- إسرائيل خططت لتقسيم الشرق الأوسط، عبر ماكتبه مستشار شارون وها نحن نرى ثمارها المريرة
- مصر مستهدفة .. صحيح تغيرت الأدوات إلى تطويق جغرافي خانق وإضعاف داخلي صامت، لكن الهدف قائم
في فبراير 1982، نشرت المجلة العبرية "كيفونيم" ("الاتجاهات") مقالًا بعنوان "إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات"، أعده "عوديد ينون"، المستشار السابق لأرييل شارون والمسؤول الأسبق في وزارة الخارجية الإسرائيلية. ذلك المقال، الذي تحول لاحقًا إلى ما يُعرف بـ"خطة ينون"، و تم التعامل معه و كأنه وثيقة سرية عالية الأهمية رغم نشره في المجلة، لم تكن الوثيقة مجرد رؤية إستراتيجية عابرة، بل كانت محور جدل واسع بين الباحثين والمحللين، حيث إعتبرها البعض خطة مبكرة لتأجيج الصراعات في الشرق الأوسط، على أساس الإنقسامات الطائفية، بينما رأى فيها آخرون نبوءة تآمرية سبقت كبرى الأحداث في المنطقة، من غزو العراق عام 2003 إلى الحرب الأهلية السورية وصعود تنظيم داعش، إلى تقسيم السودان و ثورات الربيع العبري في الدول العربية.
تستند الخطة إلى رؤية ينون التي اعتبرت أن اتفاقيات كامب ديفيد (1978) كانت خاطئة، و لابد من التخلص منها ، ودعت إلى العمل على تفكيك الدول العربية الكبرى، بدءًا من مصر وصولًا إلى العراق والأردن ولبنان، و سوريا لإعادة رسم خرائط المنطقة وفق أسس عرقية ودينية.
ورغم أن هذه الأفكار ظلت حبيسة صفحات المجلة التي أصدرتها المنظمة الصهيونية العالمية في القدس لسنوات، إلا أنها وجدت طريقها إلى دوائر صنع القرار فيما بعد. و كان لها تأثيرها في السياسات الأمريكية في عهد جورج دبليو بوش، الذي طرحت في عهده خطة الفوضى الخلاقة تطبيقا لخطة نيون التي تبناها معهد الإستراتيجيات الصهيونية داخل الإدارة الأمريكية.
ما حقيقة هذه الخطة؟ وهل كانت مجرد رؤية فردية أم إطارًا استراتيجيًا أثّر في عقود من الصراع بالمنطقة؟
خطة "تفتيت العرب"
حملت الوثيقة عنوان "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط"، لم يكتبها جندي مجهول، بل قام بترجمتها وتحريرها الناشط والمؤرخ "إسرائيل شاحاك"، اعتماداً على مقال للمستشرق العسكري "عوديد ينون"، لتصبح خريطة طريق استراتيجية كشفت النوايا العميقة لإسرائيل تجاه جيرانها.
ماذا قالت الوثيقة عن مصر تحديداً؟
الصورة كانت قاتمة: وصفت الوثيقة مصر بأنها "جثة" تعاني من تمزقات داخلية قابلة للإستغلال. لم يتوقف الأمر عند الوصف، بل ذهب إلى إقتراح تحويل مصر إلى دويلات صغيرة، بتأجيج الصراعات الداخلية حتى إنشاء "دولة قبطية" مستقلة على جزء من أرض مصر، وكسر اتفاقية السلام و إستعادة سيناء عبر إضعاف قبضة الحكومة المصرية المركزية.
الطريق:
وفقاً للخطة، كان إستغلال التوترات الطائفية والعرقية في العالم العربي هو الطريق للتفتيت، معتبرة أن "تفكيك" هذه الفسيفساء هو الضمان الوحيد لأمن إسرائيل كقوة إقليمية.
حذر "شاحاك" في مقدمته من أن هذه لم تكن أوهاماً، بل سياسات تبنّاها قادة مثل أرئيل شارون.
تنفيذ الخطة
هل كانت الوثيقة مجرد حبر على ورق، أم أنها تتحقق أمام أعيننا؟
هذا هو السؤال الذي يشغل المحللين اليوم. فبينما كانت الثمانينيات تتحدث عن غزو عسكري مباشر، فإن عام 2026 يشهد تنفيذاً أكثر دهاءً: باستخدام القوى الناعمة، الإعلام و السوشيال ميديا و التكنولوجيا، واستغلال الأزمات.
أولاً: ما تحقق بالفعل (الواقع الحالي)
· العراق وسوريا والسودان: انفصال جنوب السودان، والحكم الذاتي الكردي في الشمال العراقي ، والحرب الأهلية الليبية، كلها مشاهد تبدو وكأنها مأخوذة من نص الخطة نفسها. الدول المركزية القوية أصبحت هشة أو ممزقة.
· فلسطين: في 2026، تتسارع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية فيما يُعرف بـ "عام الانتشار العسكري"، بينما تلوح مخاوف حقيقية من تهجير سكان غزة، وهو ما تصفه مصر والأردن بـ "الخط الأحمر".
ثانياً: ما يُعد له الآن (توجهات 2026 وما بعدها)
العمل جارٍ على مشروع "الشرق الأوسط الجديد" حيث تصبح إسرائيل "المركز التكنولوجي والأمني" للمنطقة. هناك حديث عن "ممرات استراتيجية" تهدف لربط إسرائيل بالعمق العربي، وضغوط دولية لتغيير هيكلة الحكم في لبنان، واستراتيجية "احتواء متقدم" لعزل إيران، و محاولات التطبيع مع الدول الخليجية و بث الفتنة بين الدول الخليجية و مصر باعتبارها القوة الإقليمية الاكبر في المنطقة.
لكن ماذا عن مصر تحديداً في 2026؟ الخطر ليس الجيوش، بل "تفكيك المفاصل"
التحليل الحالي لا يتحدث عن دبابات تقسم الأرض، بل عن حروب الجيل الرابع والخامس التي تستهدف إضعاف الدولة من الداخل:
· تطويق جغرافي خانق: تواجه مصر أزمات على كل حدودها: شرقاً في سيناء وغزة (ضغوط التهجير)، جنوباً في السودان وسد النهضة (تهديد الأمن المائي)، وغرباً في ليبيا المقسمة، وصولاً للقرن الإفريقي حيث يُحاصر النفوذ المصري في البحر الأحمر.
· إضعاف داخلي صامت: الإغراق في الديون لشل القرار السياسي، ومحاولات إثارة النعرات الطائفية، و على رأسها لجان الفتنة الطائفية بين المسلمين و المسيحيين والقبلية في النوبة أو مطروح أو سيناء، كلها أدوات لخلق "هويات موازية" تتصادم مع الهوية الوطنية الجامعة.
السيناريوهات المتوقعة للمرحلة القادمة؟
قد يبدأ العالم قريباً بالحديث عن "حقوق الأقليات" أو "الإدارة الذاتية" في بعض المناطق المصرية تحت مبررات تنموية. أو قد نشهد محاولات لخلق "واقع بديل" في سيناء بمشاريع اقتصادية دولية لها قوانينها المنفصلة عن القاهرة. الهدف النهائي هو تهيئة المناخ لـ"فوضى منظمة" يكون التقسيم هو "الحل" الوحيد لها.
الموقف المصري: حائط الصد الأخير
في مواجهة هذه السيناريوهات، يظل الموقف الرسمي المصري، كما أوضح الرئيس السيسي، واضحاً وحاسماً و هو الرفض القاطع لأي محاولات لتقسيم الدول العربية أو المساس بالمؤسسات الوطنية.
الخلاصة: ما كان مجرد وثيقة في الثمانينيات تحول إلى استراتيجية تمارس اليوم. لكن هذه المرة، المعركة ليست بالدبابات، بل بالجوع، الديون، والهوية. والسؤال الأهم: هل ستنجح دول المنطقة، وعلى رأسها مصر، في امتلاك "مناعة وطنية" تفتت هذه المؤامرة قبل أن تفتت أوطانها؟
نستكمل في المقال القادم كشف مزيد من أسرار المخطط الصهيوني لتفتيت الدول العربية
-------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال







