جدل الحكام في مصر: بين أزمة الثقة وتعقيدات "الفار"
في مشهد يعكس حالة الجدل الحادة التي تعصف بالكرة المصرية، تحولت قاعة الاجتماعات في اتحاد الكرة المصري مساء السبت الماضي إلى مسرح لأزمة جديدة. حضر وفد النادي الأهلي برئاسة سيد عبد الحفيظ، مدير الكرة، لعقد جلسة كانت مقررة للاستماع إلى تسجيلات حكام مباراة الفريق أمام سيراميكا كليوباترا، لكن الجلسة أُلغيت لأن "الأشخاص المخولين قانونياً" والمسؤولين بالاتحاد لم يكونوا حاضرين في الموعد الذي قاموا بتحديده لحضور مندوبي نادي الأهلي.
ما حدث في تلك الساعات لم يكن مجرد خلاف إداري عابر، بل كشف النقاب عن أزمة أعمق في كرة القدم المصرية: أزمة الثقة بين الأندية والاتحاد، وتعقيدات تطبيق تقنية الفار (VAR) في بيئة تفتقر إلى الشفافية، والمعاناة المستمرة للأندية الصاعدة من قرارات تحكيمية "غامضة" تهدد بقاءها في الدوري.
هذه السطور تستعرض جذور الأزمة وأبعادها، من قمة الهرم الكروي إلى قاعه، في محاولة لفهم أسباب استمرار الجدل التحكيمي رغم وجود تقنية الفار التي كنا نتصور انها ستحسم كثيرا من المشاكل التحكيمية التي جعلت بعض الأندية الكبرى خاص الأهلي يطالب بالتحكيم الأجنبي لمبارياته خاصة المباريات المحلية الهامة.
" أزمة الأهلي وسيراميكا"
بدأت القصة في مباراة الأهلي وسيراميكا كليوباترا ضمن المرحلة النهائية للدوري، عندما أُلغيت ركلة جزاء محتملة للأهلي بعد العودة لتقنية الفار، لتنتهي المباراة بالتعادل 1-1 . اعترض النادي الأهلي بشدة على القرار، وطالب بالاستماع إلى التسجيلات الصوتية للحكم والحكام المساعدين، مستنداً إلى تصريحات رئيس لجنة الحكام السابق، الذي أكد حق أي نادٍ في الاستماع للتسجيلات بعد دفع الرسوم المقررة .
لكن اتحاد الكرة اشترط حضور اثنين فقط من الجهاز الفني والإداري الموجودين في المنطقة الفنية أثناء المباراة . بينما أصر الأهلي على حضور وفد يضم عضو مجلس إدارة وخبيراً في الصوتيات وحكماً سابقاً . وعندما حضر الوفد، فوجئ بإلغاء الجلسة.
في رسالة نارية، اتهم النادي الأهلي اتحاد الكرة بانتهاك الدستور المصري، مؤكداً أن تحديد من يمثل النادي "حق أصيل لمجلس الإدارة" ولا يحق لأي جهة تقييده . وقال سيد عبد الحفيظ بعد مغادرة الاتحاد: "الأهلي يعرف كيف يحفظ حقوقه، ولا يوجد أي نص يمنع حضوري" .
هذا التصعيد لم يقتصر على البيانات الرسمية، بل امتد إلى تهديدات غير مسبوقة، حيث كشفت مصادر أن النادي يفكر في رفض إطلاق لاعبي الدوليين لمعسكر المنتخب الوطني احتجاجاً على تعامل الاتحاد .

"هل يوجد شيء في التسجيلات؟"
في خضم الأزمة، تدخل الإعلامي الرياضي السعودي وليد الفراج بسؤال "فضولي" أثار مزيداً من الجدل: "لا أفهم لماذا رفض اتحاد الكرة دخول وفد الأهلي؟ هل هناك شيء في التسجيلات؟" .
هذا التساؤل يعكس حالة الشك التي تسود الأوساط الكروية، فإذا كان الهدف هو الشفافية، فلماذا كل هذه التعقيدات؟ وإذا كان الفار موجوداً لتصحيح الأخطاء، فلماذا لا يمكن الاستماع إلى الحوارات التي تسببت في القرارات المثيرة للجدل؟
كل هذه الأسئلة تثير حالة من الشكوك وعدم الثقة بين مسؤلي النادي الأهلي وجماهيره وتزيد من حدة الاحتقان بين الجماهير وهي الحالة التي كشفت عنها المساجلات التي ظهرت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
المفارقة أن الحكم المساعد بالفيديو (VAR) في مباراة الأهلي وسيراميكا هو المصري محمود عاشور، الذي تم اختياره بعد 48 ساعة فقط من المباراة لإدارة تقنية الفار في كأس العالم 2026 . ففي غضون يومين، انتقل عاشور من قلب أزمة تحكيمية محلية إلى طاقم حكام عالمي. هذه "المفارقة" تثير تساؤلات حول آليات تقييم الحكام في مصر: هل الأخطاء التحكيمية لا تؤثر على مستقبل الحكام طالما أنهم يحظون بدعم اللجان؟
"عندما يرفض الحكم الاستماع للفار"
قبل أسابيع قليلة، وقعت حادثة أكثر خطورة كشفت عن عيب جوهري في تطبيق تقنية الفار في مصر. في مباراة سيراميكا كليوباترا والإسماعيلي، أحرز مهاجم سيراميكا هدفاً واضحاً بعد أن ارتطمت الكرة بيد مدافع الإسماعيلي ثم دخلت الشباك .
لكن الحكم محمد عباس مايو احتسب ركلة جزاء لسيراميكا بدلاً من احتساب الهدف! والأدهى أن تقرير الحكم كشف أن حكم الفار والحكم المساعد أبلغاه بأن الهدف صحيح، لكنه أصر على قراره الخاطئ . النتيجة؟ عقوبة خفيفة هي "الإيقاف" دون إعادة المباراة، رغم أن اللوائح تنص على إعادة المباراة إذا أقر الحكم بخطئه خلال 48 ساعة .
هذه الحادثة تمثل خطراً حقيقياً على الأندية الصغيرة، فلو تكرر هذا السيناريو مع نادٍ مهدد بالهبوط، فقد يكون القرار الخاطئ سبباً في خسارة ملايين الجنيهات نتيجة الهبوط.
"معاناة الأندية الصاعدة"
إذا كانت أندية القمة مثل الأهلي والزمالك تعاني من قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، فإن معاناة الأندية الصاعدة والمتوسطة تكون مضاعفة. هذه الأندية لا تملك "الوزن الجماهيري" أو النفوذ الإعلامي للضغط من أجل إنصافها.
قبل أيام فقط، وجه نادي سموحة اتهاماً صريحاً لحكام مباراته أمام الأهلي، بعد رفض احتساب ركلة جزاء واضحة لصالحه. وقال النادي في شكوى رسمية: "الحكام أثرت بشكل مباشر على نتيجة المباراة برفضهم احتساب ركلة جزاء صحيحة" . وأضاف أن "مثل هذه الأخطاء تقوض الثقة في نزاهة التحكيم" .
ما يزيد معاناة الأندية الصاعدة هو غياب آليات واضحة لمحاسبة الحكام. فبينما يحق للأندية الكبيرة إرسال محامين ومستشارين وخبراء تحكيم للترافع عن حقوقها، تجد الأندية الصغيرة نفسها وحيدة أمام لجان مغلقة وقرارات غير معللة.
" لماذا يستمر الجدل رغم وجود الفار؟"
بعد رصد هذه الحالات، يمكن استخلاص عدة أسباب لاستمرار أزمة التحكيم في مصر رغم استخدام تقنية الفار:
1. غياب الشفافية في تطبيق التقنية: منع الأندية من الاستماع لتسجيلات حكام الفار يجعل القرارات "محصنة" ضد المساءلة.
2. عدم وجود عقوبات رادعة للحكام: الإيقاف المؤقت ليس كافياً، خاصة عندما يكون الخطأ ناتجاً عن إهمال متعمد لتعليمات الفار.
3. ازدواجية المعايير: بين مطالبة الأندية بالشفافية وتعنت الاتحاد في تنظيم جلسات الاستماع.
4. غياب ثقافة الاعتراف بالخطأ: اللوائح تشجع الحكام على الاعتراف بالخطأ خلال 48 ساعة لإعادة المباراة، لكن القليل من يفعل ذلك .
مأساة تحتفي بالنجاحات الفردية
لا يختلف أحد على أن اختيار طاقم حكام مصري لكأس العالم هو إنجاز يضاف إلى سجل التحكيم المصري . لكن هذا الإنجاز لا يجب أن يحجب الأزمة الحقيقية: غياب نظام عادل وشفاف لإدارة التحكيم محلياً.
المفارقة أن الحكم محمود عاشور الذي سيُمثل مصر في كأس العالم هو نفسه حكم الفار الذي أثار الجدل في مباراة الأهلي وسيراميكا . هذه ليست دعوة لمحاكمته، بل دعوة لفهم أعمق: إذا كان الحكم "العالمي" يثير كل هذا الجدل في مباراة محلية، فالمشكلة ليست في الحكم وحده، بل في النظام بأكمله.
كرة القدم المصرية تحتاج إلى حوار جاد حول آليات تطبيق الفار، وضوابط محاسبة الحكام، وحقوق الأندية في الوصول إلى المعلومات. وإلا سيظل الجدل هو "التقنية" الأكثر استخداماً في ملاعبنا.






