11 - 04 - 2026

قريبًا: ألغام الهوية.. تحديات الدين والدولة للدكتور هاني نسيره

قريبًا: ألغام الهوية.. تحديات الدين والدولة للدكتور هاني نسيره

في لحظة مفصلية من التاريخ - حيث يعاد تشكيل مفهومي «الذات» و«الآخر» تحت وطأة التحولات الجيوسياسية والثورة الرقمية - يقدم هاني نسيره إسهامًا فكريًا عميقًا في كتابه المرتقب ألغام الهوية: تحديات الدين والدولة. يمثل هذا العمل محاولة جريئة ومنهجية لاستكشاف تضاريس الهوية المعقدة والمحفوفة بالمخاطر في السياقين العربي والعالمي المعاصرين.

لا يقتصر الكتاب على الطرح النظري، بل يقدم تحليلًا منخرطًا بعمق في إشكاليات الهوية كما تتجلى اليوم - من التوترات الطائفية إلى الصراعات حول السيادة الوطنية. وينطلق الدكتور نسيره من أطروحة مركزية مفادها أن الهوية ليست مجرد علامة على التمايز الثقافي، بل يمكن أن تتحول إلى أداة قوية للهيمنة والإقصاء.

ويخضع الكتاب المشاريع القومية الكبرى، مثل الناصرية والبعثية، لنقد تحليلي، متتبعًا تحوّلها من رؤى جامعة وتوحيدية إلى ساحات متنازع عليها تتداخل فيها صراعات الشرعية والتمثيل. وفي مثل هذه السياقات، غالبًا ما يتم تهميش «الآخر» أو إقصاؤه باسم سلطة أحادية.

ويقدم الدكتور نسيره مفهوم «ألغام الهوية» بوصفها توترات كامنة لا تنفجر من تلقاء نفسها، بل تُفجَّر تحت ضغوط وجودية. هذه الضغوط قادرة على تحويل الذاكرة الجمعية إلى سرديات تعبئة، وتحويل التنوع الثقافي من مصدر ثراء إلى بؤرة صراع.

ومن أبرز نقاط قوة هذا العمل قدرته على الربط بين التحليل التاريخي والواقع المعاصر. إذ يتناول المؤلف جدل «الهوية الكمية» في مصر، مستكشفًا التوترات بين الإرث التاريخي وعلامات الهوية اليومية، كما ينخرط في واحدة من أبرز قضايا عصرنا: الهوية الرقمية.

في سياق «الحداثة السائلة» والتوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي، يحلل الدكتور نسيره كيف تسهم التحولات التكنولوجية في تعميق القلق الوجودي وإعادة تشكيل أنماط بناء الهوية. ويرى أن الفضاءات الرقمية أصبحت ساحات جديدة لإعادة تشكيل الانتماءات والتلاعب بها، مما يستدعي مقاربة «ميديولوجية» متجددة لفهم الهوية في الفضاء السيبراني.

كما يستكشف الكتاب العلاقة المعقدة والمثيرة للجدل بين الدين والدولة. ومن خلال تتبع التطورات الفكرية من تأملات محمد عبده حول الخلافة إلى أشكال الأصولية الشمولية المعاصرة، يوضح الدكتور نسيره كيف جرى توظيف الهوية الدينية لأغراض سياسية. ويرى أن هذا التوظيف يشكل تهديدًا حقيقيًا للسلم المدني، إذ يحول الدين من مصدر للقيم الأخلاقية إلى أداة للإقصاء.

ولا يقف الكتاب عند حدود التشخيص، بل يقدم في فصوله الختامية إطارًا عمليًا واستشرافيًا لـ«تفكيك ألغام الهوية». وترتكز هذه الرؤية على تمكين الهوية الإنسانية المشتركة وأنسنة الفهم الديني بوصفهما مدخلين أساسيين لتحقيق التعايش المستدام.

يتكون الكتاب من خمسة فصول تحليلية:

الفصل الأول: ألغام الهوية وأركيولوجيا الصراع

الفصل الثاني: إشكالية الدين والسياسة (من محمد عبده إلى توحيد السلطة)

الفصل الثالث: تحديات الدولة الوطنية والهوية الرقمية

الفصل الرابع: جدل الهوية الكمية وعلامات الهوية اليومية

الفصل الخامس: الأنسنة والمقاربات العملية لتفكيك صراعات الهوية

في المحصلة، يدعو ألغام الهوية إلى تفاعل عقلاني وخلاق مع الاختلاف - تفاعل يحتضن التنوع، ويؤسس لمواطنة شاملة قائمة على الحقوق والواجبات، ويمهد الطريق نحو استقرار اجتماعي ونفسي طويل الأمد.

إنه نداء قوي لتقديم الفهم على الحكم، والتعايش على المواجهة. ويذكّرنا بأن التنوع ليس عبئًا ينبغي التخلص منه، بل موردًا يجب استثماره—وأن تفكيك صراعات الهوية يبدأ بالاعتراف بشرعية الاختلاف.

عن المؤلف

يُعد هاني نسيره باحثًا بارزًا متخصصًا في نقد الفكر الأصولي وتحليل الحركات السياسية والدينية في العالم العربي. وقد ألّف العديد من الدراسات والكتب المؤثرة، نُشر عدد كبير منها في دوريات فكرية وأكاديمية مرموقة. وتمتاز أعماله بجمعها بين التفكيك النقدي والرؤية الإصلاحية الهادفة إلى تعزيز السلم المدني والتعايش.