يقولون إنما المستقبل ليس واحداً، بل عدة مستقبلات. هذا أول ما نتعلمه في الحرب هذه الأيام. مستقبل ناتج عن أداء الفاعلين. مجموعة من الاحتمالات الناتجة عن تراكب الأمور اليومية، والتي لا تستطيع رؤية تراكم طبقاتها إلا الأفكار المجردةأو من يكون مرتبطاً بمصدر يسمو على الواقع. الاستحالة هذه وعدم الارتباط بالحاضر هما ما جعلا البشر على مرّ التاريخ مفتوناً بالعرّافين. أؤلئك الذين - صدقوا أم كذبوا - يدّعون معرفة المستقبل لطالما حظوا باحترام الآخرين. وهذه الأيام بات الذكاء الاصطناعي أكبر العرّافين. سألته ما هو مستقبل الحرب؟
يقول إن هذه الحرب تشبه حرب يوغسلافيا كثيراً وسيكون مستقبلها الحرب الأهلية والتفكك.
لا أريد أن أصدّق، بودّي ألّا أقبل هذا الاحتمال، لماذا يجب أن استسلم لهكذا مستقبل؟
أسأله: أخبرني ببقية الاحتمالات، بقية المستقبلات!
عباراته عديمة المعنى، تشبه مزيجاً من صور متداخلة، قد يكون ترامب مشكلته الأساسية. حتى الذكاء الاصطناعي لا يمتلك صورة عن تف?یر ترامب. فهو اعتمد "الغموض الاستراتيجي" منذ أول لحظة. كل الخيارات متواجدة على الطاولة وكل منها ينصع مستقبلاً مختلفا. أن يقع هجوم برّي.. أن يحتلّوا الجزر.. أن يتم تدمير خارك الميناء النفطي الرئيسي.. أن يرسل قوات خاصة لكي تستخرج من تحت الأرض اليورانيوم المخصب الذي قام بقصفه قبل ثمانية أشهر. لكلّ من هذه الخيارات مستقبل مفترض. لسنا وحدنا من يلجأ إلى العرافين والسحرة في خضم هذا الغموض وهذا المستقبل غيرالمحدد. رجال السياسة أيضاً باتوا مذهولين. لربما تكون هذه معضلة أن يرى مواطناً عربياً نفسه بمنأى عن كل هذا. قد يعتبر أن هذه الحرب لا تخصه، إنما هي حرب ما بين أعدائه، ولربما يكون على حق، لكن قضية المستقبل المنظور تعنيه أيضاً. يعنيه أيضاً كيف يجب التفكير بشأن المستقبل. الآن حيث باتت الحرب تقضي على المدنيين أكثر من الجنود، الآن حيث أتوا باسم تحرير الناس ويقومون بقتلهم.. بعد كل هذا التزييف والكذب، حان الوقت لكي تفكروا إن لم يعد بمقدوركم تنبؤ المستقبل ويتجلّى كل شيء لكم ملفوفاً بالغموض، ماذا ستفعلون آنذاك؟
بعد حوالي ثمانية أعوام من الحرب العالمية الثانية كنّا أمام عالم قابل للتنبؤ، نظام ناتج عن تفكير الإنسان بتصرفه وتفلسفه بعد مذبحتين كبيرتين. بعد تلك الحقبتين كانت هناك حروب، الحرب الكورية، حرب فيتنام، الحرب اليوغوسلافية، حرب الخليج، الحرب السورية، الحرب الليبية. وكل هذه الحروب وقعت بذريعة نفس النظام الذي أقيم على أساس حقوق الشعوب الإنسانية. لكن هذه الحرب الجديدة، التي شنتها إسرائيل وأميركا ضد إيران، ومن دون تفويض دولي، من دون أفق، ومن دون مكسب واضح، من دون مساندة حلفاء هذين البلدين، إنما هي من أجل تدمير النظام ، وجعل المستقبل أكثر غموضاً. لاختلاق الفوضى أملاً بانبثاق شيء جديد من هذا اللانظام يكون في صالح أميركا.. لأن النظام القديم لم يعد يضمن تسيّد أميركا.
ربما لم تعد هذه القضية تهمكم اليوم، لربما فكرتم أن إيران تحكمها حكومة شريرة تقتل شعبها وهي تستحق ذلك. هذه الذريعة ليست مقنعة بما فيه الكفاية مثل أسلحة الدمار الشامل أو القنبلة الذرية، لكن لم يكن لها معارضون محتملون حتى الآن، من الآن فصاعداً باتت الحرب تستهدف حياتنا.
حضرت اليوم في موقع دمار واسع بإحدى الحارات شرقيّ طهران. البنايات - وخلافاً لما يدّعي المتحدثون العسكريون - استهدفتها القنابل عشوائياً، وسقط فيها أكثر من 300 قتيل وجريح، ما يقرب من نصف القتلى هم أطفال ونساء.
كانت السيارات محطمة، وخزانات الملابس مكسورة وتبعثرت الملابس بكل مكان، وتناثرت أوراق كتب قصص الأطفال في الشوارع.
عمال توصيل المطاعم كانوا يقولون إنهم أحضروا الطعام لسكان جميع هذه البيوت. أحدهم يقول كانت إحدى ساكنات هذه البيوت زوجة صديقه التي لم يمض على زواجهما أكثر من شهر واحد. دموعي كانت قد جفّت، جفّت داخلي جميع المشاعر، حجم الدمار الذي أدى إلى تحطم جميع الزجاج وتفطّر الجدارن على بعد عدة شوارع لم يترك لي مجالاً لظهور أي مشاعر. كل يوم أسمع أصوات الانفجارات وأشاهد أعمدة الدخان المتصاعدة في الهواء.. لكن حتى هذه اللحظة كانت الحرب بالنسبة لي شيئاً مجردا.
أي "غموض استراتيجي" لا يبرر هذه المشاهد، لا يحقّ لأي سياسي لمجرد امتلاكه القدرة على مهاجمة بلد آخر فعل ذلك، من دون الحصول على موافقة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. لا يرى ترامب حاجة للحصول على إذن لتنفيذ قراراته، لا إذن الكونغرس ولا حتى استشارات مراكز الفكر. فكل من يتمتع بلوبي أقوى ويمكنه تضمين أرباح أعلى يمكنه إشعال حرب بواسطة ترامب. يقول ترامب إن هدفه القادم بعد إيران ستكون كوبا ومن ثم غرينلاند.. بعد هذه الأهداف من سيكون هدفهم التالي؟ هم دمروا سابقاً العراق وليبيا والسودان.. كما اكتوى كل من الأردن والإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر بنيران هذه الحرب.
كعربيّ ستتذوق عاجلاً طعم "الغموض الاستراتيجي".. إن لم تحتجّ عليه اليوم.
-------------------------------------
بقلم: محمد طلوعي
* روائي إيراني
- ترجمة: فرزدق الأسدي






