منذ بدء تطبيق منظومة التحول الرقمي بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في 24 فبراير الماضي، لم تعد الأزمة مجرد أعطال فنية عابرة، بل تحولت إلى شلل شبه كامل في تقديم الخدمات التأمينية، انعكس بشكل مباشر وقاسٍ على أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم على حد سواء.
معاناة إنسانية يومية لأصحاب المعاشات
لم تتوقف الأزمة عند تعطيل بعض الخدمات، بل امتدت إلى أخطر ما يمكن، وهو: توقف صرف المعاشات الجديدة لمن خرجوا حديثًا على المعاش، ما حرمهم من مصدر دخلهم الوحيد. تعطل صرف معاشات الورثة (التوريث)، ما ترك أسرًا كاملة بلا مورد رزق بعد وفاة عائلها. تأخر صرف التعويضات والمستحقات، في وقت تشتد فيه الحاجة لكل جنيه لمواجهة أعباء الحياة.
هذه ليست أرقامًا فقط، بل معاناة يومية لأسر لا تجد ما تنفقه على الطعام أو الدواء. شلل يصيب المؤمن عليهم ويعطل الاقتصاد
الأزمة لم تتوقف عند أصحاب المعاشات، بل امتدت إلى المؤمن عليهم وأصحاب الأعمال، حيث:
تعطل إصدار براءات الذمة التأمينية. توقف تسجيل المؤمن عليهم الجدد أو تحديث بياناتهم. تعطل استكمال ملفات التأمين اللازمة لبدء النشاط.
والنتيجة الأخطر: تأخر استخراج رخص الأنشطة التجارية والصناعية، لارتباطها بالموقف التأميني. تعطيل بدء مشروعات جديدة، خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. عرقلة عجلة الاستثمار والإنتاج، بما يؤثر سلبًا على الاقتصاد القومي والتنمية.
وهنا تتحول أزمة تقنية إلى أزمة اقتصادية تمس الدولة بأكملها.
إنفاق ضخم بلا نتائج... وأزمة بلا بدائل
ورغم إنفاق ما يقرب من 1.3 مليار جنيه على هذا النظام، من أموال المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، فإن الواقع يكشف:
غياب الجاهزية الكاملة قبل التشغيل. عدم وجود خطط بديلة (Plan B) لمواجهة الأعطال. عجز الهيئة عن تقديم حلول مؤقتة لتسيير مصالح المواطنين.
الأدهى من ذلك أن مكاتب التأمينات أصبحت شبه معطلة، وموظفوها عاجزون عن أداء دورهم بسبب توقف النظام، رغم التزامهم الوظيفي الكامل.
تساؤلات مشروعة في انتظار الإجابة
أمام هذا المشهد، تتصاعد تساؤلات لا يمكن تجاهلها: أين دور الحكومة في إدارة هذه الأزمة؟ أين تدخل وزارة التضامن الاجتماعي باعتبارها الجهة المختصة؟أين الرقابة البرلمانية والمساءلة؟ لماذا يغيب الإعلام عن نقل هذه المعاناة اليومية؟وأين الشفافية في إعلان أسباب الأزمة وموعد حلها؟
مخاطر استمرار الوضع
استمرار الأزمة دون حلول عاجلة ينذر بـ: تفاقم المعاناة الاجتماعية لأصحاب المعاشات. تعطيل الاستثمار والأنشطة الاقتصادية.فقدان الثقة في منظومة التأمينات والتحول الرقمي. إهدار المال العام دون عائد.
حلول عاجلة لا تحتمل التأجيل
لم يعد مقبولًا الانتظار، والحل يتطلب إجراءات فورية: العودة المؤقتة للنظام القديم لضمان استمرار الخدمات. تشغيل خدمات يدوية عاجلة لصرف المعاشات الجديدة ومعاشات الورثة. إصدار براءات ذمة مؤقتة لتمكين الأنشطة الاقتصادية من العمل. تشكيل لجنة فنية مستقلة لتقييم النظام ومحاسبة المسؤولين. إعلان جدول زمني واضح وشفاف لإنهاء الأزمة. توفير قنوات تواصل مباشرة لتلقي الشكاوى وحلها سريعًا.
ختامًا
إن ما يحدث الآن يكشف بوضوح أن التحول الرقمي لا ينجح بالإنفاق وحده، بل بالتخطيط الجيد والتدرج ووجود بدائل. وأصحاب المعاشات، وكذلك الشباب الراغبون في العمل والاستثمار، لا يجب أن يكونوا ضحايا تجربة غير مكتملة.
إنها أزمة تتطلب قرارًا عاجلًا… قبل أن تتحول من عطل فني إلى عائق حقيقي أمام الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
-----------------------------
بقلم: كامل السيد
خبير التأمينات الاجتماعية






