لم يعد الحديث عن أصحاب المعاشات مجرد نقاش اقتصادي، بل أصبح قضية عدالة اجتماعية تمس ملايين المواطنين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة والمجتمع، ثم وجدوا أنفسهم بعد التقاعد أمام واقع صعب لا يتناسب مع ما قدموه.
الأصل في فلسفة التأمينات الاجتماعية أن المعاش هو تعويض عن فقد الدخل، أي أنه يجب أن يوفر حياة كريمة تقترب من مستوى دخل الفرد قبل خروجه من العمل. لكن الواقع الحالي يكشف مفارقة صادمة: فبدلاً من أن يكون المعاش بديلاً مناسبًا للدخل، أصبح في كثير من الحالات لا يتجاوز ربع هذا الدخل.
فعند النظر إلى الحد الأدنى للأجور البالغ 8000 جنيه شهريًا، ومقارنته بالحد الأدنى للمعاشات البالغ 1755 جنيهًا فقط، نجد أن نسبة الحد الأدنى للمعاش منسوب إلى الحد الادنى للأجر لا تتجاوز 21.9%، أي أقل من الربع. وهو ما يعني أن المواطن يفقد عند خروجه للمعاش نحو ثلاثة أرباع دخله دفعة واحدة بالنسبة للحدين الادنى ولقيمة المعاش ، في وقت تزداد فيه احتياجاته الصحية والمعيشية.
وفي ظل هذا التراجع الحاد في الدخل، تأتي مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي التضخم، الذي يدور حاليًا حول 13.4% سنويًا، بما يعكس الارتفاع المستمر في الأسعار وتكاليف الحياة. وهنا تظهر المفارقة بوضوح:
العاملون بالدولة يحصلون على زيادات دورية وعلاوات إضافية قد تصل في مجموعها إلى 15%–25% أو أكثر، بما يساعدهم على مواجهة التضخم. بينما أصحاب المعاشات يحصلون على زيادة سنوية بحد أقصى 15% فقط، وهي زيادة قد تبدو كافية نظريًا، لكنها عمليًا لا تعوض الارتفاع الحقيقي في تكاليف المعيشة، ولا التآكل التراكمي السابق.
وبذلك، يجد أصحاب المعاشات أنفسهم في وضع ثابت أو متراجع، بينما تتزايد الأعباء من حولهم.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل تتسع الفجوة بشكل أكثر حدة عند النظر إلى بعض الفئات الخاصة ( الوزراء والمحافظين مثلا ) ، حيث أن الحد الأدنى لمعاشاتهم وفق معادلة التسوية القانونية تؤدي إلى أرقام مرتفعة للغاية. فعلى سبيل المثال:
8000 × 35 × 25% = 70,000 جنيه
حيث يتقاضون ٣٥ ضعف الحد الأدنى للأجور شهريا
وهو ما يعني أن الحد الأدنى لمعاش بعض هذه الفئات قد يصل إلى 70 ألف جنيه شهريًا، مقابل 1755 جنيهًا فقط لغالبية أصحاب المعاشات، أي بفارق يتجاوز 40 ضعفًا.
هذه الفجوة الكبيرة تطرح تساؤلات مشروعة:
كيف يكون المعاش، وهو أجر مؤجل تم اقتطاعه طوال سنوات الخدمة، بهذه الضآلة؟
ولماذا لا يرتبط المعاش بشكل عادل بمستوى الأجر الذي كان يحصل عليه المواطن؟
وأين العدالة في هذا التفاوت الصارخ بين الفئات؟
إن ما يحدث حاليًا يعكس خللاً واضحًا في فلسفة توزيع الدخل بعد التقاعد، حيث:
يحصل العامل على زيادات تحميه من التضخم،
بينما يظل صاحب المعاش مقيدًا بسقف لا يواكب الواقع الاقتصادي.
الخلاصة
نحن أمام وضع يحتاج إلى مراجعة جادة، لأن استمرار هذه الفجوة يعني مزيدًا من التدهور في مستوى معيشة أصحاب المعاشات، ومزيدًا من الإحساس بالغبن الاجتماعي.
المطلوب بوضوح:
ربط زيادة المعاشات بمعدل التضخم الحقيقي
رفع الحد الأدنى للمعاشات بما يتناسب مع الحد الأدنى للأجور
تقليل الفجوة بين المعاشات المختلفة
صرف علاوة غلاء معيشة مناسبة أو زيادة مقطوعة حيث تقرر صرف ٧٥٠ جنيه زيادة مقطوعة لجميع الموظفين
صرف زيادة سنوية إضافية لأصحاب المعاشات تتحملها الخزانة العامة التى تستولى على أموال التأمين الاجتماعى قديما وحديثه ومستقبلا
التأكيد على أن المعاش حق تأميني وليس منحة
إن إنصاف أصحاب المعاشات ليس عبئًا على الدولة، بل هو واجب، واستثمار في الاستقرار الاجتماعي، واحترام لمن أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن.
***
- ( تفاصيل زيادات الموظفين من اول يوليو القادم ) لدقة المقارنة بينها وبين ال ١٥ % الحد الأقصى لزيادة أصحاب المعاشات حيث : -
أعلنت وزارة المالية المصرية عن حزمة اجتماعية تتضمن الحافز الاضافى للموظفبن :
(اعتباراً من 1 يوليو 2026):
- زيادة مقطوعة بقيمة \(750\) جنيه شهريًا لجميع - الموظفين.العلاوة الدورية: %12 للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية.
- علاوة خاصة: %15 لغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية
- الحد الأدنى للأجور: سيرتفع الحد الأدنى للأجور للدرجة السادسة ليصبح \(8000\) جنيه بدلاً من \(7000\) جنيه.
- فئات خاصة: حافز تدريس للمعلمين بقيمة \(1000\) جنيه، وزيادة \(750\) جنيه للكادر الطبي .
--------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات







