في مدنٍ تعجّ بالحياة، حيث الضجيج لا يتوقف، ثمة صمتٌ أكثر فداحة من كل الأصوات. صمتٌ يتسلل إلى الأرواح قبل أن يظهر في العناوين، ويعلن عن نفسه بأقسى الطرق الممكنة. ما بين حكاية انتحار سيدة الأسكندرية بسنت سليمان، وواقعة انتحار شاب كوبري المظلات بالقاهرة، وقبلها انتحار الرجل المُسن على ابواب مستشفى حكومي، بل وحتى الأسرة التي اختارت الرحيل الجماعي في الإسكندرية، تتشكل أمامنا لوحة لا يمكن اختزالها في مجرد حوادث فردية عابرة.
هذه الوقائع، رغم اختلاف تفاصيلها، تلتقي عند نقطة واحدة: شعور ثقيل بالعجز عن الاستمرار. ليس العجز البيولوجي، ولا حتى الاقتصادي فقط، بل ذلك العجز المركّب الذي يجعل الإنسان يرى الطريق مسدودًا من كل الاتجاهات. حين يصبح البقاء نفسه عبئًا، لا خيارًا.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذه الأفعال لم تعد مجرد قرارات فردية يائسة، بل تحولت إلى لغة. نعم، لغة قاسية وصادمة، لكنها تظل وسيلة تعبير أخيرة لمن لم يجدوا وسيلة أخرى. وكأن أصحابها يقولون: “لم يسمعنا أحد ونحن أحياء، فربما يُنصت إلينا العالم بعد الرحيل.”
في ظل ما يُسمى بـ الجمهورية الجديدة، يُفترض أن تكون هناك مساحات أوسع للأمل، وأن يشعر المواطن بأنه جزء من معادلة لها معنى. لكن حين تتكرر هذه الحوادث، يصبح السؤال مشروعًا: أين تتسرب هذه المساحات؟ ولماذا يبدو أن بعض الناس لا يجدون لأنفسهم موطئ قدم داخل هذا الإطار؟
المشكلة ليست في حدث بعينه، بل في التراكم. في تلك اللحظات الصغيرة التي تُهمل، في الشكاوى التي لا تجد طريقها، في الإحساس المتنامي بأن الصوت لا يصل. الإنسان لا ينتحر فجأة، بل يتآكل ببطء. وكل يوم يمر دون أن يجد من يسمعه، يقترب خطوة إضافية من الحافة.
المجتمعات لا تُقاس فقط بمعدلات النمو أو الأرقام الرسمية، بل بقدرتها على احتواء أضعف أفرادها. بقدرتها على التقاط الإشارات المبكرة قبل أن تتحول إلى مآسٍ. حين يصبح الموت وسيلة احتجاج، فهذه ليست مجرد أزمة أفراد، بل أزمة نظام تواصل كامل بين المجتمع وأفراده.
ربما لا نملك إجابات سهلة، لكننا نملك بداية: أن نعترف. أن ندرك أن وراء كل رقم قصة، ووراء كل حادثة إنسانًا كان يبحث عن مخرج. أن نفهم أن الصمت ليس دائمًا رضا، بل قد يكون أقسى أشكال الرفض.
هذه ليست دعوة لليأس، بل محاولة للفهم. لأن أول طريق الحل، هو أن نصغي. أن نمنح الناس مساحة ليعبروا، قبل أن يتحول التعبير إلى فعل نهائي لا رجعة فيه.
ختامًا، حتى نتعلم كيف نسمع، لا كيف نكتفي بالإنصات الشكلي. كيف نلتقط ما وراء الكلمات، لا ما يُقال فقط. كيف نعيد بناء جسور الثقة التي انهارت بصمت، دون ضجيج. أن نتعلم كيف نصدق الألم قبل أن نطالبه بإثباته، وكيف نمنح الأمل قبل أن نطلب الصبر.
لأن المجتمعات لا تنهار حين يعلو الصراخ، بل حين يتقن الجميع الصمت.. وحينها فقط، تصبح كل صرخة أخيرة.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






