30 - 04 - 2026

ريشة تأبى الانكسار: عاصم عبد الفتاح ينسج من شقاء الكادحين زهو الألوان

ريشة تأبى الانكسار: عاصم عبد الفتاح ينسج من شقاء الكادحين زهو الألوان

ليس ختام المعرض إلا تحررا للجمال من حيز الجدران إلى فضاء الشعور؛ حيث تصبح اللوحة فكرة، والفكرة أثرا لا يمحى. تبدأُ الرحلة الأعمقَ حين يستقر في الذاكرة؛ هكذا تركتنا تجربة الفنان عاصم عبدالفتاح في "جاليري بيكاسو" بالتجمع، أثرا لا يمحى، وحوارا بصريا ممتدا يتجاوز حدود القاعة الزمانية والمكانية.

في كل لوحة لعاصم عبدالفتاح، ثمة "نداءٌ" خفي، ليس للعين وحدها، بل لتلك المناطق الساكنة في الوجدان. لم يكن معرضه الأخير مجرد عرض لمجموعة من الأعمال، بل كان بيانا تشكيليا يعيد صياغة علاقتنا بالواقع. فالفنان هنا لا ينقل المشهد، بل "يستحضره" من ذاكرةٍ جمعية، يمزج فيها شقاء الكادحين بزهو الألوان، وينحت ملامح صلبة لإنسان يأبى الانكسار.

نجح الفنان في تحويل المشاهد العابرة — كرجل يجر عربة مثقلة بالحياة، أو طفل يرقب العالم بحذر — إلى أيقونات معاصرة. إن استخدامه للعناصر التعبيرية ليس غرضه التوثيق، بل منح "اللحظة الإنسانية" قدسية فنية. الشخوص لديه لا تتحرك في فراغ، بل هي جزءٌ من نسيج معماري متلاحم مع المدينة وخلفياتها المزخرفة بالتراث.

ففى لوحة "رجل يجر عربة" ليست مجرد رصد لمعاناة، بل هي احتفاء بصري بقوة الإرادة، حيث تتحول "عجينة اللون" إلى جسد يتنفس، والمساحة المسطحة إلى فضاء فلسفي يتأمل جوهر الروح المصرية المعاصرة. انها وثيقة بصرية تلخص فلسفة الفنان في "أيقنة اليومي"، حيث يعيد صياغة المشهد الواقعي عبر بناء هندسي محكم يزاوج بين التجريد التعبيري والتشخيص الرمزي. يتجلى بطل اللوحة كمركز ثقل درامي؛ فبينما تنطق ملامحه بإرهاق الوجود، يعلن تكوينه الجسدي عن "صمود ميثولوجي". أما ذلك الحمل التجريدي الملون، فليس عبئا ماديا بقدر ما هو "تراكم الذاكرة" ومزيج من الأمل والألم الذي يصيغ هوية الكائن. لقد نجح الفنان في خلق "وحدة عضوية" بين الإنسان وامتداده الحضري. المدينة خلفه ليست مجرد إطار مكاني، بل هي نسيج من الأشكال الهندسية والزخارف التي تمتص الفرد وتمنحه سياقه التاريخي، مما يحول الفوضى الحضرية إلى "هارموني" بصري رصين. تبرز قوة الأداء في الاحتفاء بالخامة. فالالوان والمساحات تمنح السطح نفسا محسوسا، بينما يلعب التضاد اللوني بين الحار والبارد دور المايسترو الذي يقود إيقاع اللوحة بين سكون الكتلة وحركية الخط.

لا يكتفي عاصم باستعادة الرموز التراثية، بل يذيبها في بوتقة الحداثة، لتصبح الزخرفة جزءاً من بنية التفكير في اللوحة لا مجرد حلية تجميلية.

عرفت عاصم عبدالفتاح مهموما بطبقات الشعب بكل أطيافه يتفاعل معهم ويتأثر بأفراحهم واتراحهم ويترجم هذا الشعور بأسلوبه الفريد.

ففى لوحة "العرس" التى استلهمها من فيلم "اسماعيل يس في مستشفى المجانين" تجسد هذه اللوحة لعاصم عبد الفتاح أسلوبه الفني الفريد الذي يجمع بين التعبيرية الرمزية والاحتفاء بالخامة. من خلال تركيزه على القضايا الاجتماعية والتباين الطبقي، واستلهامه للموروث الثقافي، واستخدامه للألوان والملمس بشكل مبتكر، يقدم الفنان رؤية فنية عميقة ومؤثرة تتجاوز مجرد التمثيل البصري وتلامس القضايا الإنسانية والفلسفية المعاصرة.

تتوسط اللوحة سيدة أنيقة ترتدي فستانا أبيض وتزين رأسها بغطاء مزخرف، وتجلس على كرسي فخم. بجوارها رجل ضخم يرتدي بدلة زرقاء وربطة عنق حمراء. يبرز الفنان هذا التباين الواضح بين العروسة والعريس، ويتميز التكوين بتداخل العناصر والشخصيات، مما يخلق إحساسا بالحيوية والحركة. الزهور الملونة في الأسفل تضيف لمسة جمالية، والخلفية المكونة من أشكال هندسية وألوان زاهية تضيف عمقا وسياقا للمشهد، حيث تبرز التناقضات بين الأماكن المختلفة والتجارب المتنوعة. وقد استخدم الفنان الألوان الزاهية والمتنوعة ليخلق حيوية وديناميكية في اللوحة. تباين الألوان الحارة والباردة يضيف عمقا وجاذبية بصرية، بينما تضفي ضربات الفرشاة الخشنة والملمس الغني أبعادا حسية تجعل المشاهد يشعر بالحركة والقوة. هذا الاهتمام بالملمس يعزز من تعبيرية اللوحة ويجعلها تنبض بالحياة.

ورغم حداثة أسلوبه، يستلهم الفنان عناصر من الموروث الثقافي المصري والعربي، ويعيد صياغتها برؤية معاصرة. الأشكال الهندسية والزخارف التقليدية تتداخل مع التكوين الحديث، مما يعكس تواصل الفنان مع تاريخه وثقافته مع تقديمها في سياق فني جديد.

تعد "عجينة اللون" عند عاصم عبدالفتاح لغة قائمة بذاتها. فهو لا يداعب القماش برقة الفرشاة، بل يواجهه بقوة الخطوط، مما يخلق نتوءات بصرية تمنح اللوحة بعدا ثالثًا. هذا الملمس ليس مجرد تقنية، بل هو معادل بصري لخشونة الحياة وصمود أبطاله. الألوان لديه لا تتجاور فحسب، بل "تتصادم" لتنتج وهجا دراميا يجمع بين دفء الأرض وبرودة الأفق.

تتسم لوحاته ببناء هندسي رصين؛ حيث تتداخل المساحات التجريدية مع التشخيص في وحدة عضوية مذهلة. يظهر ذلك بوضوح في قدرته على دمج الرموز الشعبية والمعمارية في خلفيات اللوحات، وكأن الإنسان لديه هو "ابن البيئة" بامتياز، لا ينفصل عنها ولا تكتمل هي بدونه.

في حضرة ريشة عاصم عبد الفتاح، نحن لا نقف أمام مجرد أسطح ملونة، بل أمام عتبات تطل على "زمن مواز"؛ زمن لا يقاس بالدقائق، بل بوعي الفنان الذي يقتنص اللحظة الهاربة ليحتفى بها في تفاصيل الكتلة واللون.

تتجلى أعماله كأنها محاورة بصرية بين الصمت والضجيج، حيث ينسج من "عجينة" اللوحة جسورا تعبر بنا من الواقع الملموس إلى آفاق الرمزية الفسيحة. إنها لغة تشكيلية تبحث عن "جوهر الإنسان" العالق بين إرث الأرض وتطلعات السماء، فتأتي ضربات الفرشاة والملمس الخشن كشهادة حية على صراع الوجود وانعكاسات الروح في مرآة الفن.

في هذا الفضاء، تصبح اللوحة كيانا يتنفس، وتتحول الألوان إلى تراتيل صامتة تعيد صياغة الهوية والذاكرة بأسلوب يجمع بين صلابة المعمار وشاعرية الحلم، ليظل أسلوبه عصيا على التنميط، ومتجددا كالنهر الذي يغترف من التراث ليصب في بحر المعاصرة

يعد الفنان عاصم عبدالفتاح علامة مميزة في الفن التشكيلي المصري المعاصر، حيث يمتلك بصمة بصرية تجمع بين العمق الفلسفي والتمكن التقني.

يركز عاصم عبدالفتاح في أعماله على الإنسان كبطل أساسي، لكنه لا يقدمه بشكل واقعي فوتوغرافي، بل ككيان رمزي محمل بالمشاعر والأفكار. تظهر شخوصه غالبا في حالات من التأمل، الحلم، أو الصراع الداخلي، مما يضفي صبغة تعبيرية قوية على لوحاته.

يتميز أسلوبه بالبناء الرصين للمشهد؛ حيث يتعامل مع المسطح بذكاء هندسي يوزع فيه الكتل والفراغات بشكل متوازن. وغالبا ما تتداخل العناصر البشرية مع الرموز المحيطة بها لتشكل وحدة عضوية واحدة، مما يعطي إحساساً بالتماسك والصلابة في التكوين.

يميل إلى استخدام درجات لونية مدروسة بعناية، حيث يوظف الألوان لخلق حالة وجدانية معينة (مثل استخدام الألوان الترابية الدافئة أو الأزرق العميق)، ويستلهم بعض عناصر الموروث الثقافي المصري والعربي، ويعيد صياغتها برؤية معاصرة. فهو لا ينقل التراث بشكل حرفي، بل يمتصه ويخرجه في شكل "شفرات" بصرية تعبر عن الهوية بأسلوب تجريدي أو تعبيري حديث، مع تأكيده على التضاد الممتع في أعماله بين سكون الأشكال وقوة الحركة الكامنة في الخطوط والضربات اللونية. هذا المزيج يجعل المتلقي يشعر أن اللوحة "تتنفس" أو أنها لحظة متوقفة من زمن طويل.
----------------------------
كتب - 
د. سامى البلشى