في ليلة الثامن من أبريل 2026، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع إيران. وبينما سارع سكرتيره الصحفي ليفيت إلى تصوير الأمر باعتباره "انتصاراً أمريكياً" و"إنجازاً للرئيس وجيشه المذهل"، كانت الحقيقة مختلفة تماماً.،
إيران هي من قدّمت المقترح.، عشر نقاط كاملة فقبلها ترامب أساساً للتفاوض، معترفاً بأن "تقريباً كل نقاط الخلاف السابقة قد جرى التوافق عليها بين الولايات المتحدة وإيران." ليس هذا انتصاراً أمريكياً. هذا قبول بالشروط الإيرانية.
ما هي هذه النقاط العشر؟
كما تكشف الوثيقة الإيرانية: وقفا كاملا للعمليات العسكرية على جميع الجبهات ودول محور المقاومة، جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من القواعد المنتشرة في المنطقة، إلزام الولايات المتحدة وإسرائيل بدفع تعويضات عن أضرار العدوان، الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج، رفع شامل للعقوبات الاقتصادية والنفطية، إقرار الجانب الأمريكي بمسؤوليته عن التصعيد العسكري، وضمانات دولية موثقة بعدم تكرار الهجوم على الأراضي والسيادة الإيرانية.
ما الذي أجبر ترامب على القبول؟
حين هدّد علناً بأن الثلاثاء سيكون "يوم محطات الكهرباء والجسور"، كان يُمدّد ضمنياً المهلة التي أعطاها — لأن الضربة الكبرى لم تكن ممكنة بالثمن الذي يتحمّله. المفاوضون الإقليميون كانوا بالغي القلق من أن الرد الإيراني على ضربة البنية التحتية سيكون مدمراً لمنشآت النفط والمياه في دول الخليج. والأهم: التقارير الغربية التي تسرّبت وأشارت إلى أن إيران تمتلك ردعاً نووياً فعلياً بمساعدة حلفائها — كان ذلك هو الخط الأحمر الحقيقي الذي أوقف الرئيس النرجسي عند حدّه.
إيران لم تستسلم.
بعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال، وافقت الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل على هدنة أسبوعين — لا استسلاماً. إيران رفضت الخطة الأمريكية المؤلفة من خمس عشرة نقطة، وفرضت شرطها بأن يشمل وقف إطلاق النار لبنان أيضاً. ولم تُقدّم أي تنازل جوهري عن سيادتها أو برنامجها. الباب أُغلق في وجه ترامب وفريقه — ثم فُتح بشروطها هي.
لكن الفضيحة الأكبر كامنة في ختام بيان ترامب نفسه. أنهى الرئيس الأمريكي تغريدته بعبارة لافتة: إنه يتصرف "بالنيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً ممثلاً عن دول الشرق الأوسط." بجرّة قلم واحدة، نزع ترامب السيادة عن حلفائه الخليجيين الستة الذين شاركوا معه في الحرب على إيران، وجلسوا على الطاولة كشركاء — فإذا بهم يجدون أنفسهم مجرد رعايا يتحدث عنهم سيّدهم الأمريكي وينوب عنهم دون أن يُكلف نفسه حتى مجاملة السؤال. لم يُستشاروا. لم يُذكروا بالاسم. صاروا هامشاً في بيان الرجل النرجسي.
أما المفاجأة الكبرى فجاءت من تايوان. في اليوم ذاته تقريباً، وصلت زعيمة حزب الكومينتانغ المعارض تشينغ لي-وون إلى الصين في زيارة نادرة امتدت ستة أيام، وصفتها بـ"رحلة السلام" — وهي أول زيارة لزعيم كومينتانغ منذ عقد كامل. تراجع الثقة في واشنطن فتح نافذة سياسية أمامها لتقديم نفسها صانعة سلام بين بكين وتايبيه، بدلاً من الانتظار على أبواب رئيس متهور يساوم على مصير الجزيرة في صفقاته مع الصين.
تايوان — التي تُعامَل من واشنطن كورقة في لعبة كبرى — أدركت المهانة وتحركت. زعيمة معارضتها ذهبت إلى بكين تبحث عن كرامة بديلة. أما العرب المسلمون السنّة، حكومات وأنظمة، فلا يزالون يمارسون الركوع أمام الطاغية النرجسي — لا حباً في السلام، بل خوفاً على العروش. تايوان تنتفض للخروج من عباءة التبعية والإذلال، والعرب يُحكمون العباءة على أنفسهم بأيديهم.
الحزب الجمهوري الأمريكي، الذي يحمل على يديه دم غزة طوال ثلاثة وعشرين شهراً، وهدّد بمحو حضارة إيرانية عمرها آلاف السنين، وجد نفسه أمام جدار الصمود. لم يحصل ترامب على الاستسلام الذي أراده. قبِل بما قدّمته طهران. وادّعى تمثيل الشرق الأوسط دون أن يسأل أهله. ووجد حليفه التايواني طريقه إلى بكين هرباً من هيمنته.
العالم يتغيّر. الهيمنة الأحادية تتصدّع. وهذا هو الفارق بين شعب يحمي كرامته وأنظمة تبيع كرامة شعوبها.
---------------------------------
بقلم: عزّ الدين الهواري








