19 - 04 - 2026

"حصان طروادة" الاقتصادي.. شراكات إسرائيلية للإمارات تجعل استثماراتها تهديدا لأمن مصر القومي

شهدت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي هجوما غير مسبوق من إعلاميين و مسؤولين إماراتيين على مصر بسبب عدم تدخلها في الحرب على إيران دفاعا عن الخليج، وسط حالة من وأذى، وكان الإمارات عندما استثمرت في مصر كانت تتصدق على الشعب المصري، وواقع الأمر ان تلك الصفقات الاستثمارية الاماراتية كانت طعنا في الأمن القومي المصري و لازال هناك صمت يلفه الغموض، حول تسارع تلك الإستثمارات الإماراتية في مصر بشكل غير مسبوق، محققة أرقاماً قياسية تجاوزت 35 مليار دولار في صفقة "رأس الحكمة" وحدها. لكن خلف هذا الزخم الاستثماري، يبرز تساؤل جوهري: هل هذه الاستثمارات دعم لمصر ام خطر يهدد الأمن القومي المصري، هل الشركات الإماراتية شركات أخوة خالصة، أم انها خنجر في قلب مصر و "واجهة" لتمرير نفوذ إسرائيلي إلى أعمق المناطق حساسية فيها؟

حذّر كثير من الخبراء الاقتصاديين والأمنيين من ظاهرة تصاعدية تُعرف باسم "التداخل الإقتصادي الإماراتي الإسرائيلي" وصفها البعض بأنها "حصان طروادة" الاقتصادي، حيث يتم إدخال تقنيات وشراكات ونفوذ إسرائيلي إلى مناطق سيادية مصرية تحت غطاء استثمارات عربية "مقبولة سياسياً".

الموانئ السيادية ثغرة في المراقبة والبيانات

تتصدر شركة "موانئ دبي العالمية" (DP World) قائمة الكيانات المثيرة للجدل. فبينما تدير الشركة الإماراتية ميناء العين السخنة وموانئ أخرى استراتيجية على البحرين الأحمر والمتوسط، تكشف وثائق عن تعاون وثيق تحت الطاولة مع شركات إسرائيلية مثل "DoverTower" و"ZIM" للملاحة و"ترسانة إسرائيل" (Israel Shipyards).

الخطر الحقيقي، وفق تقارير استخباراتية، يتمثل في إدخال تقنيات مراقبة وذكاء اصطناعي إسرائيلية لإدارة حركة السفن وأن بيانات تحركات السفن التجارية والعسكرية في قناة السويس والبحر الأحمر قد تصبح مكشوفة أو قابلة للاختراق من قبل جهات إسرائيلية، وهو ما يمثل انتهاكاً خطيراً للسيادة المصرية على أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

"ميد - ريد لاند بريدج": تهديد مباشر لقناة السويس

في نموذج أوضح للشراكة المباشرة، تبرز شركة "ميد - ريد لاند بريدج" (MED-RED)، وهي كيان مشترك بين شركات إماراتية ومسؤولين إسرائيليين سابقين، وشركة EAPC المملوكة للحكومة الإسرائيلية. الهدف المعلن للشركة هو نقل النفط عبر خط أنابيب يربط إيلات بعسقلان، متجاوزاً قناة السويس.

الخطر هنا مزدوج: الأول، يتمثل في سحب حركة الترانزيت من القناة، مما يضرب مباشرة أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري. والثاني، أن التنسيق الإماراتي لهذا المشروع يعمل في "العمق الحيوي" المصري، ويشكل سابقة خطيرة لإنشاء بدائل برية تضعف الأهمية الجيوسياسية لمصر.

الذكاء الاصطناعي و البيانات السيادية: ثغرة رقمية مفتوحة

شركة G42 الإماراتية الرائدة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، والتي ترتبط بشراكات استراتيجية مع شركة "رافائيل" (Rafael) الإسرائيلية للصناعات الدفاعية، تتوسع بقوة في مصر ضمن مشاريع "التحول الرقمي" والصحة الرقمية والبيانات الضخمة.

يحذر مراقبون من أن إدارة البنية التحتية المعلوماتية المصرية، والبيانات السيادية الحساسة للمواطنين، عبر أنظمة مطورة بشراكة إسرائيلية، يجعلها عرضة للاختراق أو التأثير الخارجي، خاصة في ظل غياب الشفافية حول طبقات التشغيل والتشفير.

قطاع الطاقة: رهينة للتحالف الإماراتي الإسرائيلي

رغم أن شركة "شيفرون" أمريكية، إلا أن دخول "مبادلة للطاقة" الإماراتية كشريك في حقل "تمار" الإسرائيلي للغاز، إلى جانب التنسيق الوثيق في "منتدى غاز شرق المتوسط"، يخلق شبكة مصالح معقدة. الاستثمارات الإماراتية في قطاع الغاز المصري وبنية الإسالة (في إدكو ودمياط) تجعل استقرار الطاقة في مصر مرهوناً باستمرار تدفق الغاز الإسرائيلي الممول والمدار برأس مال إماراتي، مما يضع القرار المصري في واحدة من أكثر الملفات حساسية تحت ضغط خارجي مزدوج.

سيناء والقناة: الاستثمار كغطاء أمني

تشير تقارير إلى أن الاستثمارات الإماراتية في شمال سيناء، وتلك التي تديرها شركة "EDGE" الإماراتية للصناعات الدفاعية بالتعاون مع "إلبيت سيستمز" (Elbit Systems) الإسرائيلية، تدخل أحياناً تحت مسميات "تأمين المنشآت الحيوية" أو "أنظمة المراقبة الحدودية".
الواجهة إماراتية، لكن التكنولوجيا والرقابة السيبرانية إسرائيلية، مما يثير مخاوف من استخدام هذه المشاريع لخدمة رؤية إسرائيلية في سيناء أو ما يتعلق بـ"اليوم التالي" في قطاع غزة، على حساب الدور المصري التقليدي.

استراتيجية "الاندماج الهادئ" وتآكل السيادة

يجمع المحللون على أن هذه الشركات تتبع استراتيجية "الاندماج الهادئ"؛ حيث لا يظهر العلم الإسرائيلي في الأوراق الرسمية المسجلة في مصر، بل تتصدر الأسماء الإماراتية الكبرى، بينما يظل "العقل التقني" و"الشريك الربحي" إسرائيلياً.

يحذر التقرير من أن استمرار هذا النمط من الاستثمار دون رقابة مشددة على الشريك التقني والبيانات والمناطق المستهدفة، قد يؤدي إلى مشكلات عدة بينها:  

اولا: تآكل السيادة الاقتصادية وتحول الدولة من مالك للأصول إلى مجرد منظم.
ثانيا: اختراق معلوماتي للبيانات السيادية والعسكرية.
ثالثا: الارتهان للقرار السياسي الإماراتي الإسرائيلي في ملفات إقليمية حساسة كليبيا والسودان وغزة.

تؤكد الحكومة المصرية في كل مناسبة أن هذه الصفقات هي "شراكات استثمارية" ضرورية لإنقاذ الاقتصاد من أزمة السيولة الدولارية. لكن التقرير يخلص إلى أن الثمن السياسي والاستراتيجي الذي قد تدفعه مصر جراء تحول أراضيها إلى ساحة لتنفيذ أجندات إسرائيلية عبر واجهات إماراتية، هو ثمن باهظ قد يفوق أي مكاسب مالية قصيرة الأجل. ويطالب تقرير مهم بمراجعة شاملة لبنود الشفافية والأمن السيبراني والشركاء التقنيين في جميع العقود الاستثمارية مع الكيانات الإماراتية.

خطة مقترحة للتخلص من شبكة الاختراق الاقتصادي

التخلص من شبكة التغلغل الاقتصادي المعقدة هذه يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين الإصلاح الهيكلي للداخل والمناورة الذكية في الخارج. الأمر ليس مجرد "إلغاء عقود"، بل هو عملية استعادة تدريجية للسيادة الاقتصادية. ويقترح الخبراء المسارات التالية:

أولاً: المسار القانوني والتشريعي: سد الثغرات

· مراجعة "بند الحصانة": مراجعة العقود التي تمنح المستثمرين الأجانب حصانة ضد الملاحقة القضائية المحلية، خاصة في صفقة رأس الحكمة.
· قانون "الأصول السيادية": تشريع يمنع بيع أو منح حق إدارة الأصول التي تمس الأمن القومي (الموانئ، المطارات، قناة السويس، شركات الطاقة) لأي جهة أجنبية تتجاوز حصتها 25%، مع حظر "إعادة البيع" لطرف ثالث دون موافقة البرلمان والأجهزة السيادية.
و النقطة الأهم هي قاعدة "المالك الحقيقي" و التي يتم العمل بها في العديد من دول العالم لإلزام أي شركة أجنبية تعمل في قطاعات حيوية بالإفصاح الكامل عن المستفيد النهائي (Beneficial Owner)، لمنع اختباء الشركات الإسرائيلية خلف واجهات إماراتية.

ثانيا: المسار الاقتصادي الهيكلي تقليل الاحتياج

زيادة الإنتاج و تفكيك "اقتصاد الديون": السبب الرئيسي لهذا التوغل هو حاجة مصر الملحة للدولار.
و الحل الجذري لكل تلك المشكلات هو جدولة الديون ووقف سياسة الاقتراض بضمان الأصول.
و دعم "الظهير الوطني": تشجيع القطاع الخاص المصري الحقيقي على الدخول في هذه الاستثمارات كبديل للمستثمر الأجنبي، وتسهيل التمويل البنكي له بدلاً من بيع الأصول للخارج.
· تنويع الحلفاء: كسر "الاحتكار الإماراتي" للاستثمارات من خلال فتح الباب لشركات من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي في القطاعات الحيوية نفسها، لخلق توازن دولي يمنع انفراد طرف واحد بالقرار.

ثالثا: المسار الأمني والتقني و مواجهة التجسس الرقمي

تأميم البيانات عن طريق إنشاء مراكز بيانات (Data Centers) وطنية بالكامل لإدارة عمليات الموانئ والاتصالات والقطاع الصحي، ومنع شركات مثل G42 من الوصول إلى "العمود الفقري" للمعلومات المصرية.
الأمن السيبراني الوطني بالاعتماد على برمجيات وأنظمة تشفير محلية الصنع أو مفتوحة المصدر (Open Source)، بعيداً عن التقنيات التي تشترك فيها شركات الدفاع الإسرائيلية.

رابعاً: المسار الجيوسياسي: استعادة الدور الإقليمي

من خلال إحياء دور قناة السويس وإحياء مشروع بناء "كيان لوجستي عالمي" مصري خاص ينافس الموانئ الإقليمية، ورفض أي مشاريع تربط البحرين الأحمر والمتوسط تتجاوز السيادة المصرية.
و تعزيز العمق العربي الموازي: تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول لا تتقاطع مصالحها بالضرورة مع الأجندة الإسرائيلية الحالية، لخلق كتلة اقتصادية ضاغطة.

خامسا: عدم اغفال الرقابة الشعبية والبرلمانية والشفافية المطلقة

يجب عرض كل صفقة كبرى (مثل رأس الحكمة أو صفقات الموانئ) على لجنة من الخبراء الوطنيين والبرلمان في جلسات علنية، لتوضيح الأبعاد الأمنية قبل الاقتصادية.
تفعيل "صندوق سيادي مصري" حقيقي: يهدف لاسترداد الأصول المبيعة تدريجياً عبر شراء حصصها مرة أخرى عندما تتحسن المؤشرات الاقتصادية.

الخروج ممكن

الخروج من شبكة الاختراق هذه ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية تضع "الأمن القومي" فوق "السيولة النقدية المؤقتة". مصر تمتلك القدرة البشرية والجغرافية، لكنها تحتاج إلى إدارة تحول الأصول من "سلع للبيع" إلى "أدوات للقوة".

ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الخبراء: هل القطاع الخاص المصري الحالي قادر على منافسة هذه الصناديق السيادية الضخمة إذا أتيحت له الفرصة؟ الإجابة تتوقف على قرارات سياسية تتخذ اليوم، وليس غداً.
اللهم بلغت اللهم فاشهد

------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال

مقالات اخرى للكاتب

الطاقة في عصر المضايق المسدودة:  أمريكا تحاصر، روسيا تراهن على الأنابيب، والصين تبحث عن مخرج و مصر على حافة الخطر