لا يمكن لأي متابع للشأن العام إلا أن يثمن خطوة تأسيس شركة "أركو سيدز"؛ فهي اعتراف صريح بأن مركز البحوث الزراعية هو "عقل الدولة" الذي يجب استثماره وعدم تركه حبيس الأدراج. لكن، وبينما نحتفي بإنتاج تقاوي الخضر والفاكهة، يظل السؤال الملحّ يطرح نفسه: أيهما أولى بالإنقاذ.. "مكاسب" الصادرات أم "أمن" المحاصيل الاستراتيجية؟
غياب فقه الأولويات
إن أزمتنا الحقيقية لم تكن يومًا في قلة الخبرات، فمركز البحوث يزخر بعلماء شهدت لهم المحافل الدولية، ولكن المشكلة تكمن في "بوصلة التوجه". فبينما نتوسع في إنتاج تقاوي الخضر والموالح لغزو الأسواق الخارجية، ما زلنا نرهن رغيف الخبز المصري لتقلبات البورصات العالمية وأزمات الشحن والنزاعات الدولية. إن اتباع "سياسة الأولويات" كان يفرض أن تكون البداية من المحاصيل التي تمس صلب الأمن القومي وتجويد حياة المواطن وتوفير احتياجاته الأساسية بأسعار تتناسب مع دخله وقدرته على شراء مايحسن صحته وتحسين قدرته الشرائية وضبط الأسواق .
الفجوة الاستراتيجية وما يحتاجه المواطن
إن ترتيب الأولويات، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، يفرض توجيه هذه التحالفات الكبرى (التي تضم جهاز مستقبل مصر والبنك الزراعي) نحو ملفات أكثر سخونة:
سد فجوة المحاصيل الزيتية: التي نستورد السواد الأعظم من احتياجاتنا منها بالعملة الصعبة.
تطوير تقاوي القمح والذرة: لتقليل فاتورة الاستيراد المليارية وتأمين لقمة العيش.
المحاصيل العلفية: لضبط أسعار الثروة الحيوانية التي اكتوى بنيرانها المواطن البسيط.
العقل العلمي والقرار الإداري
إن "بعث الحياة" في مركز البحوث الزراعية يجب ألا يتوقف عند حدود تحويله إلى "شريك تجاري" في محاصيل عالية الربحية وسريعة العائد، بل يجب أن يظل "قائدًا للتحول" في المحاصيل الأساسية. إن الفلاح المصري اليوم لا يبحث عن رفاهية التنوع بقدر ما يبحث عن بذرة قمح تتحمل التغيرات المناخية وتضمن له ستر بيته.
كلمة أخيرة
البداية بـ "أركو سيدز" قد تكون مقبولة كنموذج استثماري، لكن الاستمرار في تفضيل محاصيل "الخضر والفاكهة" على حساب "المحاصيل الاستراتيجية" هو استمرار في ذات النهج الذي يضع أمننا الغذائي تحت رحمة الخارج.
إن إصلاح الهيكل الزراعي يبدأ من "البذرة"، ولكن شريطة أن تكون البذرة التي تملأ صوامعنا وتؤمن مستقبل أجيالنا، قبل أن تملأ جيوب المصدرين.
----------------------------------
بقلم: كامل السيد







