- زيادة شكلية في التمويل.. وانتقاص فعلي وتمييز في الحقوق ( المواد ٢٢ - ١١١ - ١٥٦ )
تقدمت الحكومة إلى مجلس الشيوخ بتعديلات على القانون رقم 148 لسنة 2019 بشأن التأمينات الاجتماعية والمعاشات ولائحته التنفيذية، في صورة توحي بتحسين أوضاع الهيئة ماليًا، بينما تحمل في جوهرها تأثيرات سلبية مباشرة على حقوق أصحاب المعاشات، بل وتُحدث تمييزًا واضحًا بينهم يجرى مناقشته الآن فى مجلس الشيوخ .
فعلى مستوى التمويل، تضمنت التعديلات زيادة القسط السنوي الذي تسدده وزارة المالية، ومد فترة السداد إلى 50 عامًا تبدأ من 1 يوليو 2025.
وهنا تبرز ملاحظة جوهرية:
إن مدة الخمسين عامًا كانت قد بدأت بالفعل منذ 1 يناير 2020 مع تطبيق القانون، وبالتالي فإن إعادة احتسابها من اول يوليو 2025 تعني عمليًا إهدار خمس سنوات سابقة وإطالة أمد السداد، وهو ما يثير تساؤلات حول العدالة في إدارة هذا الالتزام.
حيث حددت المادة ( ١١١ ) التزام الخزانة العامة بــ:
- سداد قسط سنوى متزايد بفائدة مركبة بدأت بنسبة (٥.٩ %) وتصل بموجب هذا التعديل إلى نسبة (٧ %) ، بينما تقترض الحكومة من البنوك التجارية بفائدة تتراوح بين (٢٤ % ، ٢٥%) .
أما الأخطر، فيكمن في تعديل الفقرة (2) من المادة (٢٢) الخاصة بحساب متوسط الأجر التأميني، حيث تم وضع حد أقصى لنسبة التضخم عند 15%، بعد أن كان يُحتسب وفقًا لمعدلات التضخم الفعلية دون سقف، ونفس الغرض من تعديل المادة ( ١٥٦ ) .
ولإدراك خطورة هذا القيد، تكفي الإشارة إلى أن معدلات التضخم في مصر خلال السنوات الأخيرة تجاوزت هذا الحد بكثير، حيث:
بلغ متوسط التضخم في عام 2022 نحو 21%.
وارتفع في عام 2023 إلى مستويات تجاوزت 35% في بعض الفترات.
واستمر خلال 2024 عند مستويات مرتفعة تراوحت بين 25% و30% في العديد من الأشهر.
وبالتالي، فإن وضع سقف عند 15% يعني تجاهل جزء كبير من التضخم الفعلي الذي يتحمله المؤمن عليه، وهو ما يؤدي إلى تقليل قيمة متوسط الأجر المحتسب، ومن ثم انخفاض المعاش المستحق.
الأخطر من ذلك، أن هذا التعديل يُنشئ تمييزًا صارخًا بين أصحاب المعاشات:
من خرجوا على المعاش قبل التعديل استفادوا من احتساب التضخم الفعلي الذي وصل أحاينا إلى 35% أو أكثر دون حد أقصى .
بينما من سيخرجون بعد تطبيق التعديل، سيتم تقييدهم بسقف 15% فقط، رغم تعرضهم لنفس – بل وربما أعلى – معدلات التضخم بمعنى انه قبل التعديل لو كان متوسط التضخم ٢٥ % مثلا فان الخارجين يستفيدون بهذه النسبة بينما الخارجين بعد سريان التعديل يستفيدون بحد اقصى ١٥ % اى هناك فارق ١٠ % مما يؤثر سلبا على قيمة معاشات الخارجين بعد سريان التعديل رغم ان الحسابات الاكتوارية قد تمت على النص قبل التعديل أى حملتها لقيمة اشتراك المؤمن عليه مما يعنى توجه الهيئة لتقليل انفاقها وتنمية مواردها على حساب انتقاص حقوق المؤمن عليهم دافعى الاشتراكات وليس على حسن وتنويع الاستثمار .
وبذلك، يصبح لدينا نظام تأميني يطبق معايير مختلفة على مواطنين في نفس الظروف الاقتصادية، وهو ما يمثل إخلالًا بمبدأ العدالة والمساواة، ويؤدي إلى انتقاص حقيقي من الحقوق التأمينية للأجيال القادمة.
الأمر لا يتعلق فقط بحسابات فنية، بل بمستوى معيشة ملايين المواطنين، خاصة في ظل تدني قيمة المعاشات الحالية، حيث ارتفع الحد الأدنى للمعاش من 1495 جنيهًا إلى 1755 جنيهًا شهريًا، وهو رغم زيادته يظل غير متناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة ومعدلات التضخم.
خلاصة القول، إن التعديلات المقترحة تعيد توزيع الأعباء بطريقة غير متوازنة:
تمديد زمني لالتزامات الدولة من ناحية، مقابل تقليص فعلي في حقوق المؤمن عليهم من ناحية أخرى، مع إدخال عنصر تمييزي غير مبرر بين فئات أصحاب المعاشات.
وهو ما يستوجب إعادة النظر في هذه التعديلات، حفاظًا على مبادئ العدالة التأمينية، وضمانًا لحقوق الأجيال الحالية والقادمة.
--------------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات







