إذا كان البيت الكبير قد قام على أعمدة كثيرة، فإن جدتي "حورية" كانت العمود الأكثر رسوخاً؛ لا لأنها الأكبر سناً، ولا لأنها زوجة كبير العائلة، بل لأنها كانت، ببساطة، سيدة هذا البيت عن جدارة واستحقاق. كان فيها من رجاحة العقل، وثراء الشخصية، والتوازن النفسي والعاطفي، ما جعلها تتجاوز بحضورها كل نساء البيت. لم تكن تفرض سلطتها، لكن هيبتها كانت حاضرة.. هادئة، ثابتة، ومحسوسة، والحديث عنها لا يكفيه مقال واحد، فهي حكاية لا تنتهي.
بالنسبة لي، لم تكن "حورية" مجرد جدة، بل كانت صاحبة الفضل الأكبر - بعد الله - في تربيتي وتوجيهي. هي التي زرعت في أعماقي بذور الالتزام، وربطت قلبي بالصلاة منذ طفولتي؛ لا بالقسوة، بل بقدوتها الصامتة.
ولم يكن هذا لي فحسب، بل لنا جميعاً ولكل من تعامل معها. أذكر في يوم وفاتها أن جاء أحد جيراننا ليعزينا في فقدها، وجلس يتحدث عن عشرتها الطيبة، وكيف أنها كانت السبب الرئيسي في مداومته على الصلاة، رغم أنها لم تكن تأمره مباشرة بـ "صلِّ"، بل كانت في كل مرة تقابله فيها تقول له بلهجتها الصعيدية:
أنت كل حاجة فيك زينة يا ولدي، وأنا مستخسرة جِتّك (جسدك) في النار".
ولمن لم يفهم كلمتها؛ فهي ترى أنه إنسان جميل في كل خصاله، وتخشى عليه من غضب الله لعدم انتظامه في الصلاة. وبهذه الكلمات الطيبة والتوجيه غير المباشر، التزم جارنا الطيب بصلاته.
رحلة "كُتّاب" أم السلطان شعبان
وأذكر جيداً اقتراحها الذي غير مسار طفولتي؛ فحين لم أتمكن من دخول المدرسة لصغر سني، اقترحت على أبي أن يُلحقني بـ "كُتّاب مدرسة أم السلطان شعبان" في حي باب الوزير العريق. لم يكن الأمر هيناً؛ فالمسافة بينه وبين منزلنا كانت تقارب الكيلومترين أو أكثر، وكنت طفلة في الخامسة والنصف من عمري أقطعها يومياً. ومع ذلك ذهبت، وقضيت هناك عاماً فارقاً، حفظت فيه جزئي "عمّ" و"تبارك"، وتعلمت القراءة الصحيحة بالتجويد، وهي ذخيرة بقيت معي حتى اليوم، وكأن جدتي كانت تبصر بقلبها مستقبلاً لا أراه.
كانت جدتي امرأة من "الزمن الجميل" بكل جلاله. لم تكن ثرثارة، بل كان صمتها وقاراً، وإذا نطقت لم تَقُل إلا طيباً. لم تستهوِها صغائر الأمور ولا نميمة الجارات، كأن عقلها كان أسمى من أن يغرق في لغو الحديث. نشأتها الدينية جعلتها امرأة تعرف أين تضع طاقتها، فكانت دائماً مرفوعة الرأس، منشغلة بشؤون بيتها وأبنائها حتى بعدما تقدم بها العمر.
التلاحم والحب
بعد رحيل جدي، كان لزاماً على نساء البيت أن يتسابقن في خدمتها؛ فكان الطعام يصلها يومياً من بيوت أبنائها الثلاثة المقيمين معها، فلا يسد طبقٌ عن طبق، في تلاحم يعكس مكانتها في قلوب الجميع. أما هي، فقد تفرغت لنا نحن الأحفاد. وإذا كانت "وفاء" ابنة عمي هي المميزة لدى جدي الشيخ إبراهيم، فقد كان أخي "محمد" — أصغر الأحفاد — هو المميز لدى جدتي؛ فكانت تحتفظ له بما لذ وطاب من طعام، وتخصه بالعطايا والحماية، فلا يستطيع أبي أو أمي رد طلب له حتى لا يشكو لجدتي.
ومع تقدم جدتي في العمر، أصبحتُ أنا و"حنان" — ابنة عمي الأقرب إلى قلبي — الأقرب إليها أيضاً. كنا نفعل كل شيء معاً: نذهب، ونعود، نشتري، ونقضي مشاوير البيت كلها تقريباً، بالإضافة إلى مسؤوليتنا تجاه جدتي؛ نبيت تحت أقدامها حينما تمرض ولا تقوى على خدمة نفسها. فقد تحملتُ أنا وحنان هذه المسؤولية وحدنا دون سبب واضح.. أو ربما كان قدراً اختارنا نحن تحديداً، والأجمل أننا لم نكن نشعر أن هذه مسؤولية، بل كانت متعة كبيرة في صحبة جدتنا الطيبة.
الصبر عند الفواجع
رغم خفة ظل جدتي وابتسامتها التي لا تفارقها، إلا أنها كانت هادئة، وخلف هذا الهدوء كانت هناك قصة ألم عميقة. فلا شك أن فقد جدتي لثلاثة من أبنائها ترك أثرًا كبيرًا في نفسها، وربما كان ذلك أحد أسباب الصمت الذي يحيط بها. فقد رحلت عمتي "تفيدة" في ريعان شبابها، ثم عمتي "حميدة" وهي في الأربعين من عمرها، وبعدهما جاء الفقد الثالث حين توفي عمي "أحمد"؛ أحن أعمامي وأقربهم إلى قلوبنا نحن الأحفاد.
لم أعاصر وفاة عمتيّ، لكنني كنت في التاسعة من عمري حين رحل عمي أحمد، وما زلت أذكر ذلك اليوم جيداً. كانت جدتي قد باتت معه في حجرتها كأنها تحرس أنفاسه الأخيرة. وبعدما عادوا به من المستشفى، رأيتها تحتضنه بجلالٍ مهيب، دون صراخ أو عويل، فقط نحيب خافت يمزق نياط القلب، وهي تقول بلهجتها الصعيدية الأصيلة:
"اسم الله عليك يا أخوي..".
قالت "يا أخوي" ولم تقل "يا ابني"، وكأن عظم الفاجعة أعادها إلى لغة الفطرة الأولى. وفي تلك اللحظة القاسية، كانت هي الأكثر تماسكاً، فمنعت النساء من الصراخ، مؤمنة بأن الفقد يحتاج إلى الصبر والسكينة لا إلى الضجيج.
بركة الجمعة وحكايا الخير
رغم كل ما مرّ بها، لم تتخلّ عن قدرتها على العطاء. كانت ترى في يوم الجمعة عيداً، وتصر أن يكون له طقسه الخاص. في صباحه، كانت تصنع لنا "الأرز باللبن" بالسمن البلدي، في حلة صغيرة على موقد بسيط داخل غرفتها. كنا نجتمع حولها نحن الأحفاد، نأكل جميعاً من هذه الحلة الصغيرة.. ونشبع! حتى الآن، لا أستطيع أن أفهم كيف كانت تكفي الجميع، لكننا كنا نشبع فعلاً، وكأن في يدها بركة من الله وسراً لا يُرى.
وكانت تصنع لنا أيضاً "سد الحنك" من الدقيق والعسل الأسود، وتعد نوعاً من الحلوى يشبه "لقمة القاضي" كانت تسميه "صُبّة"، وترش عليه السكر، فنأكل جميعاً منها بفرح وكأنها وليمة كاملة.
كانت جدتي مرحة، بشوشة، والجلوس معها عالم قائم بذاته. كان لديها في غرفتها راديو كبير يعمل باللمبات لا تفارقه، تستمع منه إلى إذاعة القرآن الكريم، ثم تعيد علينا ما سمعت، أو تحكي لنا حكاياتها. كنا نجلس حولها ننتظر الحكاية، ومن أكثر الحكايات التي علقت بذهني حكاية "المرأة النصابة" التي كانت تحلب ماعزها وتسكب اللبن أمام بيتها ثم تنكره، حتى خدعت شاباً وأبدلت ابنتها المزعومة بعروس من البحر.. حكاية طويلة كنا نعيش تفاصيلها معها، لكن نهايتها كانت دائماً واحدة: أن الخير ينتصر. وكان هذا هو الدرس الذي تزرعه فينا.. دون أن تقول.
الروح التي لا تغيب
لم تكن جدتي تربي أجسادنا فقط، بل كانت تصنع داخلنا الضمير والقيم. واليوم، حين أتذكرها، لا أراها مجرد سيدة عاشت بيننا، بل أراها روحاً سكنت أرواحنا، وحفظت "البيت الكبير" بصمتها، وصبرها، وبركة يديها التي لم تنضب أبداً.
إنها تعيش داخلي ما حييت؛ أستمع إلى صوتها في أذني، وألجأ إليها إذا ما احتجت إلى نصيحة، فيلهمني ربي ما يشرح صدري ويحقق لي خيراً مما أريد.
---------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






