في كل مرة تندلع فيها حرب يتكرر نفس المشهد تقريبًا: قلق في الأسواق و توتر في العملات وحديث لا ينتهي عن الذهب بإعتباره الملاذ الآمن.
الفكرة تبدو بديهية لدرجة أن كثيرين لا يناقشونها أصلًا مع أن الواقع يقول إن الصورة ليست بهذه البساطة.
لو رجعنا إلى الحرب الإيرانية العراقية سنجد أن الذهب بالفعل قفز بقوة مع بداية الصراع لأن المحرك الأساسي وقتها كان هو الخوف، خاصة مع القلق من تأثير الحرب على النفط والإقتصاد العالمي مما جعل الناس تبحث عن أي شيء ثابت وسط حالة عدم اليقين ولم يكن هناك خيار أوضح من الذهب.
لكن مع مرور الوقت لم يستمر هذا الارتفاع بنفس الوتيرة، الأسواق بدأت تتأقلم والصدمة الأولى تلاشت، وبدأ السعر يتحرك بشكل أهدأ هنا يظهر درس مهم : رد الفعل الأول في الأزمات ليس دائمًا هو ما يستمر.
المشهد تكرر بشكل مختلف قبل غزو العراق ..الذهب ارتفع قبل الحرب لكن بعد بدايتها تراجع نسبيًا، السبب بسيط: المستثمرون كانوا قد استعدوا مسبقًا وعندما وقعت الحرب فعليًا لم يعد هناك عنصر مفاجأة يدفع الأسعار لمزيد من الصعود.
في الحرب الأخيرة لإيران الصورة كانت أكثر تعقيدًا.. في البداية ارتفع الذهب بشكل طبيعي مع تصاعد القلق، لكن بعد ذلك لم يحافظ على هذا الإتجاه>>بل تعرض لضغوط وهبوط رغم استمرار التوتر هنا بدأت تظهر عوامل أخرى تتحكم في السوق مثل قوة الدولار واحتياج بعض الدول للسيولة.
بمعنى أوضح لم تعد الحروب وحدها هي التي تحرك الذهب، أحيانًا يكون الدولار أقوى تأثيرًا وأحيانًا تلعب السياسات الإقتصادية الدور الأكبر، لذلك فإن الإعتماد على فكرة “إشترِى الذهب وقت الحرب” بشكل تلقائي قد يكون قرارًا غير دقيق.
الدرس الحقيقي هو أن التوقيت أهم من الفكرة نفسها، فالذهب غالبًا ما يتحرك مع بداية الخوف لكنه لا يظل في نفس الإتجاه إلى الأبد، و من يدخل متأخرًا قد يجد نفسه يشتري عند القمة بدلًا من الإستفادة من الصعود.
في النهاية لا يمكن إنكار أن الذهب سيظل خيارًا مهمًا وقت الأزمات، لكنه لم يعد الطريق السهل أو المضمون كما كان يُعتقد، فالاستثمار اليوم يحتاج فهمًا أوسع ليس فقط لما يحدث في ساحة الحرب، بل لما يحدث في الإقتصاد كله.
ربما السؤال الأهم لم يعد: هل أشتري الذهب؟
بل: هل أنا فعلا أفهم ما الذي يحرك سعر الذهب وقت الشراء؟
--------------------------------
بقلم: د. عماد الحبشي







