19 - 04 - 2026

رشقة أفكار | نكبة "السبع بنات".. المصير الذي سنسقى منه كل يوم!

رشقة أفكار | نكبة

- *عندما تشوى الوجوه وتحرق الابدان بثمن "كانزاية" عصير وكيس "شيبسي"!
- تستجير "السبع بنات " ولا تجار .. فالجدران الغاضبة متلهفة للنار وشواء الابدان.. والأبواب موصدة لايكسرها مسؤول أو قدر!
- من سيواسي الامهات الثكلى وأسر شهيدات مصنع الكوتشي في مقتلة عرائس السماء .. لا أقل من السيد الرئيس!
- كيف هي حال أشلائهن؟ هل يستطيع أحد - أما أو أباً أو اخاً أو حبيبا - أن يشاهدها مكفنة في رماد الموت؟
- قتلة كثيرون خارج السجن وليس صاحب مصنع الكوتشي فقط!
- تركوه يأكل الحلوى والجاتوه.. ويرقص فوق جسد  ضحاياه من آكلي  الحصرم عنده كل يوم .. مقابل لاشيء!
- السؤال الدامي الواجب طرحه: كيف ينام المسؤولون مرتاحين وهم شركاء بإهمالهم في موتهم المفجع؟!
- صدق أو لا تصدق.. في العصر الرقمي تخترق الرصاصات القاتلة الأجساد المختبئة في الأعماق وليس لدينا خريطة بيانات لسوق العمل!
- حاجتنا أكثر إلحاحا لرئيس وزراء يتمتع بالخيال اللازم لإيجاد حلول لمشاكل المجتمع من القاع إلى القمة.  
- عناقيد الغضب تأبى أن تضل طريقها إلى الزاوية الحمراء.. منكوبة بموت يضاعف احمرارها بتعاقب الحوادث المشئومة.
- في زاوية الغضب والنار لا يخبو لهيب أو ينطفيء حريق أو تجف في مآقى أهلها دموع!  

اشتعل قلبي نارا.. ونزفت عيناي دما بدلا من الدموع.. وانا أتابع القصة الحزينة.. المروِّعة..  لـ "السبع بنات".. شقيقاتي في الإنسانية .. أخواتي في صراع الحياة المتآكلة من إنسانية الإنسان، ومن تجفيف ضروع الخير والأمان والرحمة، وكانت ممتدة وعميقة الجذور، قبل أن يتيه النهر الخالد، ويئن ويتلوى في عالم الفقدان والضياع!!

شهيدات مصنع "الكوتشي" فى الزاوية الحمراء. مصنع الدمع والغضب والموت، الذي أضاف مزيدا من الاحمرار المتشظي بالفواجع، في المنطقة المتفجرة بعناقيد الغضب منذ زمن، وكأن دموع المآقي محكوم بهطولها سيولا مدمرة على أهل هذه الزاوية المنكوبة، فتشتعل اكثر ويضاف إلى حمرتها احمراراً اشد وأقسى، حيث لا يخبو فيها لهيب وينطفيء فيها حريق ولا تجف في مآقى أهلها دموع.

تستجير "السبع بنات " ولا تجار.. فالجدران الغاضبة متلهفة للنار والحريق، والأبواب موصدة لا كاسر لها إلا الله، والمواد الملتهبة اشد وأمر وأقسي من النابالم.. يستغيثون بالسلامة الأمنية واشتراطاتها فإذا هي سراب خادع ووهم كبير حيث لم يغثهم أحد، غضب الجدران يشوي وجوههم ويحرق أبدانهم، فلا يسمع لهن أنين أو تبرد من حولهم نار. كيف هي حال أشلائهم؟ هل يستطيع أحد - أما أو أباً أو اخاً أو حبيبا - أن يشاهدها؟ أظن أنه حتى الطبيب الشرعى لـ "دون كورليوني" نفسه ، لا يستطيع إعادة تجميل ولملمة هذه الأشلاء، كما حاول تجميل جسد سانتينو - ابن العراب - المثقوب بالرصاص. أكل الخوف قلب العراب، من أن ترى زوجته هذا المشهد المريع لابنها، فقد يتمزق قلبها أشلاء هو الآخر.. فما بالنا بآمهات وذوي شهيدات مصنع الكوتشي. هل يجرؤ آحد أن يطلب من أم ثكلى رؤية وجوه أكلتها النيران؟

من الذي لديه ضمير في أجهزة الدولة المعنية بتطبيق الاشتراطات الأمنية، في مثل هذه المصانع وبيئات الأعمال الخطرة، بما فيها من مواد كيمائية سريعة الاشتعال؟ من منهم يمكنه أن ينام.. وهو يعرف أن إهماله كان سببا في تفشي وباء غياب الأمن ووسائل الأمان، في المصانع وبيئات الأعمال شديدة الخطورة، والتي لا تتوافر فيها معايير واشتراطات الأمن والسلامة؟ القاتل ليس صاحب المصنع فقط، وانما كل من أعانه، وكل من تركه يآكل الحلوى والجاتوه وهو يرقص فوق جسد ضحاياه، الذين يأكلون الحصرم عنده كل يوم.. مقابل لاشيء! أبناؤنا يخرجون لمدة دقيقة واحدة إلى "الماركت" لشراء كيس شيبسي وكانز عصير وزجاجة مياه بمائة جنيه! يوم ضائع وعمر ضائع يا بناتي ويا شقيقاتي مقابل (١٠٠) جنيه فقط يوميا! كيف سيلقى مثل هؤلاء ربهم، وسبحانه جل في علاه سيشهد فيهم لحظة عصية على التصديق. لقد تضرعت "السبع بنات" إلي مقامه الآجّل في تلك اللحظات العصيبة، لكن من الأساس القتلة الذين هم خارج السجون الآن كانوا منعوا كل وسائل الاستجابة إلى التضرع من المنبع! فلا نجاة ولا أمان وإنما تشوي الوجوه وتحترق الأبدان مقابل بضع جنيهات تكشف مأساة عمقها حزن وهم مقيم.

من دون أن نختلف حول فكرة الاستشهاد، فأنا اعتبرهن هكذا لأنهن لم يكن لديهن حول ولا طول ولا قوة أثناء مقاومة النار ودفع الحريق عنهن.. فالنار حاصرتهن.. وجدران الغضب أكلتهن أكلا.. وانفجرت فيهن اللواصق والدهانات، التي تشبه في تأثيرها النابلم الحارق، الذي كان الكيان الصهيوني يوجّهه نحو أبنائنا في المصانع والمدارس.. أذكركم وأذكر نفسي كي لا ننسي أو نستسلم للنسيان. إنهن شهداء ليس بالمعني الديني ولكن بالمعنى المقاوم للحظة الموت المفجع؟

من سيواسيهن؟ تلك الأمهات الثكالى.. من سيهدهد قلوبهن المشتعلة "المكفنة" في رماد أشلاء عرائس السماء؟ هل يواسيهن من هو أقل من السيد الرئيس؟ أليس هذا هو الحنو الحقيقي، وفي قلب هذه المواساة يمكن لسيادته أن يجد ونجد معه الحل، ونواجه أنفسنا بأننا بعيدون عن كل شيء، حتى التنمية المزعومة التي تصدع روسنا بها الحكومة كل لحظة لا وجود لها، فالتنمية تعني تقدم حياة هولاء الناس، الذين لا يشعر بمعاناتهم في عالم اليوم سكان الضفة الأخرى منها، الذين لم يعودوا يتقاسمون معنا أي شيء الآن! الزمان اختلف.. لم يعد "الناس اللي فوق" ينتبهون أو يفزعون لأحوال ومصائب "الناس اللي تحت"!  

بات الناس غارقين في ذواتهم وكل نُكِبَ بالفكرة القاتلة "ياللا نفسي"! فماذا تفعل الحكومات إذن أمام هذه النكبات.. هذه "بسنت" تنتحر، وتلك أم تحرق اولادها، وهذا رجل يشنق نفسه، ورابع أو خامس يضرم النار في الكشك الذي يسترزق منه.. ولا طبيب نفسي في الحكومة، ولا مركز أبحاث يدرس ويناقش ويجد الحل.

لا يكلف سياسي مخضرم عندنا وقانوني ماهر بوضع قوانين انتخابات محلية، تستطيع إدارة ما استعصى على الحكومه إدارته فعليا وسط الناس. الدولة التي تخشي وضع قانون لانتخابات المحليات لن تتقدم، والحكومة التي ليس لديها جهاز حقيقي يتابع بدقة شديدة الاشتراطات اللازمة للسلامة الأمنية في المصانع المتفجرة بالموت، والمنشأة بجدران من غضب ودماء، سوف تسقينا كل يوم من نفس المصير!    

كم مصنعا مشابها لدينا وكم مرة تم فحصه فحصا حقيقيا وغير روتيني؟

من يملكون مثل هذه المصانع يبذلون المال من أجل إبعاد شبح الفحص الدوري لمصانعهم، أوالمساءلة عن أحوال عمالتهم وأمنها وتأمينها ، ومن هنا أطالب بجهاز قوي يقسم اعضاؤه قسما مغلظا بأعظم الإيمانات بالعمل على إغلاق ملف الفوضي المميتة والسهله المستمرة، التي تغتال أفراح ليس فقط "السبع بنات" وإنما آلاف الفتيات والفتيان!

- هل زاد عددنا، فأصبح الموت بكل أشكاله معتادا، كما اعتادت الممرضات في المشافي على صرخات المرضي فلم تعد هناك مساحه للمشاطرة في قلب ملاك الرحمة، اللواتي تخلين عن لقبهن الأثير "لأنه مبيأكلش عيش" الآن؟

- أمن أجل مئة جنيه تذهب هذه الفتيات عرائس إلى السماء، بلا حياة.. أو تحقيق الأحلام في بيت آمن تدب فيه الحياة بالأطفال؟

- كيف لاتكون لدينا في العصر الرقمي المذهل - حيث رصاصات القتلة تستطيع اختراق الأجساد في أعمق الأعماق - خريطة بالأعداد الحقيقية للعمالة والمهن الشاغرة في سوق العمل، والشركات والمصانع وغيرها، وتتزود أولا بأول ببيانات طالبي العمل والجهات التى تحتاج إليهم؟

إننا عندما نقول نريد رئيسا للوزراء بقامة مصر إنما نقصد هذه الأشياء، التي تحتاج خيالا فوق الخيال، للوصول إلى  الواقع.. قمته وأعماقه!

هل نتعلم من دروس نكباتنا الأخيرة؟! تأملوها مجددا معي.. وابكوا على حالنا الذي بات نهرا مجدبا جافا، خاليا من الأفكار التي تصنع الحياة والتقدم. إنا لله وإنا اليه راجعون. صادق عزائي لوطننا الغالي في شهيدات مصنع الكوتشي.. عرائس السماء ضحايا اللامبالاة والإهمال وقلبي مع أمهاتهن الثكالى.
------------------------------
بقلم: محمود الشربيني



مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | نكبة