في خضم الجدل الدائر حول توطين بعض الجنسيات العربية والأفريقية داخل مصر، يبدو أن هناك ملفًا آخر أكثر هدوءًا، لكنه ربما أشد تأثيرًا على المدى البعيد، ملف لا يُناقش كثيرًا، ولا يحظى بنفس القدر من الحساسية أو الاعتراض، رغم أن نتائجه قد تكون أعمق وأكثر تعقيدًا. الحديث هنا عمّا يجري في الغردقة، عروس البحر الأحمر، حيث يتشكل واقع جديد بهدوء لافت، تقوده في معظمه جنسيات أوروبية واضحة، أبرزها الروسية والأوكرانية والألمانية والإنجليزية.
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الغردقة مجرد مقصد سياحي للأوروبيين الباحثين عن الشمس الدافئة والهروب من برد الشتاء القارس، خاصة من روسيا وأوكرانيا وألمانيا وإنجلترا. الصورة تغيّرت تدريجيًا. لم يعد الأمر يقتصر على متقاعدين يقضون بضعة أشهر قبل العودة إلى أوطانهم، بل أصبحنا أمام موجات استقرار شبه دائم لعائلات كاملة من هذه الجنسيات، جاءت بحقائبها وأطفالها، وبقرار واضح: الإقامة الطويلة، وربما الدائمة.
اللافت أن هذا التواجد، خصوصًا من الروس والأوكرانيين والألمان والإنجليز، لم يتوقف عند حدود الإيجار أو الإقامة المؤقتة، بل امتد إلى التملك. شقق، فيلات، عمارات، شاليهات، بل وحتى أراضٍ.. عملية شراء منظمة ومتزايدة، تعكس تحولًا من “الزيارة” إلى “الترسخ”. ومع هذا التوسع، ظهرت بنية موازية تدعم هذا الاستقرار: مدارس دولية تخدم هذه الجاليات، خدمات موجهة بلغاتهم، وأنشطة اقتصادية يديرها هؤلاء الوافدون أنفسهم.
المفارقة التي تستحق التوقف، أن هذا التمدد - الذي تقوده بدرجة كبيرة الجنسيات الروسية والأوكرانية والألمانية والإنجليزية - يحدث في ظل استفادة شبه كاملة من منظومة الدعم المحلي. نفس الوقود المدعوم، نفس الكهرباء، نفس الخدمات الصحية، بل وبيئة أعمال منخفضة التكلفة، مع إجراءات إقامة ميسّرة للغاية. النتيجة؟ تكلفة معيشة منخفضة، وفرص استثمار مفتوحة، دون التزامات تُذكر مقارنة بالمواطن المحلي.
هنا لا يتعلق الأمر بالاعتراض على وجود أجانب أو الاستثمار الخارجي، فمصر تاريخيًا بلد مفتوح ومتعدد. لكن الفارق يكمن في غياب الإطار الواضح الذي ينظم هذا التواجد، خاصة مع تركزه في جنسيات بعينها، ويحدد طبيعته: هل نحن أمام استثمار منضبط يخضع لقوانين دقيقة؟ أم أمام نمط من “التوطين الناعم” الذي يتشكل ببطء دون نقاش مجتمعي حقيقي؟
التجارب الدولية تُظهر أن مثل هذه التحولات، حين تقودها موجات استقرار من جنسيات محددة وبتزايد مستمر، إذا تُركت دون تنظيم، قد تخلق واقعًا ديموغرافيًا واقتصاديًا جديدًا يصعب التعامل معه لاحقًا. المسألة ليست في جنسية القادم بحد ذاتها، سواء كانت روسية أو أوكرانية أو ألمانية أو إنجليزية، بل في حجم وتأثير هذا التواجد، وفي قدرة الدولة على موازنته بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية والاجتماعية.
الأمر لا يحتاج إلى تهويل أو خطاب تخويف، لكنه أيضًا لا يحتمل التجاهل. التخطيط المسبق، ووضع ضوابط واضحة للتملك والإقامة، وربط الامتيازات بالالتزامات، كلها أدوات ضرورية لضمان أن يظل الانفتاح مصدر قوة، لا مدخلًا لاختلالات غير محسوبة.
الغردقة اليوم تقدم نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن يحدث عندما تتحرك التغيرات بصمت. والسؤال الحقيقي ليس: من يأتي؟ بل كيف يأتي، ووفق أي قواعد، ولأي غاية. لأن الدول لا تُفاجأ بالتغيرات الكبرى، بل تتشكل أمامها تدريجيًا.. حين تختار ألا تنظر جيدًا.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد







