في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، هزّ حدثان متتاليان البنية السياسية للقارة الأوروبية من أعماقها: سقوط رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الحليف الوثيق لترامب ونتنياهو، في انتخابات عامة شهدت إقبالاً قياسياً على التصويت، ثم، في اليوم التالي مباشرة، إعلان رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعليق اتفاقية التعاون العسكري مع إسرائيل، التي تشمل تبادل المعدات العسكرية وأبحاث التكنولوجيا، في ظل التطورات الراهنة.
هذان الحدثان ليسا مصادفةً، ولا حتى تزامناً عارضاً. إنهما فصلان من رواية واحدة تكتبها شعوب أوروبا بأصواتها وضغوطها، بعد سنوات من الصمت المرّ على جرائم لا يمكن لأي ضمير حي أن يواصل تجاهلها.
سقوط أوربان نهاية نموذج، لا مجرد خسارة انتخابية
انتخابات المجر لعام 2026 لم تكن مجرد تناوب سياسي، بل مثّلت تحولاً بنيوياً في هوية الدولة ومسارها الأوروبي. سقوط أوربان بعد ستة عشر عاماً من الحكم، وصعود بيتر ماغيار وحزبه "تيسزا" بأغلبية دستورية، يعكس رغبة شعبية عارمة في التغيير.
حظي أوربان قبيل الانتخابات بدعم قوي من ترامب، تجلّى في زيارة نائبه جاي دي فانس إلى بودابست التي امتدح فيها أوربان وانتقد "بيروقراطيي بروكسل". غير أن هذا الدعم الرئاسي الأمريكي المُعلن لم يُجدِ نفعاً. الدرس القاسي الذي تلقّاه ترامب هو أن دعمه العلني لم يعد صك غفران يضمن الفوز للحلفاء.
والأهم أن أوربان يُعدّ من أبرز الحلفاء السياسيين لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، إذ عُرف بمواقفه الداعمة لتل أبيب واستخدامه حق النقض في ملفات أوروبية حساسة. فسقوطه لا يعني إذن مجرد خسارة حزب محافظ، بل يعني انهيار الدرع الأوروبية الأكثر التزاماً بحماية إسرائيل داخل المنظومة الأوروبية. قد ينعكس هذا التغيير على موقع إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، ففي عهد أوربان كانت المجر تمثّل إحدى أبرز الدول التي تستخدم حق النقض لعرقلة مواقف أوروبية جماعية في ملفات السياسة الخارجية.
ما الذي أسقطه حقاً؟ ليس المعارضة وحدها، وليس برامج الاتحاد الأوروبي الاقتصادية وحدها. ما أسقطه هو التعاطف الشعبي الجارف مع فلسطين ولبنان وإيران، الذي حوّل جمهور أوربان نفسه — في بلد يُقدَّم دائماً بوصفه معقلاً للقومية المحافظة — إلى جمهور لم يعد يحتمل أن يرى حكومته تقف في الضفة التي تُباد فيها المستشفيات والأطفال. نسبة المشاركة في التصويت بلغت مستوى قياسياً، مع تقدم ملحوظ في المدن وبين الناخبين الشباب الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة، وهو ما يكشف أن الأجيال الجديدة لم تعد مستعدة لتحمّل تكاليف الولاء للمنظومة الصهيونية.
ميلوني حين تنكسر أحجار الدومينو
الحدث الثاني، في روما، يحمل دلالة أعمق بكثير مما تبدو عليه الصياغة الدبلوماسية الباردة للإعلان. ميلوني أعلنت تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل التي تتضمن تبادل المعدات العسكرية وأبحاث التكنولوجيا، مؤكدةً أن الإبقاء عليها كان "مسألة صعبة سياسياً الجملة "سألة صعبة سياسياً هي في حد ذاتها شهادة وفاة رمزية للمعادلة التي حكمت أوروبا لعقود: معادلة أن دعم إسرائيل أو الصمت عن جرائمها هو ثمن السلامة السياسية. اليوم باتت المعادلة معكوسة تماماً: التضامن مع إسرائيل هو الخطر السياسي، وقطع التعاون معها هو ما يُنقذ المواقع الحكومية.
لم يأتِ قرار ميلوني من فوق فقط، بل نتج عن ضغط داخلي كبير، إذ طالبت أحزاب المعارضة الإيطالية منذ فترة طويلة بوقف الاتفاق مع إسرائيل. والأبلغ في الدلالة أن إسرائيل، في تعليقها الرسمي، حاولت التهوين من الأمر مدّعيةً أن المذكرة لم تتضمن محتوى جوهرياً، لكن هذا لا يُخفي أن إسرائيل تواجه خسائر استراتيجية تتجاوز الجانب المادي، إذ تحولت حكومة ميلوني، التي كانت شريكاً لإسرائيل، إلى منتقد صريح، كما منعت استخدام قاعدة "سيغونيلا" لنقل أسلحة أمريكية إلى الشرق الأوسط.
وكان رد فعل واشنطن فاضحاً: انتقد ترامب ميلوني على خلفية رفضها الانخراط في الحرب على إيران، معرباً عن "صدمته" وخيبة أمله من موقفها. رئيس أمريكا يصطدم بخيبة أمل من حليفته الأوروبية الأكثر التزاماً بخطابه. هذا يعني ببساطة أن القوة الأمريكية بدأت تعيش لحظة نهاية الأوامر.
أوروبا وهرمز التمرد الصامت على الإمبراطور
لم يكن موقف ميلوني حادثةً منفردة، بل جاء في سياق موقف أوروبي أشمل وأعمق يمتد عبر القارة كلها. فعندما طلبت واشنطن من حلفائها الانضمام إلى حصار عسكري على مضيق هرمز ومشاركتها في حربها على إيران، جاء الرد الأوروبي صارماً ومُوحَّداً في جوهره. فشلت جهود الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز، في ظل رفض أو تردد غالبية حلفاء واشنطن وعلى رأسهم دول حلف شمال الأطلسي، ما يعكس أزمة ثقة متفاقمة بين الإدارة الأمريكية وشركائها التقليديين.
الموقف الأوروبي حاول الفصل بين التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وبين الانخراط في حرب لا ترى أوروبا فيها خدمة لمصالحها. وذهبت أوروبا أبعد من ذلك، إذ باتت دول أوروبية تعمل على إعداد خطة لما بعد الحرب تهدف إلى تشكيل ائتلاف واسع من الدول من دون مشاركة الولايات المتحدة للمساهمة في استعادة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، على أن لا تكون السفن الأوروبية المشاركة تحت قيادة أمريكية.
هذا الموقف ليس مجرد موقف دفاعي لحماية الاقتصاد الأوروبي، بل هو في جوهره إعلان استقلال سياسي عن الأوامر الأمريكية. رفض الاتحاد الأوروبي "المشروع المشترك" الذي اقترحه ترامب مع إيران لإدخال نظام الدفع مقابل المرور في مضيق هرمز، واصفاً إياه بأنه غير قانوني، فيما رفضت المفوضية الأوروبية أي خطة لفرض رسوم على السفن العابرة، قائلةً إن هذه الرسوم تتعارض مع القانون البحري الدولي. وهنا المفارقة الصارخة التي تكشف الوجه الحقيقي لهذه المرحلة: أوروبا، التي كانت تاريخياً الظهير الغربي الأول لأمريكا وإسرائيل، ترفض في أحلك لحظات الحرب الانخراط في معركتهما. هذا يعبّر عن تحول أعمق في النظام الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على حشد حلفائها بسهولة كما في السابق، في ظل تصاعد النزعات الاستقلالية لدى الدول الأوروبية.
أمة الإيمان والعزة في مواجهة برامج الذل
وهنا يأتي الألم الأعمق الذي يصعب على قلم حر أن يُمرّره صامتاً. فهذه الأمة التي رفع الله شأنها بالإيمان، وجعلها "خير أمة أُخرجت للناس"، تراها اليوم — في مشهد يفطر الأكباد — ممثّلةً على خشبة المسرح الدولي بنخب حاكمة تقف في خندق من يقصف المساجد والأطفال، بينما يرفض غيرهم من غير المسلمين هذا الخندق لأن ضمائرهم لم تُخمد بعد.
الحزن ليس على إيران وحدها، ولا على فلسطين وحدها، بل على هذه الظاهرة المتكررة: أن المسلم يجد في زعيم أوروبي أو برلماني غربي أكثر شجاعة في الانحياز للحق مما يجده في حاكم عربي يحكم باسم الإسلام ويتلو آياته. إن الشعوب العربية تعيش هذا التناقض القاسي بين هوية إيمانية راسخة في الوجدان وولاء سياسي مفروض بالإذلال والابتزاز — وكأن مائة عام من برامج الإذلال الاستعماري قد نجحت في فصل الحاكم عن شعبه وعن دينه، بينما فشلت في فرض نفس المنطق على شعوب أوروبا التي تمتلك من التجربة الديمقراطية ما يجعلها قادرة على إسقاط الحاكم الخاطئ.
الإيمان والعزة ليسا مجرد عقيدة في الصدور، بل هما في الحياة السياسية موقفٌ وإرادة وقرار. حين يقول الأوروبي "لن أشارك في هذه الحرب" ويُنفّذ، ويقول الحاكم العربي "هذه أرضي وسيادتي" ولا يُنفّذ، يصبح السؤال الذي لا مفر من طرحه: أين يكمن الإيمان بكرامة الإنسان، وأين يكمن الخضوع الحقيقي؟
نهاية عصر
ما نشهده اليوم ليس أزمة سياسية عابرة. نحن نشهد نهاية عصر إمبراطوري كامل. عصر كان فيه الاستبداد التابع لواشنطن وتل أبيب مصدر القوة وضمانتها. اليوم أصبح مصدر الضعف والانهيار.
أوربان يسقط. ميلوني تنكسر. أوروبا ترفض الحرب على إيران وترفض الحصار على هرمز. اللوبي الصهيوني يتراجع في أوروبا وسيتراجع في أمريكا. والمنظومة التي كانت تحكم بالابتزاز والخوف باتت تتكشّف على الملأ، فيرى الناس في بودابست وروما وباريس وواشنطن ما لم يكونوا يريدون الاعتراف بوجوده.
أما الحكام العرب الذين اختاروا أن يقفوا في خندق أمريكا وإسرائيل، بينما رفض الأوروبيون ذلك الخندق بملء إرادتهم، فأمامهم فرصة أخيرة ربما لا لأنهم كسبوا مودة شعوبهم، بل لأن أمريكا وإسرائيل أنفسهما في لحظة ضعفهما الأشد — أن يُراجعوا الحسابات قبل أن يُحاسبهم التاريخ مرتين: مرة على الخيانة، ومرة على الوقوع في الجانب الخاسر. وربما تتسامح الشعوب مع من تاب ووقف معها في الوقت المناسب. أما من بقي في الخندق الخاطئ حتى اللحظة الأخيرة، فلن يجد له عذراً في السجلات — لا سجلات التاريخ، ولا سجلات الله الذي رفع شأن هذه الأمة بالإيمان والعزة.
-----------------------------------
بقلم: عزّ الدين الهواري







