11 - 04 - 2026

الوجوه المستديرة والعيون الواسعة: وداعاً سيدة الفضاء الشعري

الوجوه المستديرة والعيون الواسعة: وداعاً سيدة الفضاء الشعري

بين طيات اللوحة وبين صمت الغياب، تنفتح فجوة لا يملؤها سوى التأمل في ماهية الأثر الذي يتركه المبدع خلفه. وقد تركت الفنانة زينب السجيني تراثا تشكيليا يضاف إلى تاريخ الحركة التشكيلية المصرية.

رحلت الفنانة الخلوقة زينب السجينى عن عامر يناهز ٩٦ عامًا (١٩٣٠ـ٢٠٢٦) والتى عاشت تستعيد الطفولة فى لوحاتها برؤية فلسفية خاصة. فالفن لديها لم يكن ريشة وألوان بل وشوشات وهدهدة للعالم بكل طوائفه.. تفتح بوابات من الحب والعشق والمشاعر الفياضة لكل من يشاهد أعمالها مع احتفاظها بالرؤى الجمالية التى تشبهها. تلك الوجوه الطفولية التى رسمتها بكثير من الحب والصدق التعبيرى.

لم تكن السجيني ترسم أطفالا بالمعنى التسجيلي، بل كانت تستحضر حالة "البراءة الأولى" كدرع في مواجهة تآكل الروح المعاصر. في أعمالها، يتحول الطفل إلى رمز كوني، كائن يسكن فضاء شعريا يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا.

تنساب خطوطها بليونة فطرية تحاكي حركة الطبيعة، بعيدا عن التشنج التقني، وكأنها تعيد صياغة الوجود بعين لم تلوثها خيبات التجربة.

كانت تحتمى بالحب فتتفاعل مع الكتلة والفراغ بتوازن صوفي في توزيع العناصر؛ حيث يصبح الفراغ حول شخوصها فضاء للتأمل، لا مجرد مساحة خالية.

والأمومة عند السجيني ليست وظيفة بيولوجية، بل هي "رحم" فني يحتضن الهوية المصرية. لقد استلهمت من الفن المصري القديم تلك الرصانة والجمود المقدس، ثم نفخت فيها من روح الحداثة ما جعل لوحاتها تنبض بحميمية مدهشة. إنها تبحث عن "الجوهر" الكامن خلف المظهر، محولة التفاصيل اليومية البسيطة إلى طقوس أيقونية.

استخدامها للألوان لا يأتي من منطق المحاكاة، بل من منطق التعبير عن دفء المشاعر واستقرار الروح.

تميزت رموزها التشكيلية (العصافير، الوجوه المستديرة، والعيون الواسعة)  بلغة بصرية تحاول التصالح مع العالم.

رحلت زينب السجيني في هذا الشهر، تاركة خلفها عالما متكاملا من القيم الجمالية التي تقاوم الفناء. لقد علمتنا عبر ريشتها أن الفن ليس ترفا، بل هو محاولات  عظيمة لاسترداد إنسانيتنا المفقودة وسط ركام الماديات.

تظل لوحاتها شهادة حية على أن "الجمال" هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن للموت أن يطمسها، بل يمنحها شرعية البقاء كأثر فلسفي خالد في ذاكرة الوجدان الجمعي.