18 - 04 - 2026

"دعونا نرَى ماذا سيحدث"

بعد 21 ساعة من المفاوضات المباشرة لم تتكلل محادثات أميركا وإيران في إسلام آباد بالنجاح. تشبه هذه المفاوضات تاريخياً إلى حد كبير مفاوضات الجزائر عام 1981. ففي تلك المفاوضات أيضاً، كان أحد البنود الرئيسية يتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة في أميركا، وهو نفس البند المطروح في مفاوضات 2026، الأمر الذي كان محل نزاع في "الاتفاق النووي"، والذي أشار ترامب إليه باستمرار في خطاباته، بأن باراك حسين أوباما أعطى إيران أموالاً نقدية، في حين أنه أفرج فقط عن أرباح الأصول الإيرانية.

بعد اتفاقية الجزائر، تم إُطلاق سراح الرهائن الأميركيين، لكن أميركا لم تلتزم بنصوص الاتفاقية ولم تفرج عن الأصول الإيرانية التي بلغت قيمتها حوالي 120 مليار دولار. ويبقى السؤال الدائم: لماذا تحتجز أميركا هذه الأصول كرهينة لنحو نصف قرن، ورغم تعاقب الحكومات الديمقراطية والجمهورية، لا تزال تصر على عدم إعادة هذا المال الذي لا يمثل رقماً كبيراً في الاقتصاد الأميركي؟ لم يكن الجانب الاقتصادي الجوهر الرئيسي لهذه المفاوضات، لكنه يمثل جانباً رمزياً.

***

أظهرت هذه الحرب كيف أن نماذج الذكاء الاصطناعي عاجزة أمام الاحتمالات المستقبلية الممكنة، ولا تستخلص النتائج إلا من خلال دراسة الماضي، بل ماضي التاريخ المعاصر فقط. إن مقارنة الحرب الأخيرة مع إيران (التي استخدمت دائماً الجغرافيا كعامل صمود عبر التاريخ) بالحروب التي خاضتها أميركا خلال هذا القرن، ليست مقارنة مكتملة. لا تشبه إيران يوغوسلافيا إلا قليلاً، ولا تشبه العراق إلا قليلاً، ولا تشبه أفغانستان إلا قليلاً، رغم إصرار نماذج الذكاء الاصطناعي على التشابه الكبير لهذه الحرب الأميركية الجديدة مع حروب الثلاثة عقود الماضية. السبب ليس فقط محدودية البيانات، بل أيضاً محدودية الخيال في بناء سيناريوهات المستقبل. ويبدو أن غطرسة أميركا الذاتية أثرت أيضاً على نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية الصنع.

***

خط أنابيب إيلات - عسقلان في إسرائيل، الذي تم بناؤه باستثمارات إيرانية في عهد الشاه، أصبح الآن أحد المنافسين الرئيسيين لمضيق هرمز في نقل الطاقة. لكن أهمية مضيق هرمز لا تقتصر على نقل الطاقة فقط، فثلث الهيليوم، و10% من الألومنيوم، و20% من الأسمدة النيتراتية الزراعية، و30% من الغاز المسال في العالم تمر عبر هذا المضيق، ولا توجد إمكانية لإنشاء خطوط أنابيب أو طرق بديلة لهذه السلع على المدى القصير والمتوسط. 

أظهرت تغريدة إيلون ماسك مدى اعتماد المستقبل التكنولوجي للعالم على هذا المضيق، وإذا لم يعد إلى ما كان عليه قبل الحرب، فستحدث تأخيرات خطيرة في التقدم العالمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والسيارات ذاتية القيادة والسفر إلى الفضاء. لقد أوقفت هذه الحرب مسيرة الحضارة الإنسانية. ما منحته هذه الحرب لإيران هو وعي ذاتي بقدراتها على التدخل الدولي، وحوّلها من لاعب إقليمي إلى لاعب دولي.

لا تريد أميركا تصديق هذه هي الصورة لأنها لم تفكر بها مسبقاً، ولم ترد في نماذج الذكاء الاصطناعي. هذه ليست صورة علمية للحرب، بل هي الصورة الحقيقية، وإذا لم تعترف بها أميركا، فلن يؤدي ذلك فقط إلى تعقيد المفاوضات وإطالتها، بل سيجعل البشرية تنتظرها.

***

معهد موسيقى لأحد أصدقائي تعرض لقصف صاروخي في هذه الحرب، و دُمّرت جميع آلات متجره، فجلس وسط الأنقاض عازفاً على الكمانجة. أظهرت هذه الحرب أن الفن والعلاقات الثقافية لم يعودا عاملين مؤثرين في الحوار بين الثقافات، ولا نملك القدرة على تقريب السياسيين من بعضهم البعض. لا يمكننا جعل الناس يشعرون بأنهم يعيشون في قرية عالمية واحدة. لقد عدنا إلى الوراء، إلى عالم يشبه بداية القرن العشرين، حيث لا تزال الدول الكبيرة تعكس صورة استعمارية عن نفسها، والدول الصغيرة مضطرة ومن أجل البقاء أن تنتظم مثل الطوائف الدينية: جامدة، متعصبة، ومعتمدة على جغرافية البقاء. 

من المؤكد أن إنقاذ الطيار الأميركي من إيران سيتحول إلى أفلام ومسلسلات، أستطيع أن أتخيل كيف ستُفسر المشاهد التي يطلق فيها السكان المحليون النار من بنادقهم "البرنو" على طائرات "بلاك هوك" الأميركية على أنها استعارة لتخلف الشعب الإيراني، لكن هذه هي الصورة الحقيقية لشعب يعرف مكانه في التاريخ ويرفض الاستسلام.

***

عدم قدرة أكبر دولة في العالم على رسم مستقبلها في الحرب أو المفاوضات جعلنا ننتقل من عبارة "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة" إلى عبارة "دعونا نرَى ماذا سيحدث". يردد ترامب باستمرار "دعونا نرَى ماذا سيحدث". هذه العبارة لا تنبع من إحاطة كاملة بالموقف، بل هي علامة على اليأس، وإعادة تسليم العالم للقدر، كما كان الحال في اليونان القديمة. الإنسان أمام قدر كتبته عليه الآلهة. ولكن إذا نظرنا إلى الأمر من منظور يوناني أيضاً، فإن أكثر أشكال إنهاء هذه الحرب عدالةً هو نهاية الشرّ المطلق في هذه الحرب أي نتنياهو بموت مخزٍ. قد يُفسر هذا على أنه رومانسي أو درامي أو لاهوتي، لكنه الشكل الوحيد الذي سيحقق به العالم توازنه اللاحق.
--------------------------------
بقلم: محمد طلوعي
* روائي إيراني
ترجمة: فرزدق الأسدي

مقالات اخرى للكاتب