في مشهد جيوسياسي ( واشنطن- موسكو- بكين- الرياض- مصر) لم يشهد له العالم مثيلاً منذ حروب النفط في سبعينيات القرن الماضي و التي واكبت حرب اكتوبر 1973، حيث تتقاطع اليوم ثلاث أزمات كبرى في ممرات مائية حيوية "مضيق هرمز" تحت التهديد "الإيراني"، "مضيق ملقا" تحت "النفوذ الأميركي"، و"باب المندب" تحت نيران "الحوثيين". وفي خضم هذا المشهد، تعيد كل من أمريكا وروسيا والصين ودول الخليج حساباتها الإستراتيجية، ليس فقط بشأن أسعار النفط، بل بشأن إتفاقيات النفط التي تمس أمنها القومي ذاته.
اولا: الولايات المتحدة الأمريكية – سلاح الحصار البحري
واشنطن تخارجت جزئيا من عقود من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط الثقيل (بفضل ثورة الصخر الزيتي، و هي النجاح في انتاج النفط من اراضي أمريكية صخرية) حيث تنتج يوميا 13.6 مليون برميل من النفط (الخفيف) يوميا تصدر منه الى اوروبا و اجزاء من آسيا، في حين تستورد 5.3 مليون برميل يوميا من الخليج (النفط الثقيل) و الذي يمثل 8% فقط من واردات أمريكا من النفط.
و تعتمد ايضا الولايات المتحدة على استيراد باقي احتياجاتها من كندا و المكسيك، في حين تنتظر فنزويلا اعادة بنيتها التحتية البترولية و التي قد تستغرق 5 سنوات لتدخل الى المصافي الامريكية.
و رغم عدم اعتماد أمريكا على نفط الشرق الأوسط إلا بنسبة 8% فقط لتشغيل مصافي النفط الثقيل التي اقيمت في الماضي قبل ثورة النفط الصخري، إلا أن الولايات المتحدة تسعى بإستخدام قوتها العسكرية البحرية للتحكم في الشرايين الملاحية العالمية، ليس لأجل النفط و لكن لأجل إمتلاك أوراق ضغط على الصين منافسها في السباق الاقتصادي و سباق القوة و الهيمنة.
القواعد الأميركية المنتشرة في البحرين (الأسطول الخامس)، جيبوتي (القرن الأفريقي)، سنغافورة، والفلبين، تمنحها القدرة على إغلاق أو تعطيل ثلاثة من أهم خمسة مضايق نفطية في العالم.
"الهدف" الاستراتيجي الأميركي واضح و هو استخدام سلاح الحصار البحري كورقة ضغط قصوى ضد الصين في حال نشوب نزاع حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
في مذكرة البنتاغون السرية التي تسربت عام 2023 كانت واضحة "أي مواجهة مع بكين يجب أن تبدأ بإغلاق مضيق ملقا، وليس بقصف القواعد العسكرية" و مضيق ملقا يمتد كممر مائي حيوي بين الساحل الغربي لشبه جزيرة ماليزيا (شرقاً) وجزيرة سومطرة الإندونيسية (غرباً). يربط المضيق بين المحيط الهندي (بحر أندامان) والمحيط الهادئ (بحر الصين الجنوبي)، مما يجعله واحداً من أهم وأكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
لكن واشنطن تواجه مشكلتين:
الاولى: إيران و أي حرب على المنشآت النووية الإيرانية قد تعني إغلاق هرمز، وهو ما يرفع أسعار النفط إلى مستويات تدمّر الاقتصاد الأميركي قبل الصيني.
ثانيا: روسيا التي تستعد لالتقاط أي ارتفاع في الأسعار و اية أزمات في منطقة الخليج لتزيد صادراتها لدول آسيا بعيدا عن مضيقي هرمز و باب المندب عبر أنابيب اكثر امنا مستخدمة عائدات النفط لتمويل حربها في أوكرانيا.
باختصار، أمريكا تمسك بسلاح الحصار، لكن إيران وروسيا تمسكان بسلاح الأسعار.
الوجه الثاني: روسيا – تحويل الأزمة في منطقة الخليج إلى فرصة لها
منذ فبراير 2022، أدرك الكرملين أن المعركة الحقيقية ليست في أوكرانيا، بل في إعادة رسم خرائط تدفق الطاقة. فقدان السوق الأوروبية (حوالي 40% من صادرات الغاز و25% من النفط) دفع موسكو إلى خيارين استراتيجيين:
أولاً: التحول إلى الصين عبر الأنابيب. خط "قوة سيبيريا 2" المزمع أن ينقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين عبر منغوليا، ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو شريان حياة لروسيا التي تسعى لتحويل نفسها من "محطة طاقة لأوروبا" إلى "مستودع طاقة آمن للصين" – بعيداً عن المضايق المائية مما يقلل من احتياج الصين الى بترول الخليج.
ثانياً: استغلال أي أزمة بحرية. كل صاروخ حوثي يصطدم بناقلة في باب المندب، وكل زورق إيراني يضايق ناقلة في هرمز، يعني أن النفط الروسي (الواصل عبر الأنابيب أو الطريق القطبي) يصبح أكثر تنافسية.
موسكو تبيع اليوم خام الأورال بخصم يتراوح بين 15-20 دولاراً للبرميل مقارنة بخام برنت، وهذا الخصم يقل في أوقات الأزمات البحرية.
لكن روسيا تعرف حدود أنابيبها الحالية لا يمكنها تعويض أكثر من 30% من احتياجات الصين. لذلك، هي لا تريد إغلاق هرمز بالكامل (لأن ذلك سيدمر حليفتها إيران)، بل تريد بقاء التهديد قائماً دون تنفيذه بالكامل. تريد توتراً مداراً، وليس حرباً شاملة.
الوجه الثالث: الصين – بين مطرقة ملقا وسندان هرمز
بكين تعيش أعمق أزمة أمن طاقوي في تاريخها الحديث. الوقائع مؤلمة:
· 80% من وارداتها النفطية تمر عبر مضيق ملقا، حيث الأسطول الأميركي يسيطر عملياً على الممر.
· أكثر من 50% من وارداتها تأتي من الخليج العربي عبر هرمز، حيث إيران تهدد بالإغلاق في أي لحظة.
· حتى النفط الروسي القادم براً لا يتجاوز 15-20% من الإجمالي، وهو أقل من أن يكون بديلاً.
الاستراتيجية الصينية تقوم على ثلاثة مسارات متوازية:
أولاً: تنويع المصادر. بكين رفضت تاريخياً الاعتماد على مورد واحد. حتى مع روسيا، فإن الحصة المستهدفة لا تتجاوز 25% من إجمالي الواردات. الصين تستمر في شراء النفط من السعودية (أكبر مورد)، العراق، الإمارات، أنغولا، والبرازيل.
ثانياً: تحويل المصافي. الحقيقة التقنية التي يغفلها الكثيرون: مصافي جنوب الصين صُممت لمعالجة النفط الثقيل الخليجي. تحويلها لاستقبال النفط الخفيف الروسي يحتاج إلى 5-7 سنوات واستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار. هذا يعني أن بكين لا تستطيع التخلي عن الخليج حتى لو أرادت.
ثالثاً: تأمين بدائل بحرية. ممر الشمال البحري (الطريق القطبي الروسي) بدأ يستقطب استثمارات صينية ضخمة. في 2023، مرت أول ناقلة صينية محملة بالغاز الطبيعي المسال عبر هذا الممر من روسيا إلى الصين في 22 يوماً فقط (مقارنة بـ45 يوماً عبر قناة السويس). المشكلة أن هذا الممر متجمد 8 أشهر سنوياً، ولا يحل أزمة النفط الخام.
الوجه الرابع: الشرق الأوسط والخليج – اللاعب الذي لا يمكن استبداله
دول الخليج ليست غافلة عن كل هذه الحسابات. السعودية والإمارات والعراق والكويت تدرك أن موقعها كـ"مورد أساسي" للصين هو ورقة ضغط لا تقدر بثمن.
هل تستغني الصين عن الخليج؟
الحقيقة الجيو ساخرة: كلما زادت حدة التوتر في ملقا أو هرمز، كلما زادت أهمية الخليج لبكين. الصين لن تستبدل النفط الخليجي بالنفط الروسي، لأنها تحتاج الاثنين معاً: الروسي للتأمين ضد الحصار، والخليجي للاستدامة والكميات.
أوبك+
لكل هذه الأسباب كان تحالف أوبك+ الذي تقوده السعودية وروسيا رغم الحرب في أوكرانيا. الرياض وموسكو تتفقان على ضرورة عدم إغراق السوق، لأن انهيار الأسعار سيضر بالجميع.
· الاستثمارات الصينية الخليجية الضخمة (مصفاة جيجان في السعودية، مشاريع الطاقة في العراق، المنطقة الاقتصادية في خليفة بأبوظبي).
· السباق الخليجي لبناء احتياطيات نفطية استراتيجية في الصين نفسها، حيث تمتلك السعودية وإيران (رغم التوتر) مخزونات نفطية على الأراضي الصينية تغطي 60 يوماً من الاستهلاك.
ماذا عن إيران؟ الحلقة الأضعف والأخطر
لا يمكن فهم المشهد دون وضع إيران في القلب. طهران التي تعيش تحت أشد العقوبات الأميركية قسوة، تمتلك سلاحاً واحداً هو "مضيق هرمز" الذي تعرف أن إغلاقه يعني تدمير اقتصادها (لأنها لا تستطيع تصدير برميل واحد إذا أغلقت المضيق، حتى عبر المهربين)، و يعني ايضا غضب روسيا (لأن موسكو لا تريد أسعاراً فلكية تخرج عن السيطرة، بل تريد أسعاراً مرتفعة لكن مستقرة)، ثم غضب الصين (لأن بكين سترى في الإغلاق تهديداً لوجودها الاقتصادي)
لذلك تعمل السياسة الإيرانية على التهديد المحدود، وليس التنفيذ الكامل. مناوشات، احتجاز ناقلات هنا وهناك، تهديدات إعلامية، لكن دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
موقف مصر و لخليج من الصراع
يؤدي الصراع الأمريكي الصيني الروسي حول خرائط الطاقة إلى إعادة تشكيل المسارات البحرية والتحالفات الاقتصادية، وهو ما يترك أثراً مزدوجاً (تحديات وفرص) على "مصر" من جانب و "دول الخليج" من جانب آخر.
أولاً: التأثير على مصر (قناة السويس)
تتأثر مصر بشكل مباشر بالتغيرات في طرق الملاحة العالمية، خاصة مع سعي القوى الكبرى لإيجاد بدائل للممرات التقليدية تتمثل في:
1- انخفاض إيرادات قناة السويس حيث أدت التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر إلى تراجع حركة المرور في قناة السويس بنسبة تجاوزت 60% في عام 2024، مما تسبب في خسائر تقدر بنحو 7 مليارات دولار.
ثانيا: البدائل الإستراتيجية حيث تعمل روسيا والصين على تطوير طريق القطب الشمالي (Northern Sea Route) كبديل أسرع يربط آسيا بأوروبا، مما قد يسحب جزءاً من حصة قناة السويس مستقبلاً في نقل النفط والسلع.
ثالثا: إعادة توجيه النفط الروسي بدلاً من مروره عبر القناة إلى أوروبا، أصبح يتجه شرقاً نحو الصين والهند، ما يغير نمط السفن العابرة للقناة.
ثانياً: التأثير على دول الخليج
تعيش دول الخليج حالة من التوازن المعقد، حيث تحاول الحفاظ على أسواقها التقليدية في الغرب مع تلبية الطلب المتزايد في الشرق.
* المنافسة على السوق الصيني: أصبحت روسيا أكبر مورد للنفط للصين (بحصة 19%)، متجاوزة السعودية (15%)، مما اضطر الرياض لتقديم خصومات سعرية للحفاظ على حصتها السوقية.
* تنويع العملات والتحالفات: انضمام السعودية والإمارات وإيران لمجموعة بريكس (BRICS) يعزز التوجه نحو بيع النفط بعملات غير الدولار (مثل اليوان الصيني)، وهو ما يقلل من تأثير الهيمنة المالية الأمريكية.
* أمن الممرات المائية: أي تصعيد أمريكي تجاه إيران أو الصين قد يهدد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 80% من صادرات الطاقة الآسيوية، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن بشكل كبير. د
ملخص التأثيرات الاقتصادية (حسب تقديرات 2024-2026):
التأثير على مصر
تهديد مباشر لمكانة قناة السويس بسبب طرق بديلة.
انخفاض في الدخل القومي بصفة عامة و انخفاضه من العملة الاجنبية بشكل خاص بسبب نقص رسوم العبور عبر القناة في مقابل استقرار نسبي في اسعار وارداتها من النفط بسبب استقرار الاسعار.
لكن ياتي تقلص دور منصة الخدمات االلوجستية ايضا كتأثير سلبي .
التأثير على الخليج
ضغط على مضيق هرمز يرفع تكاليف النقل.
منافسة شرسة مع النفط الروسي "الرخيص" في آسيا.
بشكل عام، تحاول دول الخليج استثمار الصراع لتعزيز قوتها التفاوضية، بينما تسعى مصر لتأمين قناة السويس كشريان لا غنى عنه وسط اضطرابات سلاسل الإمداد.
الخلاصة: نظام متعدد الأقطاب لا أحد يتحكم به
العالم لم يعد أحادياً (القطب الأميركي) ولا ثنائياً (أمريكا ضد الصين)، بل أصبح متعدد الأقطاب فوضوي. لكل لاعب أوراقه
المستفيد الأكبر؟ لا أحد.
الخاسر الأكبر؟ العالم بأسره.
أي حرب في أي مضيق من هذه المضايق سترفع أسعار النفط إلى مستويات تجعل ركود 2008 يبدو كـ"نزهة قصيرة".
ربما يكون السؤال الأهم ليس "من سيسيطر على النفط؟"، بل "كم عدد المضايق التي يجب أن تشتعل قبل أن تدرك القوى الكبرى أن أمن الطاقة أصبح رهينة لأضعف الحلقات؟" والإجابة، كما يبدو، لم تأت بعد.
----------------------------------
تقرير - إلهام عبدالعال

مصادر المعلومات:
- وكالات الطاقة الدولية مثل وكالة الطاقة الأمريكية(EIA( و وكالة الطاقة الدولية (IEA)
- المواقع الرسمية لهيئات الموانئ الملاحية.
- المواقع الرسمية للمؤسسات المالية مثل صندوق النقدية الدولي و البنك الدولي
- بعض الوكالات الاعلامية الاقتصادية مثل بلومبرج.






