30 - 04 - 2026

كتاب عراقجي: العرب ودرس التفاوض على الطريقة الإيرانية

كتاب عراقجي: العرب ودرس التفاوض على الطريقة الإيرانية

حين تقرأ كتاب الوزير عباس عراقجي المعنون قوة التفاوض، تتذكر على الفور النصيحة التي أسداها الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل للرئيس أنور السادات مع بدء المفاوضات المكوكية بين القاهرة وتل أبيب، عبر ثعلب السياسة الأمريكية ووزير خارجيتها ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، عقب حرب أكتوبر 1973. وتعرف لماذا كانت تلك النصيحة ثمينة.

تحسَّب هيكل مبكرًا من أن يقع السادات فريسة سهلة في يد كيسنجر. ولدى أول لقاء بينهما، كانت نصيحته واضحة: ألا يتفاوض السادات منفردًا، وأن يُشكِّل وفدًا موسعًا يضم الدكتور محمود فوزي، واللواء حافظ إسماعيل، وإسماعيل فهمي. 

قال له بوضوح لا يحتمل التأويل: إن كيسنجر مفاوض ذكي، وقد درس أوضاعنا، ويعرف أن القرار كله في يدك، وسوف يضغط عليك ليحصل على أكبر قدر ممكن من التنازلات.

لم يقتنع السادات، واتخذ قراره بأن يكون التفاوض مباشرًا بينه وبين كيسنجر. 

وفي 7 نوفمبر 1973، جلس الوفدان تحت الأضواء لالتقاط الصور، ثم خرج الجميع، وبقي الرجلان وحدهما.

وهناك بدأت القصة الحقيقية.

في هذا اللقاء الحاسم، الذي وصفه هيكل بأنه من أخطر لحظات التاريخ المصري الحديث، قال السادات لكيسنجر ما لا يُقال عادة على موائد التفاوض: أنه ضاق ذرعًا بالسوفييت، وقرر إنهاء العلاقة معهم، وأكد أن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب مع إسرائيل، وتحدث عن فشل التجربة الاشتراكية ورغبته في مسار جديد. 

وانتهى اللقاء بقبول النقاط الست التي طرحتها جولدا مائير. وحين سُئل كيسنجر كيف حقق ذلك في ثلاث ساعات، أجاب بجملة مكثفة: 

ـ لم أبذل جهدًا… لقد وجدته جالسًا على حجري.

هذه القصة ليست استدعاءً للتاريخ، بقدر ما هي مفتاح لفهم الفارق بين مدرستين في التفاوض: مدرسة ترى التفاوض لحظة عابرة، وأخرى تراه عملية ممتدة.

حين كتب عباس عراقجي كتابه قوة التفاوض، لم يكن يقدم دليلًا تفاوضيًا بقدر ما كان يضع خلاصة تجربة دولة في إدارة صراع طويل ومعقد مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة. 

تتبلور في هذا الكتاب معادلة حاكمة تبدو بسيطة في ظاهرها، شديدة التعقيد في تطبيقها: صلابة في الأهداف، ومرونة في الوسائل، بحساب دقيق لا يترك شيئًا للصدفة.

ومن دون فهم هذه المعادلة، يصعب قراءة ما جرى في جولة المفاوضات الأخيرة التي بدأت قبل أسبوع ثم توقفت؛ على نحو يبدو ظاهريًا تعثرًا، لكنه في العمق أقرب إلى إعادة تموضع.

الإيرانيون لا يدخلون التفاوض بحثًا عن حل سريع، بل باعتباره ساحة أخرى للمواجهة. 

الاتفاق ليس غاية في ذاته، بل محطة ضمن مسار أطول لإدارة توازن القوى. لذلك، لا يُقاس النجاح بسرعة الوصول إلى نتيجة، بل بقدرة تحسين الشروط تدريجيًا، حتى لو تطلب ذلك إطالة الزمن أو قبول لحظات من التوقف الظاهري.

في هذا الإطار، تبدو الصلابة أول ملامح السلوك الإيراني: وضوح خطوط حمراء، وتمسك بما يُعد جوهرًا استراتيجيًا لا يقبل المساومة، ورفع سقف المطالب، والإصرار على عدم تقديم تنازلات مجانية.

لكن خلف هذه الصلابة تعمل مرونة محسوبة بدقة: إعادة ترتيب الموقف بدل تفكيكه، وتحريك التفاصيل داخل الإطار دون كسره، عبر إعادة صياغة البنود، وتعديل الأولويات، وفتح مسارات جانبية، وتأجيل ما لا يمكن حسمه. 

إنها مرونة لاعب شطرنج، لا يضحي بقطعة إلا ليكسب موقعًا، ولا يتراجع إلا ليصنع تقدمًا لاحقًا.

هذا التداخل بين الصلابة والمرونة يفسر مسار الجولة الأخيرة. 

البداية بدت منفتحة، لكنها اصطدمت سريعًا بحدود لم يكن أي طرف مستعدًا لتجاوزها. 

غير أن التوقف لم يكن إعلان فشل، بل جزءًا من منطق التفاوض نفسه؛ فحين لا تنضج الشروط، يصبح التوقف أداة تفاوض لا نهاية له.

ويظل الزمن هنا عنصرًا حاسمًا، إطالته تمنح فرصة لامتصاص الضغوط، وإعادة ترتيب الأوراق، وانتظار تحولات في البيئة الدولية أو الأمريكية.

لذلك فإن التباطؤ لا يعني العجز، بل قد يكون شكلًا من أشكال التقدم غير المرئي.

كما أن الضغوط، سواء كانت عقوبات أو تهديدات تُقرأ كعناصر يُعاد توظيفها داخل التفاوض: كل ضغط يُعاد تفسيره، وكل تهديد يتحول إلى ورقة تفاوض إضافية.

أما الأسلوب، فهو أقرب إلى “البازار السياسي”: عرض مرتفع، مساومة طويلة، غموض محسوب، وتنازل في اللحظة المناسبة، مع إبقاء الملفات مفتوحة لإعادة التفاوض بما يسمح بتراكم المكاسب تدريجيًا.

وهكذا تتضح دلالة المقارنة: في حالة يُختزل فيها القرار في شخص واحد، يتحول التفاوض إلى لحظة مكثفة. وفي حالة أخرى، تتوزع الدولة على مستويات متعددة، ويتحول التفاوض إلى مسار طويل لإدارة القوة.

هناك كان الزمن ضغطًا… وهنا هو أداة.

هناك كان التفاوض حدثًا… وهنا هو مسار.

التوقف الحالي لا يعني نهاية المسار، بل مرحلة من مراحله الطبيعية داخل حركة إعادة تشكيل موازين القوة.

وفي المحصلة، يكشف قوة التفاوض أن ما يبدو تعثرًا قد يكون أحد أشكال التقدم. 

إيران لا تفاوض لإنهاء الصراع، بل لإعادة صياغته خطوة خطوة.

ومن بين صفحات كتاب عراقجي، لا يبدو أننا أمام تجربة تفاوضية فقط، بل أمام منطق كامل لإدارة الصراع. 

وهنا يبرز الدرس الذي يجب أن نتعلمه، ليس في استنساخ التجربة، بل في فهم بنيتها.

التجربة الإيرانية تقوم على بناء مؤسسي لا يختزل القرار في فرد، بل يوزعه داخل منظومة تمنع تحويل التفاوض إلى اختبار شخصي تحت الضغط، وهو ما يفسر نصيحة هيكل القديمة للسادات حين حذره من الدخول منفردًا في مواجهة كيسنجر.

وتتأسس أيضًا على فكرة أن الهدف ليس صفقة سريعة، بل أفضل صفقة ممكنة ضمن مسار طويل، وأن التراجع المؤقت جزء من التقدم لا نقيض له.

كما تقوم استراتيجية التفاوض على إدارة دقيقة للتوازن بين الصلابة والمرونة، حيث لا تشدد بلا حساب، ولا مرونة بلا إطار، بل حساب مستمر: متى يُشد، ومتى يُرخى، ومتى يُؤجل. مع استيعاب الضغوط داخل العملية التفاوضية لا خارجها، وتُستخدم كجزء من توازن القوى بدل أن تكون وسيلة لكسره.

الخلاصة الأعمق لا تتعلق بالتقنيات، بل بالفلسفة: التفاوض ليس لحظة لإغلاق ملف، بل مسار طويل لإدارة صراع مفتوح.

ومن لا يملك مشروعًا واضحًا يتحول تفاوضه إلى رد فعل، بينما من يملك رؤية يصبح تفاوضه أداة لصياغة الواقع نفسه.

على هذا الأساس يتحدد الفارق بين من يفاوض ليُنهي أزمة، ومن يفاوض ليعيد تشكيلها، هناك تُكتب النتائج.
-------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

أمريكا بعد ترامب: تفوّق مهدَّد أم انهيار مؤجَّل؟