ليست هذه هي المرة الأولى التي يختلط فيها على المراقبين معنى الصعود بمعنى الإحلال، ولا هي المرة الأولى التي يُساء فيها تفسير لحظة انتقالية في تاريخ الإقليم باعتبارها نهاية مرحلة وبداية قاطعة لمرحلة أخرى. فالتوسع اللافت لدول الخليج في المجال العربي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الذي أتاح له الظهور، ولا عن الفراغ الذي صنعه.
منذ النصف الثاني من القرن العشرين، دخلت مراكز الثقل العربية التقليدية في دوائر استنزاف متتابعة.
مصر، التي كانت قلب النظام العربي، خرجت من عدة حروب مثقلة بأعباء تجاوزت قدرتها على الاستمرار بالوتيرة ذاتها.
والعراق، الذي مثّل في لحظة ما ركيزة توازن إقليمي، أُنهك في حروب متعاقبة وحصار طويل انتهى إلى تفكيك بنيته.
ثم جاءت سنوات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل المنطقة على نحو أصاب بنية الدولة في أكثر من موضع، قبل أن تتفجر موجات الاضطراب بعد 2011، لتدخل دول مركزية في حالة انكشاف بلغ ذروته في مشاهد الانهيار في ليبيا واليمن وسوريا والسودان.
في هذا المشهد، لم يكن صعود الدور الخليجي حدثًا منفصلًا عن سياقه، بل كان استجابة مباشرة له.
حيثما تراجعت قوى، تقدمت أخرى، لا لأنها أكثر رسوخًا بالضرورة، بل لأنها كانت الأقدر في تلك اللحظة على الحركة.
وقد امتلكت دول الخليج أدوات لم تكن متاحة لغيرها بالقدر نفسه، في مقدمتها فائض القوة المالية، الذي تحول تدريجيًا إلى نفوذ سياسي وإعلامي ودبلوماسي، وإلى قدرة على التغلغل داخل شبكات القرار الدولي.
غير أن التمييز بين امتلاك النفوذ وامتلاك القرار يظل ضروريًا لفهم طبيعة هذه المرحلة.
قد نجحت دول الخليج في ملء فراغ واضح في ميزان القوة العربي، لكنها لم تملأ بعد فراغ القرار الاستراتيجي. فالأحداث الكبرى في الإقليم، من الحرب إلى السلام، ما تزال تُدار في دوائر أوسع، تتداخل فيها إرادات القوى الدولية مع حسابات قوى إقليمية كبرى مثل إيران، بحيث تجد دول الخليج نفسها في كثير من الأحيان داخل مسرح الأحداث لا في موقع صياغتها.
وهنا تتكشف مفارقة لافتة أن الخليج الذي ملأ فراغ القوة، فشل في أن يملأ بعد فراغ القرار.
ومن ثم فإن صعوده، رغم واقعيته ووضوحه، يظل صعودًا غير مكتمل، محكومًا بحدود الأدوات التي يمتلكها، وبحدود ما تسمح به البنية العامة للنظام الإقليمي والدولي معًا.
غير أن اختبار الأدوار لا يظهر في لحظات الصعود الهادئة، بل في لحظات الصدام الكبرى، حيث تُقاس القدرة الحقيقية على التأثير والاحتمال.
وفي هذا السياق، جاءت الحرب الأخيرة على إيران، التي بدت في ظاهرها مواجهة مباشرة بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لكنها في عمقها كشفت عن شبكة معقدة من التوازنات والتأثيرات داخل الإقليم.
فعلى الرغم من أن دول الخليج لم تكن طرفًا معلنًا في هذه الحرب، فإنها كانت من أكثر الأطراف تعرضًا لتداعياتها، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح. فالإقليم الذي تحوّل إلى مسرح للصراع هو ذاته المجال الحيوي لهذه الدول، وأي اهتزاز فيه ينعكس مباشرة على أمنها واستقرارها.
لقد كشفت هذه الحرب عن حقيقة أعمق من لحظة الاشتباك نفسها، وهي أن امتلاك أدوات النفوذ لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في مسارات الصراع أو كلفته.
الخليج الذي ينت دوله حضورها على أدوات مالية ودبلوماسية وإعلامية وجدت نفسها أمام صراع تفرضه معادلات القوة الصلبة، حيث تعود الجغرافيا لتفرض منطقها، وتعود حدود القوة التقليدية لتظهر من جديد.
ومن هنا، فإن واحدة من أهم نتائج هذه الحرب لم تكن في نتائجها المباشرة، بل في إعادة تعريف حدود الأدوار الإقليمية ذاتها.
فقد أثبتت أن الدور الذي يتوسع في أزمنة الفراغ قد يجد نفسه مكشوفًا في أزمنة الصدام، ما لم يكن مسنودًا بقدرة شاملة على إدارة المخاطر، لا مجرد التأثير في الاتجاهات.
وإذا كان المشهد الإقليمي اليوم يوحي بتقدم ملحوظ لدول الخليج، فإن هذا التقدم يجري داخل بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها أدوار قوى إقليمية كبرى في مقدمتها إيران وتركيا، فضلًا عن حضور القوى الدولية، وهو ما يجعل أي دور إقليمي، مهما تعاظم، محكومًا بشبكة من التوازنات لا تسمح له بالتحول إلى مركز وحيد للقرار.
لذلك، قد يكون الأدق القول إن ما نشهده ليس إحلالًا بقدر ما هو إعادة توزيع للأدوار.
فدول الخليج نجحت في ملء مساحات تركها تراجع الآخرين، وقدمت نموذجًا مختلفًا للتأثير قائمًا على المال والإعلام والدبلوماسية النشطة، لكن هذا النموذج، على أهميته، يظل جزءًا من معادلة أوسع، لا يمكن أن تستقر إلا بعودة التوازن بين مكونات الإقليم المختلفة، حيث تستعيد الدول ذات الثقل التاريخي دورها، ويتكامل ذلك مع أدوار جديدة فرضتها تحولات الزمن.
هنا يتغير السؤال من جذوره، لم يعد: هل يحل الخليج محل الدول العربية الكبرى، بل صار: كيف يمكن لنظام إقليمي مضطرب أن يعيد إنتاج توازنه، وكيف يمكن تحويل لحظة الفراغ إلى لحظة تأسيس، لا مجرد إعادة توزيع مؤقتة للنفوذ.
ذلك أن التاريخ، في نهاية المطاف، لا يعرف الفراغ الدائم، ولا يعترف بالبدائل المطلقة، بل يعيد ترتيب الأدوار حتى تستقر المعادلة أو تعيد إنتاج اضطرابها من جديد.
----------------------------------
بقلم: محمد حماد







