اتصل بي أحد الأصدقاء، وبادرني بصوت مهموم "قررت شركة أوبر Uber وقف خدمة النقل التشاركي في مصر، ولا أدري ماذا أفعل!"، هدأت من روعه واستفسرت منه، فأوضح لي أنه لسنوات طوال يستخدم تلك الوسيلة، بشكل رئيسي في الذهاب والعودة للعمل.
يرجع تاريخ النقل التشاركي في مصر إلى عام 2014 مع دخول شركات مثل أوبر وكريم، مما أحدث ثورة في التنقل الحضري. وقد واجه القطاع عدة تحديات إلى أن صدر قانون رقم 87 لسنة 2018 والخاص بتنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، حيث توسع ليشمل النقل الجماعي، لتصبح مصر أحد أكبر أسواق النقل الذكي.
فكرة بسيطة ومردود إيجابي كبير، ربما يرجع تاريخها إلى ستة عقود مضت، فمن منا لا يتذكر فيلم "لا تطفئ الشمس"، ومشهد الولد الشقي، ممدوح، الذي جسد شخصيته الفنان أحمد رمزي، حين أعلن في الجرائد عن تقديمه خدمة توصيل الركاب باستخدام سيارة الأسرة الخاصة، كانت فكرة ثورية رفضها كافة أفراد الأسرة الأرستوقراطية، التي توفي عائلها وتتولى الأم رعايتها بمساعدة أخيها.
أيضًا، يُعد عبد اللطيف أبو رجيلة الأب الروحي لمنظومة النقل العام الحديثة في القاهرة، حيث استطاع خلال خمس سنوات فقط، من حصوله على الامتياز عام 1954، أن يؤسس شبكة أتوبيسات متميزة تدار بدقة وانضباط. لم تكن الحافلات مجرد وسيلة نقل، بل كانت رمزاً للنظافة والنظام؛ كان السائقون والمحصلون يرتدون زياً رسمياً نظيفاً، ويلتزمون بمواعيد منضبطة، حتى شاع أن سكان القاهرة كانوا يضبطون ساعاتهم على مرور أتوبيس "أبو رجيلة". كما أنشأ أحد أكبر الجراجات، وتمتع العاملون في الشركة وأسرهم برعاية اجتماعية وطبية شاملة، مما جعل من مشروعه نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً فريداً في تاريخ مصر الحديث، ويتغلب على كل ما واجهه في بدايات تجربته تلك من تحديات.
وقد كانت شركة أبو رجيلة النواة الأولى التي تأسست عليها شبكة النقل العام في مصر، بعد تأميم الشركات الخاصة، تحولت فيها سياسات التشغيل نحو التوسع في الخدمة بأسعار زهيدة، مما أدى إلى ترهلها وتراجع مستويات الدخل وجودة خدماتها.
من هنا، وجدت شركات القطاع الخاص مساحة للعمل تعتمد على استخدام سيارات وسائقين طبقًا لمعايير محددة، تضمن الجودة وحُسن الخدمة، وعدم إهدار وقت العميل. وإذا كان الإعلان عن الخدمة في فيلم لا تطفئ الشمس استخدم التليفون الأرضي، حيث لم يكن هناك غيره، فقد دمجت شركات النقل الذكي الهواتف المحمولة مع شبكات الإنترنت وخدمة تحديد المواقع Global Positioning Service, GPS، فتمكن السائقون من الوصول إلى أماكن أبعد، واختيار أنسب المسارات وأقصرها للوصول إلى المقصد مع متابعة آنية، إلى غيرها من خدمات.
ومع أن تكلفتها كانت أعلى من التاكسي، إلا أن المستخدم وجد أنه ما يدفعه يعود له في شكل خدمات، لا يجدها في التاكسي العادي.
ثم كانت النقلة الأكبر، حين أقدمت بعض شركات التنقل الذكي واقتحمت مجال النقل التشاركي، المعتمد على تنظيم عمل الحافلات في مسارات محددة، مما قدم خدمة مميزة لقطاعات عمل كبيرة، وجدت فيها غنى عن استخدام وسائل النقل العامة المعروفة بزحامها وما قد يترتب عليه من مخاطر، وكذلك عدم انتظام مواعيدها، وعدم قدرة الزبون على تتبع خط سيرها، مما يجعله عُرضه للانتظار إلى أجل مسمى.
من هنا بدا صديقي وكأنه يقف عند مفترق طرق لا يملك فيه رفاهية الاختيار؛ فقرار وقف خدمة النقل التشاركي، مع عدم وجود بديل، ليس مجرد تغيير في وسيلة انتقال، بل إعادة ترتيب قسرية ليومه وحساباته. بين تاكسي يرهق ميزانيته، وحافلات عامة تستنزف وقته وأعصابه، بدا وكأن ما فُقد لم يكن خدمة، بل نمط حياة أكثر انتظامًا واستقرارًا.
بادرته سائلاً، "ولما لا تتفق مع المجموعة التي تشاركك السيارة وتتعاقدون مع أحد السائقين؟"، تنهد ونظر نحوي بأسى وقال، "ومن قال إننا لم نطرح هذه الفكرة، لقد طرحناها وهنا ظهرت فروق تبدو طفيفة، لكنها جوهرية وتكفلت بإجهاض الفكرة، البعض يستخدم الباص يومين أو ثلاثة أيام، ويعمل باقي الأيام عن بعد Online. البعض يعود في الخامسة مساءً، والبعض الآخر بعد ذلك، فضلاً عن ارتفاع التكلفة مقارنة بما كانت الشركة تتقاضاه وما تقدمه من عروض ترويجية، وأحقية كل مستخدم في إرسال شكوى يُبت فيها في أقل من 24 ساعة، ولا تتردد الشركة أن تضع له في المحفظة الاليكترونية الخاصة بها مبلغ مالي يعوضه عما تكبده جراء قصور طارئ في خدمتها. وهذا ما لن تجده عندما تتعامل مع السائق مباشرة، فهو الخصم والحكم. من هنا لم تكلل تجربة إيجاد بديل بالنجاح.
في الجانب الآخر، هناك أشخاص وجدوا في النقل التشاركي عملاً محترمًا ومجزيًا، فبحد قول أحدهم، "نتقاضى عوائد مالية مجزية، والدفع لا يتأخر ساعة.."، إلى جانب ذلك تكمن مأساة أخرى، فبعض السائقين اشترى من شهور أو أسابيع قليلة سيارات حديثة بالتقسيط، راعى أن يغطي عائد تشغيلها الأقساط الشهرية الممتدة لسنوات. لم يشتروا سيارات فقط، بل اشتروا تصورًا كاملاً لحياة مستقرة، الآن لا يعرفون كيف يسددون تلك الأقساط!
هؤلاء السائقون يواجهون مستقبلاً يكتنفه قدر كبير من الغموض والقلق، فهم من جهة يصعب أن يندمجوا في عالم مواقف السيارات، والركوب بالنفر، وما يرافقه من عادات وسلوكيات لم يعتدها، ويصعب أن يعتادها، سائق النقل التشاركي.
هكذا تكشف تجربة النقل التشاركي عن حقيقة أعمق من مجرد وسيلة انتقال؛ فهي ليست سيارات تُدار عبر تطبيق، بل منظومة متكاملة من الثقة والتنظيم والتسعير الذكي. وعندما تغيب هذه المنظومة، لا يكفي أن تتوافر السيارات أو الركاب، لأن ما ينهار فعليًا هو العقد غير المرئي الذي كان ينظم العلاقة بين الأطراف كافة.
وربما كان الدرس الأهم أن المستقبل في هذا المجال لن يكون لمن يملك المركبات، بل لمن يملك القدرة على إدارة تلك التعقيدات، وتحويل الفوضى اليومية إلى تجربة سلسة يمكن الاعتماد عليها، فهل نجد بيننا "ممدوح" آخر لا يطفئ الشمس.
---------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






