حين وقفنا هناك في هذا المكان الذي يسمونه المصدر، أي مصدر العمال غير المهنيين، وقفنا ننتظر طلب أحدهم عمالاً؛ فقد نفدت أموالنا، ونفد كرم أهلنا وبلدياتنا، ونحن لم نصل بغداد للضيافة والسياحة والعودة للديار، بل جئنا للعمل للحصول على المال اللازم لأمور كثيرة.
كان الوقوف في المصدر آخر خطوة يمكن اللجوء إليها هرباً من البطالة، فللأسف جميع مَن نعرفهم يعملون موظفين في دواوين معروفة بالنظام والصرامة ولا تحتاج لعمالة مؤقتة، كما أنني وصديقي لم نكن ممتهنين مهنة محددة نبحث عن عمل يليق بها.
وكان الجميع يبحث لنا عن عمل يناسب مؤهلاتنا الدراسية، إلا أن الجميع قد فشل في ذلك، وكان هذا الفشل طبيعياً ومقبولاً؛ ذلك أن أحداً لن يترك عمله للبحث عن عمل لنا، فهم يسألون معارفهم وجيرانهم في العمل، يسألون للتخلص من كفالتنا، وفي الغربة تكون الضيافة عبئاً ثقيلاً غير مريح للضيف والمضيف.
وصلنا المصدر مع شروق الشمس، فالعمل هنا يبدأ مع شروقها وينتهي مع غروبها، والغربة قاسية، والحياة هنا مكلفة، والجميع يأمل منا العودة بمال وفير.
وقفنا مع جمهور كبير، كنت أظن أنه بمجرد وقوفي في هذا المكان سأجد الكثيرين يطلبون العمال، الذين يعملون بنظام اليومية، وأننا سنختار العمل المناسب لنا ولمؤهلاتنا الدراسية، لكن ما أن يظهر أحدهم يطلب عمالاً حتى يهرع الجميع إليه، بل بعضهم يلح عليه في الذهاب معه، وكأنهم افتتحوا مزاداً علنياً ينزلون فيه بأجورهم إلى أدنى من النصف، وسط هذه الانهيارات لم نجد فرصة للعمل، وعدنا أدراجنا، فلم نُجِد التزاحم وإغراء الراغبين في العمل، وقد كانت ملابسنا تليق على أفندية لا عمال يومية.
في اليوم التالي عدنا للمصدر، وقد ارتدينا ملابس قديمة خلقة تليق بمتمرسين في العمل اليومي.
لم يحتج الأمر للتزاحم الشديد كما رأينا أمس، أقبلت سيدة في حدود السادسة والنصف صباحاً، خمسينية تبدو على محياها سمات الوقار والجلال والهدوء، قالت: أريد رجلين لعمل سيراميك لحمام عندي.
أقبلت عليها أنا وزميلي، ركبنا السيارة، دون اتفاق على الأجر، فقد نصحنا أقاربنا ألا نتفق على أجر إلا بعد أداء العمل، أو على الأقل معاينة العمل المطلوب لتقدير الأجر التقدير الصحيح.
بعد ربع ساعة وصلنا بيتها، حوش كبير له بوابة عظيمة، أوقفت السيارة أمامها، ثم نزلت وفتحت البوابة وعادت للسيارة وأدخلتها في المرآب، ثم طلبت منا الخروج من السيارة، وقادتنا إلى مبنى صغير خلف المبنى المواجه للبوابة، كان مبنىً صغيراً مكوناً من طابق واحد، يضم غرفتين ومطبخ وحمام وصالة صغيرة، فهمنا أن هذا المبنى ملحق بالمبنى الأمامي، وأنه مخصص للعمال الذين يعملون لدى تلك السيدة.
أشارت إلى الحمام وقالت: أريد تركيب سيراميك لهذا الحمام، وهو كما ترون صغير، وقد اشتريت له عشرين متراً سيراميك، وهذا هو الأسمنت والرمل، والسيراميك في الكراتين، والماء تجدونه في المطبخ، وهذه هي الأدوات اللازمة للصق السيراميك، سأغيب عنكم قليلاً لأحضر لكما الفطور والشاي، ابدآ الآن حتى أعود إليكما.
سألني زميلي: علينا الآن أن نحدد ونقسِّم العمل، هل ستقوم بإعداد الأسمنت أم تلصق السيراميك؟ فلابد أن نبدو أمامها كمحترفين أحدنا معلم كبير والآخر مساعده.
قلت له: اختر أنت ما شئت، وأنا سأرضى به.
فقال: أنا لم يسبق لي قبل اليوم لصق سيراميك، ولكني كنت أرى العمال وهم يجهزون الأسمنت سأضع شيكارة أسمنت على أربعة أضعافها رمل، ثم أقلبهما عدة مرات وأفجر خلالهما نهراً أو بركة أملأها ماء، ثم أعيد التقليب، وأناولك المونة الجاهزة.
فقلت له: يبدو أنك محترف، وسوف آخذ أنا السيراميك من الكراتين وألصقه أولاً بأول.
بعد قليل أتقن زميلي مهمته، وحمل المونة إليَّ، وأخذت بالمسطرين بعض المونة ثم وضعتها فوق ظهر السيراميك، واجتهدت لأصل إلى أعلى مكان في الحائط وحاولت لصق السيراميك، لكنها وقعت على الأرض.
فقال لي زميلي: علينا أن نبحث عن شيء تقف عليه.
بحثنا فوجدنا برميلاً مقطوعاً من منتصفه، فقلبته ووقفت عليه، الآن صارت الأمور أفضل، أخذت المونة ووضعتها فوق ظهر السيراميك وحاولت لصقها، لكني فشلت مجدداً.
أقبلت المرأة ومعها الفطور والشاي، تركنا ما بأيدينا، وجلسنا مفترشين الأرض لتناول الفطور، واحتساء الشاي.
لم تغادرنا المرأة، وجاءت بكرسي صغير، جلست فوقه تنظر إلينا ونحن نعمل.
عدنا للعمل بذات الوتيرة السابقة، نلصق من فوق إلى تحت، وأخيراً تمَّ لصق واحدة، وبدأت في لصق الثانية بجوارها، فوقعت الأولى، وهكذا عدة مرات، وهي تراقب هذا الفشل دون أن تنبس ببنت شفة، ثم لما تكرر الأمر مرات عديدة، وأهدرنا الكثير من الأسمنت، وكسرنا عدة قطع من السيراميك، سألت المرأة: هل هكذا يكون لصق السيراميك في بلادكم؟
قلت: نعم.
قالت: أليس يتمُّ لصقه من الأسفل للأعلى؟
قلت: كلا.. إنما يكون اللصق من الأعلى للأسفل.
قالت: وهل تمَّ بناء الهرم من الأعلى للأسفل؟
أجاب زميلي: لم نحضر بناء الهرم، لكننا نلصق السيراميك هكذا في بلادنا دائماً.
فسألت: وهل تنجحون في لصقه بهذه الطريقة؟
قلت مندفعاً: نعم.
فقالت: أرجو ذلك، أكملا.
بيد أن الفشل لازمنا ولم أفلح في لصق واحدة، فغمزت زميلي كي يلصق هو؛ لعله يفلح في اللصق، لكنه تهرب، ولم يرضَ أن يغير عمله.
بدا الإخفاق واضحاً، والمرأة لا تتحدث، ولكنها تراقب في صمت يسبق العاصفة، فلما طال علينا هذا، قامت من مكانها، وطلبت مني المسطرين، فأمسكته بمهارة، وأخذت بعضاً من المونة ووضعتها على ظهر السيراميك، ثم وضعت السيراميك أعلى من الأرض مقدار عشرة سنتيمترات، وضغطت عليه بيد المسطرين برفق، فتوزعت المونة والتصقت، ثم وضعت زميلتها جوارها، وهكذا حتى انتهت من الصف الأول، ثم أخذت تعمل في الصف التالي، ثم انتصبت واقفة، وهي تقول دون غضب: البناء يكون من الأسفل للأعلى، أما الهدم فيكون من الأعلى للأدنى، ولكنكما لستما من أهل العمل اليدوي.
ثم سكتت.
نظرت لزميلي، وقد تصبب عرقاً وكاد يبكي من فرط الخجل، ثم تمالك نفسه وقال: نحن نعتذر إليكِ عن هذا الخطأ، ولكن ما دفعنا لذلك ...
قاطعته قائلة: لقد أفسدتما يومي، وأضعتما الكثير من الأسمنت، وهذا يوم عطلتي، وكذبتما للحصول على المال، وإن أقبح القبح في الرجال الكذب.
قالت ذلك ثم انسحبت، فقلت لزميلي: ماذا ترى؟
قال: يجب أن نرحل.
قلت: دون أن نرد اعتبارنا؟
قال: وكيف ذلك؟
قلت نقوم بكنس المكان وتنظيفه، نعمل أي شيء مقابل أكلنا والشاي. لما وافقني، اجتهدنا في الكنس والتنظيف وصنعنا كومة كبيرة من مخلفات المباني، استغرق الأمر ساعة واحدة، تصببنا عرقاً كثيراً.
جاءت المرأة وقالت: قد أفسدتما الصالح، ما جمعتماه سنقوم ببعثرته مرة أخرى قبل سفلتة المنزل، أشكر لكما جهدكما، أرجو أن تغادرا الآن، فليس لكما عندي عمل.
خرجنا نحمل ألوان الخزي والعار من الفشل ومن الكذب، بصعوبة عدنا إلى السكن، لم يكن فيه غيرنا، قال زميلي: من الغد نبحث عن عمل آخر، أو نبحث عن مكان آخر، فالبلاد واسعة، والمهن المطلوبة هنا لا تناسبنا، لعل الرزق يتسع في مكان آخر.
فقلت له: لقد قالت المرأة الوقور: أرجو أن تغادرا الآن، فسوف نغادر بلادها كلها، ونبحث عن عمل هناك، ولن أكذب بعد اليوم ولن أرتكب أقبح القبح.
قال لي: كيف نعود بهذا الفشل؟
قلت له: فشل قريب خير من نجاح بعيد.
وحقبت أمتعتي وسافرت من يومي، وبعد عودتي بقليل طلب الإصلاح الزراعي موظفين جدداً، فتقدمتُ بأوراقي، وتمَّ قبولي في الوظيفة، وأصبح عندي وظيفة أفهمها وأتقنها، وراتب شهري يكفي مصروفاتي.
والأهم من كل ذلك أنني تركت أقبح القبح ولن أعود إليه أبداً.
-----------------------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش






