تثور بين الحين والآخر حالات من الاشتباك اللفظي بالقدح والشتم والاستهزاء على وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل بعض أبناء منطقة الخليج، بحق مصر والمصريين. مما استفز بعض المؤثرين المصريين، فتم استدراجهم الى حالة من التلاسن المتبادل. وهذه الحالة لم تبدأ خلال هذه الأيام، فقط، على خلفية الموقف من الحرب على ايران. بل انها تكاد أن تكون متواصلة، فما ان تخمد، لفترة، حتى تثور مرة أخرى، وعلى أتفه الأسباب.
الغريب أن هذا التلاسن يحدث على الرغم من العلاقات التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية والأمنية القوية التي تربط بين المصريين وأبناء الخليج. حيث يوجد عدد كبير من المصريين يعمل هناك، كما أن عددا كبيرا من الخليجيين يفد إلى مصر، إما طلابا للعلم أو سياحا أو رجال أعمال. فضلا عن التاريخ الطويل من الدعم المصري لهذه البلاد في فترات ما قبل الاستقلال وما بعده، سواء أكان هذا الدعم علميا على هيئة إرسال المعلمين والأدوات المدرسية والأطباء والمهندسين، أو عينيا مثل إرسال الملابس والأحذية، وحتى الطائرات (تم منح دولة قطر طائرتين من سلاح الجو المصري لتكونا نواة لسلاح الجو القطري عام 1971، بعد استقلالها). أو كان دعما عسكريا مثلما تم مع الكويت عام 1961 عندما هدد عبد الكريم قاسم بضمها إلى العراق، وعام 1991، عندما انطلق ما يربو على 40 ألف جندي مصري لتحريرها من الاحتلال العراقي. وكذلك تم تقديم الدعم العسكري والعلمي والعيني لحركات التحرير في إقليم ساحل الصلح (الامارات حاليا)، قبل إعلان دولة الإمارات عام 1971 وبعده. فضلا عن إرسال القوات المصرية الى السعودية عام 1990 للمشاركة في عملية درع الصحراء وحمايتها من التهديدات العراقية.
وبالمقابل حظيت مصر بقدر ليس بالقليل من الدعم المالي والنفطي الذي قدمته دول الخليج في مراحل متعاقبة منذ السبعينيات وحتى وقت قريب. وإن كان دعما متذبذبا ومشروطا في كثير من الأحيان.
وعلى الرغم من كل ذلك فإن بعض مواطني دول الخليج لا يفوتون فرصة حتى يكيلوا لمصر كل ما ينقص قدرها ويشوه عطاءها ويقلل من شأن شعبها. حتى وصل هذا التشوية إلى مستوى متدن من الابتذال والتفاهة، كأن نصادف، مثلا، من يعير المصريين بأنهم يأكلون "الفول" و"الطعمية" و"الفسيخ"، وما شابه ذلك من أنواع الانتقاص، التي لا تدل إلا على السذاجة وبساطة التفكير. وقد وصلت هذه الموجة الى أعلى ذروة لها إبان الحرب الحالية التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران. حيث خرج علينا من يلوم الموقف المصري تحت زعم تقاعسه عن نصرة دول الخليج. على الرغم من أن هذه الدول نفسها لم تطلق النار ولم تعلن الحرب أصلا على ايران. والمفترض أنها مشمولة بحماية القواعد الأمريكية المقامة على أراضيها، والتي دفع من أجلها الخليجيون التريليونات. وبدلا من توجيه اللوم إلى أمريكا التي أخذت نقودهم ولم تقم بواجب حمايتهم في مقابلها، إذا بهم يوجهون سهام اللوم والنقد إلى مصر والمصريين. بل إن بعضهم طالب بلاده بطرد المصريين العاملين (في الكويت تحديدا) والتوقف عن السفر إلى مصر، وسحب الودائع .. الخ.
والملاحظ أن مصر تكاد أن تكون الدولة الوحيدة التي يقوم مواطنون خليجيون بتجييش أنفسهم وتكريس وقتهم لانتقادها. بينما قد لا يقترب أحد منهم من أية دولة أخرى، بالقدر ذاته.
ولعل استمرار وتواصل هذه الحالة، وإن جاء على نحو متقطع، هو ما جعلها تشكل ظاهرة لافتة تحتاج إلى فهمها وتحليل مكوناتها وتبيان أسبابها. فكيف نفهم هذه الحالة الخليجية إزاء مصر؟؟ ولماذا مصر، على التحديد، وليس أمريكا أو إسرائيل أو إيران .. مثلا؟؟
أعتقد أن الأمر مرتبط بعدة عناصر متشابكة ومتداخلة، معا، سوف أوجزها في النقاط التالية:
أولا: الطبيعة القبلية لشعوب الخليج.
وهي طبيعة تقوم على التفاخر و"النفاجة" والتنابذ. حيث كثيرا ما نجد بعض القبائل تزدري قبائل أخرى وتراها أقل منها في القدر والقيمة. بما قد يصل إلى حد العنصرية والاستعلاء العرقي. بل إن بعضهم يرى أن من لا ينتسبون إلى قبائل معينة لا يستحق أن يحمل جنسية الدولة برمتها، ولذلك ظهر أغرب وضع في تاريخ المواطنة في كل بلاد العالم، ألا وهو وضع "البدون"، أو الشخص الذي يعيش على أرض الدولة وينتسب إلى شعبها، ويتحدث لغتها أو لهجتها، ويحمل ثقافتها، ويدين بدينها الرسمي، ولكنه لا يتمتع بجنسيتها. لا لشئ سوى لأنه لا ينتسب الى القبائل المؤسسة للدولة.
ولذلك ليس غريبا أن يتم ممارسة ذلك في حق غير الخليجيين، بعامة، والمصريين بخاصة. وقد يرجع ذلك، أيضا، فيما يتعلق بالمصريين، إلى اعتزاز الخليجيين بأنهم هم من يمثلون العرب الأقحاح، أما المصريون فهم (فراعنة) أخنى عليهم الدهر فأصبحوا مستعربين أو متمسحين في العروبة، (كما صرح أحد كتابهم). وبالتالي فهم يرتبون هرمية تقوم على تفضيل الأكثر عروبة على الأقل نصيبا منها، فضلا عن المتمسح فيها. خاصة أنهم يرون أنهم من "أبناء الفاتحين" الذين أرغموا شعوبنا (غير العربية) على التحدث بالعربية والتدين بالإسلام. وبذلك فإنهم يرون أنهم يحوزون شرفا لا ندانيهم، نحن أبناء البلاد المفتوحة، فيه.
ثانيا: تحسن الأحوال الاقتصادية بدول الخليج.
وبخاصة، في الفترة الممتدة منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن. بحيث أصبحت منطقة الخليج تعد الأكثر رغدا وثراء، والأعلى دخلا بالنسبة لمستوى دخل الفرد، ربما على مستوى العالم (يبلغ مستوى دخل الفرد في قطر وهي الأعلى بين بلدان الخليج ومن الأعلى عالميا 71 الى 84 ألف دولار سنويا في عام 2025 - 2026 بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي). وهذه الحالة المزدهرة لم تأت نتيجة لعمل أو اجتهاد أو علم، بل لأسباب قدرية بحتة، تمثلت في تدفق النفط والغاز دون جهد كبير. وهو ما أدى الى حالة تشبه ما يسمى في علم النفس بـ"جنون العظمة"، أو "هستيريا الغنى المفاجئ". وهما حالتان مصحوبتان بـ"هوس التملك وإظهار النعمة". وهي حالة تظهر غالبا على محدثي النعمة ممن تهبط عليهم الثروة فجأة، وبدون استحقاق أو جدارة. خاصة في ظل قوانين العمل الخاصة بالوافدين ومنهم المصريون. حيث تم ابتداع نظام للعمل يخص العمالة الوافدة، يسمى نظام "الكفيل"، وهو نظام أقرب الى العبودية منه إلى علاقات العمل الحرة. حيث يصبح جواز سفر العامل وحدود حركته وأجره.. الخ. كلها برغبة وإرادة الكفيل. وهو ما أضاف إحساسا بالتفوق فوق ما تم ذكره آنفا.
ثالثا: تردي الأحوال الاقتصادية في مصر.
فمصر منذ هذا التاريخ، وأقصد به منتصف السبعينيات، على التحديد، تمر بفترة ممتدة من سوء الأحوال الاقتصادية. ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة ليس هنا مجال الخوض فيها. وهو الأمر الذي جعل المصريين يسافرون بأعداد كبيرة إلى الخليج للعمل وكسب الرزق،. كما جعل الدولة المصرية في حاجة إلى دعم المال الخليجي.
وأظن أن تلك الوضعية، من الحاجة لدى المصرين، والتدفق المالي اليسير عند الخليجيين، هي التي جعلت الخليجيين يمارسون عقد "النوفو ريش" على المصريين، تحديدا، فالهجوم على غير المصريين ممن لا يمتلكون الزخم التاريخي والثقافي نفسه، قد لا يشعرهم بأهميتهم على النحو المطلوب.
رابعا: المبالغة في تقدير حجم الدعم الخليجي وتوقع التبعية الكاملة في المقابل.
إن هذا الهجوم على المصريين وازدراءهم مصحوب أيضا بما قد يتصوره بعض الخليجيين أنهم قد قاموا بانقاذ مصر الفقيرة من الموت جوعا. فالخليجيون يبالغون في حجم وقيمة ما يقدمونه لمصر من "دعم"، وبالتالي فانهم لا ينتظرون مقابلا له أقل من الخضوع والتبعية الرسمية والفوقية في ترتيب العلاقة بين الشعوب. على الرغم من أن هذا الدعم يعد في ميزان الدعم الخليجي للاقتصاد الأمريكي خاصة، والغربي عامة، قدرا ضئيلا بما لا يكاد يذكر. فلقد تم منح ترامب في رحلتها الأخيرة للخليج مبالغ مجموعها يربو على 4 تريليون دولا، فضلا عن الهدايا العينية باهظة الثمن، (يوجد بينها طائرة مذهبة يبلغ ثمها 400 مليون دولار).بينما لم يتعد ما قدمته دول الخليج، مجتمعة، إلى مصر خلال الفترة من 2011 الى 2022 ، مبلغ 47,5 مليار دولار، (بحسب تقديرات بلومبرج). والنسبة الغالبة منها عبارة عن استثمارات تدر أرباحا، وودائع مدفوعة الفائدة، بالبنك المركزي. بينما تضاعف، بالمقابل، حجم الاستثمارات المصرية في السعودية من 500 شركة الى 4 آلاف شركة بلغ رأس مالها 50 مليار ريال خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط. والأمر نفسه، في كل من الإمارات والأردن، وان كان بمبالغ أقل.
خامسا: عدم الخشية من العواقب.
فإذا تصورنا قيام الخليجيين بمهاجمة أمريكا التي تقاعست عن حمايتهم من الضربات الإيرانية، فلنا أن نتصور كيف ستكون العواقب، على الرغم من كل الإساءات والإهانات العلنية التي كالها ترامب للسعودية وبلدان الخليج. ويبدو أن الحكومة المصرية قد تساهلت كثيرا وفي مرات عديدة في طلب المحاسبة عن الإساءات المتكررة التي عانى منها العاملون المصريون في هذه الدول، تحت وطأة عدم رغبتها في تعكير صفو العلاقة مع الخليجيين، مما جعلهم يستمرئون ويعتادون على هذه النزعة الاستعلائية تجاه المصريين ولا يخشون عواقبها.
سادسا: العشم الزائد.
إن المبالغة في توقع هرولة الجيش المصري للدفاع عن الخليج، على الرغم من عدم توقيع أية اتفاقيات دفاعية، وعلى الرغم من رفض الخليج دعوة سابقة قدمتها مصر لإقامة قوة عربية مشتركة، وعلى الرغم من أن قرار انتقال الجنود والمعدات والانخراط في الحرب يحتاج إلى خطط عسكرية تقوم على دراسة لطبيعة الميدان وما يتطلبه من حجم قوات وترتيبات لوجستية من إمداد وتموين ومراكز دعم واخلاء، وعناصر إسناد وتعويض .. الخ، وهو ما لا يمكن توافره لحظيا وفي وقت الحرب، فإن الخليجيين حين تصوروا أن على مصر أن ترسل قواتها في التو واللحظة لم يبرهنوا، فقط، على أن وعيهم السياسي ومعرفتهم العسكرية تقع في المستوى الأقل من درجة الصفر، فالحروب أعقد وأخطر بكثير من هذا التبسيط الساذج. بل برهنوا أيضا على أنهم يبالغون بشدة في حجم ما ينتظرونه من مصر، ترتيبا على الوعي "القرابي" البدوي الذي يقوم على مفهوم "الفزعة"، لا على مفهوم العلاقات المحسوبة، والعمل وفق رؤية شاملة، لا جزئية ولا انتقائية، والحركة القائمة على التخطيط وحساب العواقب والتداعيات.
ثم لماذا ترسل مصر قواتها في وقت تم فيه اسناد مهمة الدفاع عنهم إلى قوى أخرى مدفةعة الثمن على نحو باهظ؟؟. وهل لمصر مصلحة في هزيمة إيران أمام أمريكا وإسرائيل؟؟ وما عواقب ذلك، لو حدث، على التوازن الإقليمي، وبالتالي على الأمن القومي المصري والعربي عامة، بل الخليج نفسه، خاصة.؟؟
كل ذلك لم يدر بخلد أي من منتقدي مصر، ربما لأنهم لا يفهمونه.
----------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






