكراد، في أن يكون لهم كيان يعبر عن وجودهم وتاريخهم.

وهنا تبرز أسئلة لا يمكن القفز فوقها: بأي معيار تُمنح هوية حقها في التحقق السياسي بينما تُحرم أخرى من مجرد الاعتراف؟ وهل يكفي أن تتوافر إرادة دولية حتى تتحول فكرة إلى دولة، بينما يُترك تاريخ طويل من الوجود الاجتماعي والثقافي دون ترجمة سياسية؟ أم أن المسألة لم تكن يومًا مسألة حقوق، بل مسألة قوة تُعيد تعريف ما هو مشروع وما هو ممكن؟

إن هذه الازدواجية لم تخلق فقط شعورًا بالظلم، بل أسست لبنية من اللا عدالة العميقة، حيث لم يعد الصراع مجرد نزاع على الأرض أو السلطة، بل أصبح صراعًا على الوجود ذاته، على الحق في أن تُرى وأن تُسمع وأن يُعترف بك كفاعل في التاريخ، وفي ظل هذا التناقض، تبدو المنطقة وكأنها تعيش انقسامًا داخليًا دائمًا بين هويات مُعترف بها تفرض حضورها، وأخرى مُقصاة تسعى لإثبات ذاتها، وهو انقسام لا يمكن أن يستقر أو يُحسم بسهولة، لأنه ليس طارئًا، بل مغروس في أصل التكوين.

أفلا يقودنا ذلك إلى التساؤل عما إذا كان هذا الخلل في الاعتراف هو ما يغذي الصراعات المستمرة ويمنحها طابعها الوجودي الحاد؟ أم أن تجاهل هذه المفارقة هو في حد ذاته إعادة إنتاج لها، بما يجعل كل محاولة للحل مجرد تأجيل لصراع لم يُحسم بعد؟ وهكذا تتحول مفارقة الاعتراف والإنكار من تفصيل تاريخي إلى مفتاح لفهم مأزق المنطقة، حيث لايزال سؤالا لعدالة معلقًا، لا يبحث فقط عن إجابة، بل عن اعتراف أولي بوجوده.

ولم تكن هذه المفارقة مجرد انحراف عابر في مسار السياسة الدولية يمكن عزوه إلى خطأ في التقدير أو ظرف تاريخي استثنائي، بل تكشف عن خلل أعمق متجذر في البنية الفكرية والأخلاقية التي قام عليها النظام الدولي الحديث نفسه، فالمسألة هنا لا تتعلق بقرارات منفصلة، بل بمنطق انتقائي يعيد تعريف الشرعية وفق ميزان القوة لا وفق معيار العدالة، حيث يُمنح الاعتراف لمشروع حديث النشأة قائم على الهجرة والاستيطان، ويُضفى عليه غطاء قانوني وسياسي كامل، في الوقت الذي يُحجب فيه هذا الاعتراف عن هوية قومية تشكلت عبر قرون داخل جغرافيتها الطبيعية، وكأن التاريخ الطويل لا يكفي ليمنحها حق الوجود السياسي.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لنظام دولي يدَّعي تأسيسه على مبادئ القانون والحق أن يمارس هذا القدر من الانتقائية دون أن يقوض أسسه من الداخل؟ وهل يمكن للشرعية أن تظل ذات معنى إذا كانت تُمنح وتُسحب وفق اعتبارات القوة لا وفق منطق الإنصاف؟ أم أن ما نواجهه ليس ازدواجية في التطبيق فحسب، بل بنية فكرية ترى العالم من منظور قابل للتقسيم إلى مستحقين للاعتراف وغير مستحقين له؟

إن النتائج التي ترتبت على هذا الخلل لم تقتصر على إشعال نزاعات آنية، بل أسست لنمط ممتد من اللاعدالة الهيكلية، حيث لم تعد بعض القضايا قابلة للحل ضمن الأطر التقليدية، لأنها تحولت إلى أزمات مزمنة يُعاد إنتاجها باستمرار، ولم يعد الهدف إنهاء الصراع، بل ضبط إيقاعه، إدارته ضمن حدود معينة تضمن استمراره دون أن ينفجر بشكل يهدد التوازنات الكبرى، وهكذا تتحول المأساة إلى حالة دائمة، وتصبح المعاناة جزءًا من نظام التشغيل ذاته، لا خللًا طارئًا فيه.

أليس هذا ما يفسر ذلك الإحساس العميق بأن بعض الصراعات في المنطقة لا تتحرك نحو الحل، بل تدور في حلقة مغلقة من التصعيد والاحتواء؟ أم أن هذه الديمومة ليست نتيجة العجز عن الحل، بل تعبير عن إرادة ضمنية في إبقاء الأمور على حالها؟ هكذا يبدو أن اللا عدالة لم تعد عرضًا جانبيًا، بل أصبحت بنية قائمة بذاتها، تُنتج الأزمات وتعيد تدويرها، في نظام لا يكتفي بصناعة الصراع، بل يتغذى على استمراره. 

ومع صعود الدولة الوطنية في سياقها الشرق أوسطي، تبلور نمط ضمني من العلاقة بين السلطة والمجتمع يمكن فهمه بوصفه مقايضة غير مكتوبة، قوامها وعد بالاستقرار وتوفير الحد الأدنى من الخدمات مقابل الحد من المشاركة السياسية وكبح مطالب الحرية، وبدا هذا الترتيب، في لحظة معينة، وكأنه صيغة قابلة للحياة، إذ وفر نوعًا من التوازن الهش بين حاجات المجتمع وأولويات السلطة، غير أن هذا التوازن كان يخفي في داخله تناقضًا جوهريًا، لأنه قام على افتراض يصعب الدفاع عنه نظريًا وعمليًا، وهو إمكانية فصل مسار التنمية عن مسار المشاركة، وكأن الإنسان يمكن أن يُختزل في بعده الاقتصادي دون أن يطالب بحقه في أن يكون فاعلًا في المجال العام.

ومع التحولات الاقتصادية العالمية، وتآكل نماذج دولة الرفاه، وتزايد الضغوط المرتبطة بالعولمة وإعادة هيكلة الاقتصاد، بدأ هذا البناء في التفكك تدريجيًا، ولم تعد الدولة قادرة على الوفاء بوعدها القديم، لكنها في الوقت نفسه لم تفتح المجال أمام إعادة صياغة العلاقة مع المجتمع على أسس جديدة، وهنا يظهر السؤال الذي ظل مؤجلًا: ماذا يحدث حين تتخلى الدولة عن دورها كراعٍ اجتماعي دون أن تتحول إلى إطار تمثيلي حقيقي؟ وأي صورة تتخذها حين تتحول من ضامن للاستقرار إلى طرف في الصراع ذاته؟

في هذه اللحظة، لم يعد المواطن يرى في الدولة امتدادًا لإرادته أو تعبيرًا عن مصالحه، بل بات يتعامل معها كقوة مفروضة عليه من خارج معناه الاجتماعي، وهكذا تتسع الفجوة، ويتحول الاحتقان الكامن إلى طاقة قابلة للانفجار، حيث لا تعود المطالب مقتصرة على إصلاح السياسات أو تحسين الأداء، بل تمتد لتطال أساس العلاقة نفسها، بل وأصل النظام الذي أنتجها، أليس هذا ما يفسر التحول من احتجاجات مطلبية محدودة إلى موجات انفجار واسعة تعيد طرح السؤال من جذوره: من يحكم؟ ولماذا؟ وبأي شرعية؟ أم أن ما نشهده هو لحظة انكشاف تاريخي، سقطت فيها أوهام المقايضة، ووجدت الدولة نفسها في مواجهة مجتمع لم يعد مستعدًا للقبول بدور المتلقي الصامت؟

وهكذا تتجلى أزمة العقد الاجتماعي لا كاختلال إداري أو اقتصادي فحسب، بل كقطيعة تاريخية عميقة بين الدولة والمجتمع، قطيعة تعيد صياغة الصراع في المنطقة، وتفتح الباب أمام احتمالات تتجاوز الإصلاح إلى إعادة التأسيس.

فلم تعد أزمات الشرق الأوسط تُفهم بوصفها تعبيرًا عن اختلالات داخلية محضة، يمكن ردَّها إلى تناقضات محلية أو إخفاقات وطنية فحسب، بل أضحت جزءًا لا يتجزأ من نسيج أوسع تتداخل فيه اعتبارات القوة العالمية، بحيث باتت المنطقة نفسها مكونًا وظيفيًا في بنية النظام الدولي، وفي هذا السياق، لا تنظر القوى الكبرى إلى الشرق الأوسط باعتباره كيانًا ينبغي أن يبلغ حالة من الاستقرار المستدام، بقدر ما تتعامل معه كساحة مفتوحة لإدارة التوازنات، ومجالًا ديناميكيًا لإعادة توزيع النفوذ، وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل المقصود حقًا هو إنهاء الصراعات، أم الإبقاء عليها في حالة سيولة محسوبة تضمن استمرار القدرة على التحكم؟

فإن التحول الذي طرأ على طبيعة التدخل الدولي يكشف عن انتقال خفي لكنه بالغ الأثر، حيث لم يعد الهدف هو تسوية النزاعات جذريًا، بل ضبط إيقاعها، والانتقال بها من حالة الانفجار الكامل إلى حالة الاحتراق البطيء، ولم تعد الاستراتيجيات الكبرى تنشد استقرارًا حقيقيًا بقدر ما تسعى إلى إنتاج نوع من "توازن الفوضى"، حيث تبقى الصراعات قائمة، ولكن ضمن حدود لا تهدد النظام الدولي نفسه، بل تغذيه وتمنحه مبررات التدخل والاستمرار، وفي ظل هذا المنطق، تتحول الأزمات من مشكلات يجب حلها إلى أدوات يمكن استثمارها، وتصبح الحروب بشكل متناقض جزءًا من آليات الضبط لا من مظاهر الانفلات.

وهنا يتعمق التساؤل: ماذا يعني أن تتحول معاناة الشعوب إلى متغير في معادلات القوة الدولية؟ وأي أفق يمكن أن ينفتح لمنطقة تُدار أزماتها بدل أن تُحل؟ أليس في هذا النمط من التدخل إعادة إنتاج دائمة لحالة التبعية، حيث تظل الدول عالقة في موقع المتلقي للقرارات لا صانعها؟ أم أن هذا الواقع يعكس منطقًا أعمق، يرى في استمرار الهشاشة شرطًا لاستمرار الهيمنة؟

وبهذا المعنى، لا يعود تدويل الصراع مجرد تدخل خارجي في شئون داخلية، بل يصبح إطارًا حاكمًا يعيد تشكيل طبيعة الصراع ذاته، ويحدد سقوفه وحدوده، بحيث تظل المنطقة في حالة توتر دائم، لا تنزلق إلى الفوضى الكاملة، ولا تبلغ الاستقرار الحقيقي، بل تبقى معلقة في منطقة رمادية، حيث يُدار الصراع بوصفه ضرورة، لا يُسعى إلى إنهائه، بل إلى ضمان استمراره بالشكل الذي يخدم توازنات القوة القائمة.

وفي اللحظة الراهنة يتكشف تحول بالغ الدلالة في طبيعة الصراع، تحول ينقل مركز الثقل من استهداف الأنظمة السياسية إلى استهداف المجتمعات ذاتها، وكأن الصراع لم يعد يدور حول من يحكم، بل حول من يملك الحق في الوجود والتأثير، ولم تعد المواجهة محصورة في حدود السلطة كجهاز سياسي يمكن تغييره أو الضغط عليه، بل امتدت لتطال البنية الاجتماعية بكل مكوناتها، بحيث يصبح المجتمع نفسه ساحة وهدفًا في آن واحد، وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: ماذا يعني أن تتحول الشعوب من موضوع للحكم إلى موضوع للعقاب؟ وأي منطق هذا الذي يعاقب الكتلة الحية بدل أن يواجه النخبة الحاكمة؟

إن تجليات هذا التحول لا تخطئها العين، حيث تتخذ الحروب طابعًا يستنزف المدنيين بشكل مباشر، فلا تعود خطوط التماس واضحة بين المقاتل وغير المقاتل، وتتحول الحياة اليومية إلى ساحة تهديد دائم، وفي الوقت نفسه، تُستخدم أدوات اقتصادية تبدو في ظاهرها تقنية ومحايدة، لكنها في عمقها تضرب البنية المجتمعية بأكملها، فتطال الفئات الأضعف قبل غيرها، وتعيد تشكيل شروط العيش نفسها، وإلى جانب ذلك، تظهر سياسات أكثر تعقيدًا وخطورة، تسعى إلى إعادة رسم الخريطة السكانية في بعض مناطق الصراع، بما يعيد تعريف من ينتمي ومن يُقصى، ومن يبقى ومن يُدفع إلى الرحيل.

غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن أزمة أعمق تتعلق بمكانة الشعوب في معادلة القوة، فحين تعجز الأنظمة الدولية والإقليمية عن استيعاب إرادة المجتمعات أو إدماجها ضمن توازناتها، لا تُنظر إلى هذه الإرادة بوصفها تعبيرًا مشروعًا عن حق في الفعل، بل يُعاد تعريفها كخطر يجب احتواؤه أو تحييده، وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل أصبحت إرادة الشعوب عبئًا على النظام الدولي بدل أن تكون أساسًا له؟ أم أن الخلل يكمن في نظام لا يستطيع أن يعترف بفاعلية خارج منطق السيطرة؟

وفي هذا السياق، لا يعود العنف مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع ذاته، لتطويعه أو تفكيكه أو إعادة إنتاجه في صورة أكثر قابلية للضبط، وهكذا تتجاوز الأزمة حدود السياسة إلى مستوى أعمق، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، بين المجتمع والنظام الدولي، في معادلة تبدو فيها الشعوب وكأنها تُدفع دفعًا إلى حافة الاختيار بين الخضوع أو الفناء، أليس في هذا ما يكشف عن مأزق تاريخي، لم يعد الصراع فيه حول من يملك السلطة، بل حول من يُسمح له بأن يكون فاعلًا في التاريخ؟

وعلى الرغم من قتامة المشهد وثقل التراكمات التاريخية التي تبدو وكأنها تغلق أفق التغيير، فإن الهامش - ذلك الفضاء الذي كثيرًا ما يُهمَّش في التحليل - يبدأ في إنتاج إشارات مغايرة، تجارب صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في دلالتها، تحاول أن تتجاوز الثنائية الخانقة التي طالما حكمت المنطقة بين دولة قمعية من جهة، وفوضى شاملة من جهة أخرى، هذه التجارب لا تقدم نفسها كبدائل مكتملة أو نماذج نهائية، بل كمساحات اختبار لفكرة مختلفة، فكرة تعيد طرح السؤال من جذوره: ماذا لو لم تكن الدولة هي نقطة البداية، بل نتيجة لفاعلية المجتمع ذاته؟

في هذا السياق، لا يعود مفهوم السيادة ثابتًا أو محتكرًا من قبل كيان مركزي صلب، بل يُعاد التفكير فيه بوصفه تعبيرًا عن قدرة المجتمع على تنظيم ذاته، وعلى إنتاج قواعده من الداخل، لا استيرادها من فوق، ويتحول شكل الحكم من بنية مغلقة تستمد قوتها من احتكار القرار، إلى أفق مفتوح يقوم على المشاركة والتعدد، حيث لا تُلغى الاختلافات بل تُدار، ولا يُنظر إلى التنوع كتهديد بل كإمكان، وهنا يبرز تساؤل بالغ العمق: هل يمكن أن تنشأ دولة لا تبدأ بالسيطرة، بل بالتوافق؟ دولة لا تُفرض على المجتمع، بل تنبثق منه؟

إن أهمية هذه المحاولات لا تكمن في مدى اكتمالها أو نجاحها في تجاوز كل التحديات، بل في قدرتها على زعزعة اليقين القديم الذي ربط الدولة بالهيمنة، والسيادة بالاحتكار، والاستقرار بالإخضاع، إنها تفتح نافذة فكرية قبل أن تكون سياسية، وتعيد الاعتبار لفكرة أن التاريخ لم يُغلق بعد، وأن ما يبدو حتميًا قد يكون في جوهره مجرد نمط قابل للتجاوز، أليس في بروز هذه النماذج ما يشير إلى أن المنطقة، رغم كل شيء، لم تفقد قدرتها على تخيل ذاتها بشكل مختلف؟ أم أن هذه البدايات، مهما بدت هشة، تحمل في طياتها إمكانية إعادة كتابة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر توازنًا وإنسانية؟

وفي ضوء هذا المسار التحليلي، لا تبدو أزمة الشرق الأوسط مجرد تراكب لعوامل تقليدية كالصراع على الموارد أو النزاع حول الحدود، بل تنكشف بوصفها أزمة أعمق تتعلق بتآكل المعنى واختلال الشرعية، أي أزمة تمس الأساس الرمزي الذي تقوم عليه الدولة ذاتها، فحين تُقرأ هذه التحولات في ضوء نظريات الصراع في العلاقات الدولية - من المقاربات الواقعية التي تربط السلوك الدولي بتوازنات القوة، إلى الرؤى البنيوية التي تركز على اختلالات النظام العالمي، وصولًا إلى تحليلات الهيمنة التي قدمها مفكرون مثل أنطونيو جرامشي - يتضح أن ما نشهده ليس مجرد صراع بين فاعلين، بل صراع على تعريف القواعد ذاتها التي تحكم هذا العالم.

ولقد أدى التأسيس القسري للدولة إلى خلق علاقة مشوهة بين السلطة والمجتمع، علاقة لا تقوم على التمثيل بقدر ما تقوم على السيطرة، وهو ما أعاد إنتاج حالة صراع كامنة تتحول إلى انفجارات دورية كلما اختل توازن القمع والاحتواء، ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم ما يُسمى بالمفارقات التاريخية - كالقضيتين الكردية والفلسطينية - بوصفها قضايا هامشية أو استثناءات، بل هي تعبير مكثف عن خلل بنيوي في النظام الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع مسألة الهوية مع منطق القوة، ويتحول الحق في تقرير المصير إلى متغير تابع لإرادة الفاعلين الأقوى.

وإذا ما استُحضرت أطروحات "إدارة الصراع" في الأدبيات الاستراتيجية، يتبين أن النظام الدولي لا يتحرك دائمًا نحو تسوية الأزمات، بل قد يسعى إلى إبقائها ضمن حالة توازن هش، بما يضمن استمرار قدرته على التأثير، وهنا لا يعود الصراع حالة يجب إنهاؤها، بل موردًا سياسيًا يمكن توظيفه، وهو ما يفسر ديمومة الأزمات وتحولها إلى بنية مستقرة في ظاهرها، متفجرة في جوهرها.

أما التحول الأبرز في اللحظة الراهنة، فيتمثل في انتقال مركز الصراع من مستوى الدولة إلى مستوى الشعوب، حيث لم تعد المواجهة تدور فقط حول من يسيطر على السلطة، بل حول من يملك الحق في إعادة تعريفها، وفي هذا السياق، تلتقي تحليلات "مجتمع المخاطر" التي طرحها أولريش بك مع واقع المنطقة، حيث تصبح المجتمعات نفسها موضوعًا للصراع، لا مجرد إطار له، وتتحول التهديدات من كونها خارجية إلى بنيوية تمس كيان المجتمع ذاته.

ورغم هذا التعقيد، تظل إمكانية التغيير قائمة، لكنها لم تعد رهينة بإصلاحات شكلية أو تسويات فوقية، بل مشروطة بقدرة المجتمعات على إنتاج نماذج حكم جديدة تنبع من داخلها، نماذج تعيد بناء العلاقة بين السلطة والمعنى، بين الدولة والإنسان، وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تستطيع المجتمعات، في ظل هذه القيود البنيوية، أن تتحول من موضوع للصراع إلى فاعل يعيد تشكيله؟ أم أن تجاوز الأزمة يتطلب أولًا تفكيك البنية التي أعادت إنتاجها عبر قرن كامل من التاريخ؟

ولعل المعضلة الأعمق التي تحكم مسار الشرق الأوسط لا تكمن فقط في تعقيد صراعاته أو تشابك مصالحه، بل في كونه لم يُتح له، عبر تاريخه الحديث، أن يتشكل وفق منطقه الذاتي، أن يختبر زمنه الخاص بعيدًا عن إكراهات الخارج وإسقاطاته، لقد كان في كثير من مراحله، مسرحًا تُعرض عليه مشاريع الآخرين أكثر مما كان فضاءً ينتج مشروعه الخاص، وكأن الجغرافيا فيه سبقت الوعي، أو فُرضت عليه قبل أن يمتلك القدرة على تأويلها، غير أن دروس التاريخ، حين تُقرأ بعمق، تكشف أن الأمم لا تُقاس فقط بما فُرض عليها، بل بقدرتها على تحويل القيد إلى سؤال، والسؤال إلى وعي، والوعي إلى فعل.

وفي هذا المعنى، قد لا تكون اللحظة الراهنة - بكل ما تحمله من عنف وتفكك وانكشاف - مجرد امتداد لأزمة مزمنة، بل لحظة انعطاف كامنة، لحظة يشتد فيها مكر الزمن ليُجبر المجتمعات على مواجهة ذاتها، فالتاريخ كما تُظهر تجاربه الكبرى، لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم، بل كثيرًا ما يتقدم عبر الانكسارات، حيث تتحول الأزمات إلى مرايا، تكشف ما كان مستترًا، وتدفع نحو إعادة التفكير في ما بدا يومًا بديهيًا، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن أن يكون هذا الخراب نفسه بداية إدراك جديد، لا يكتفي برفض الواقع، بل يسعى إلى إعادة تعريفه؟

إن التحرر، في هذا الأفق، لا يُختزل في إعادة رسم الحدود أو تبديل مواقع السلطة، لأن تلك كلها قد تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، بل يبدأ من إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والسلطة على أساس المعنى لا الإكراه، وبين المجتمع والدولة على قاعدة المشاركة لا الوصاية، وبين الجغرافيا والهوية بوصفها فضاءً للعيش المشترك لا ساحة للصراع، وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود التغيير مجرد احتمال سياسي، بل يتحول إلى تحول في الوعي ذاته، إلى انتقال من تلقي التاريخ إلى صناعته.

أفلا يعلمنا التاريخ أن أكثر اللحظات ظلمة كانت في كثير من الأحيان مقدمة لتحولات كبرى؟ أم أن المأزق الحقيقي لا يكمن في شدة الأزمات، بل في العجز عن قراءتها بوصفها إمكانًا للتجاوز؟ هكذا، فقط حين يستعيد الإنسان موقعه كفاعل، لا كموضوع، يمكن للشرق الأوسط أن يتحول من ساحة تُدار من الخارج إلى فضاء تاريخي حيّ ينبض من الداخل، حيث لا تكون الجغرافيا قدرًا مفروضًا، بل أفقًا مفتوحًا لإرادة تعي ذاتها وتعيد صياغة مصيرها.
----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

الشرق الأوسط: نحو تفكيك بنية الصراع وإعادة بناء المعنى