ثارت منذ بداية الحرب الصهيو أمريكية على ايران دعاوى تزعم أن هذه الحرب انما هي حرب دينية، مع ما يستدعيه ذلك من قصص نهاية الزمان والملاحم العظمى .. الى آخر هذا الخطاب. ولقد جاء الزعم بأنها حرب دينية من قبل كثيرين من المؤيدين والمسئولين في المعسكرين، معا.
وفي المقابل ظهرت دعاوى مضادة تنفي الصفة الدينية للحرب وتعتمد على التحليل السياسي والاستراتيجي لتبين أهدافها الحقيقية. فهي من ناحية أمريكا، انما هي حرب على النفوذ والمصالح الاقتصادية. ومن ناحية إسرائيل هي خطوة في طريق محاولتها لتحقيق نوع من الهندسة الديوجرافية لدول الإقليم تمهيدا للهيمنة الإسرائيلية الكاملة على منطقة الشرق الأوسط، أو ما عرف باسم إسرائيل الكبرى. ومن ناحية ايران، هي حرب دفاع عن بقاء الوطن والدولة وحماية مصالحها وطموحاتها السياسية والاقتصادية في الاقليم.
فأي الجانبين على صواب؟؟
وللاجابة على هذا السؤال ينبغي علينا القيام باستعراض البنية الأيديولوجية لكلا الطرفين المتحاربين، الى جانب الأهداف السياسية والاقتصادية الكامنة التي تحكم حركة كل منهما.
أولا: ايران.
يمكننا أن نلاحظ في تصريحات المسئولين الإيرانيين، منذ بداية الحرب، رفع شعارات وأسماء دينية تنتمي الى المذهب الشيعي، مثل رفع شعار "يا علي"، أو "يا فاطمة الزهراء"، أو محاولة الايحاء بأنها "حرب على الإسلام والمسلمين"، و"حرب بين اسلام وكفر"، مطالبين بالتضامن الإسلامي.. الى غير ذلك من خطاب ديني مذهبي صريح. كما أن الإيرانيين أطلقوا على الحرب اسم "الوعد الصادق". وهذا شعار ديني بامتياز، ترتكز جذوره على الموروث الديني الإسلامي، وقد وردت تلك العبارة، تحديدا، في القرآن الكريم، الآية رقم 54 من سورة مريم والتي نصها: "واذكر في الكتاب إسماعيل انها كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا". حيث يحيل سياق الآية الى معنى أخلاقي يتحلى به النبي إسماعيل. أما في السياق الحالي، فانها تحيل الى الوفاء بالوعد الذي قطعه الإيرانيون على أنفسهم بنصرة القضية الفلسطينية، وأيضا، تحيل الى وعد الله للمؤمنين بالنصر والفرج. وأول من استخدم عبارة "الوعد الصادق" هو السيد حسن نصر الله في حرب 2006. وبالطبع فان هذا التوارد يعني الارتباط المباشر بين أدبيات كل من حزب الله وايران.
وهذا التوجه الديني لدى كل من حزب الله وايران، يعد أمرا طبيعيا تماما لأنه يصدر من نظام ومنظمة يقومان على أسس أيديولوجية منطلقة من الدين، بصورة مباشرة. ويدمجان بين الدين والسياسة، وينتمي قادتهما الى فئة رجال الدين، حصرا، ويتحرك الساسة لديهما بحسب توجيهات المرجعية الدينية.
بيد أن المتابع لحركة السياسة الإيرانية يمكنه أن يدرك بوضوح أن الإيرانيين يلعبون لعبة سياسية بامتياز، بعيدا عن المظهر الديني للخطاب السياسي والإعلامي. وتقوم هذه السياسة على أن الإيرانيين يرون أن بلادهم أكبر وأعظم من أن تكون مجرد دولة تابعة للامبريالية الأمريكية، مثلما كانت في عهد الشاه، (وأرى أن هذه الحالة من التبعية الذليلة في عهد الشاه تعد أحد أهم الأسباب التي حركت مشاعر الغضب والثورة ضده في عام 1979، خاصة بعد اجهاض تجربة التحرر والاستقلال التي قام بها محمد مصدق عام 1953). وهم يرون أن لإيران الحق الكامل في أن تكون دولة قطبية، وليس مجرد دولة تابعة مثل باقي دول الاقليم. خاصة، عند النظر الى حجمها الجغرافي والسكاني والثقافي والاقتصادي. فضلا عن تاريخها الموغل في القدم وحضارتها العريقة. كل ذلك يرشحها للعب دور الدولة الكبرى المهيمنة. وهو الدور الذي تسعى من خلاله الى ملء فراغ النفوذ الذي خلفه تراجع الدور المصري منذ السبعينيات، في منطقة الشرق الأوسط.
واعتبر قادة الثورة الإسلامية في ايران أن اعلان العداء الكامل لأمريكا ودولة الكيان الصهيوني ومد يد العون لقوى المقاومة، كفيل بتحقيق هذا الطموح. وعلى الرغم من أن معظم هذه القوى ترفع رايات دينية، سواء أكانتشيعية مثل حزب الله أوسنية مثل حماس والجهاد، فانها لن تتورع، في رأيي، عن تقديم العون أيضا الى منظمات يسارية، ان طلبت ذلك. وربما تقدمه دون اعلان.
وفي الحرب الحالية يسعى الايرانيون الى تحقيق أهداف سياسية واضحة ولا لبس فيها، أولها: الحفاظ على وجود الدولة الإيرانية ووحدة التراب الوطني الإيراني.
وثانيها: إحكام السيطرة على مضيق هرمز، وتحقيق منافع اقتصادية من خلال التحكم في حركة المرور به. وهذه السيطرة على المضيق تحقق، من جهة ثانية، السيطرة على سوق النفط العالمي وجعل منطقة الخليج برمتها خاضعة للنفوذ الإيراني. وهو ما يرفع من مكانة وقدر ايران على الصعيد العالمي.
من هنا يتبين لنا أن السياسة الإيرانية تقوم، في الحقيقة، على أسس سياسية واقتصادية، تنطلق من رؤية وطنية، بالأساس. وتهدف الى تحقيق طموحات تراها متوافقة مع ما يسمح به حجمها وقوتها. أما دور الدين، في كل الأحوال، فهو القيام بدور الأيديولوجيا الجامعة التي تعزز اللحمة الشعبية والشرعية السياسية، في آن معا. ليس في ايران فقط بل في العالم الإسلامي أجمع.
ثانيا: الولايات المتحدة الأمريكية
واذا كان من الطبيعي أن ترفع ايران الراية الدينية كما رأينا فيما سبق، فان من غير الطبيعي، ومن غير المنتظر، أن تصدر الدعاوى الدينية، ذاتها، من قادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة المنتمية الى الحضارة الغربية، والتي بنت نظامها السياسي على أسس ليبرالية وعلمانية لا لبس فيها، وتحتضن وتدعم منظمات "حقوق الانسان" التي تنادي بالحريات الشخصية، (بما فيها حرية الشذوذ)، وتحاول فرضها على شعوب العالم، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية المختلفة لدى هذه الشعوب. كما أن جيشها يتكون من جنود مختلطين من النساء والرجال، وينتمون الى أعراق وديانات عديدة.
وعلى الرغم من الانتماءات المسيحية البيوريتانية Puritan ، التي تنتمي الى المذهب البروتستانتي ذي الطابع الأصولي، التي تميز بها المهاجرون الأوائل الي الأرض الأمريكية، (التي اعتبرها بعضهم، بالمناسبة، أرض الميعاد، بحسب تأويلهم لما جاء في النص التوراتي)، فان دستور الولايات المتحدة يخلو من أي نوع من العبارات الدينية، ولا يذكر في هذا الدستور أية كلمة تحمل دلالة دينية، أو أية عبارة لها علاقة بالكتاب المقدس. ويعتبر هذا الدستور وثيقة علمانية، بامتياز. حيث يقوم على الفصل التام بين الدين والسياسة. بل ان المادة السادسة منه تنص على "منع اجراء أي نوع من الاختبارات الدينية لتولي المناصب العامة"، أو النظر الى المعتقد الديني عند تقييم أي شخص. وهو دستور يضمن حرية ممارسة العبادات، أيا كانت الأديان التي تنتسب اليها. ولا يوجد في هذا الدستور ما يسمى "الدين الرسمي للدولة".
وعلى الرغم من ورود بعض الكلمات ذات الطابع الديني في "اعلان الاستقلال" Declaration Of Independence في الرابع من يوليو عام 1776، مثل: "الخالق"، أو "إله الطبيعة"، فان هذه الكلمات لا تعد ملزمة، ولا تمتلك أية صفة قانونية. كما أن عبارة: "بالله نؤمن" In God We Trust التي أضيفت الى عملة الدولار، تعد في الثقافة الأمريكية مجرد شعار شعبي يتم الاستئناس به، ولا تنطوي على أي معنى قانوني.بيد أنه لا يمكننا أن ننفي وجود "نزعة دينية" ايمانية، متغلغلة داخل الثقافة والوعي الأمريكيين. تظهر حينا وتخفت أحيانا. وتمتد جذور هذه "النزعة الدينية" في الولايات المتحدة الى القرن السابع عشر، عندما هاجرت مجموعات برتستانتية الى أمريكا، هربا من الاضطهاد الكاثوليكي في أوربا. حاملة معها رؤية لاهوتية لبناء "مجتمع قدسي". ولقد رسخت هذه المجموعات المفهوم البيوريتاني الشهير المعروف باسم "المدينة فوق التل" city upon hill، وهو مفهوم يقوم على تصور أن أمريكا مكلفة بمهمة الهية لتكون نموذجا أخلاقيا للعالم. وأظن أن هذا التصور الرسولي هو الذي يحكم الرؤية السياسية لمعظم قادة الولايات المتحدة، حتى الآن.
ولقد مرت هذه النزعة بسلسلة من الدورات الاحيائية الدينية سميت باسم صحوات الايمان الكبرى Great Awakenings . على مر التاريخ الأمريكي. وسوف أقوم بالتركيز على الدورتين الأبرز في هذا التاريخ.
أما الدورة الأولى: فهي تعود الى القرن الثامن عشر، وهي معاصرة لحرب الاستقلال التي خاضتها الولايات الأمريكية في مواجهة السيطرة الإنجليزية، والتي انتهت في الرابع من يوليو عام 1776. حيث ارتكزت على مفهوم "الولادة الجديدة" New Birth. وهو يعني الاعتداد بالتجربة الروحية الفردية، بعيدا عن الطقوس الكنسية الشكلية، والتأكيد على الاستقلال الديني للفرد. وهو على هذا النحو، مفهوم متوافق، بصورة جوهرية، مع مفهوم الاستقلال الذاتي للفرد Human Autonomy واحترام النزعة الفردية التي بشرت بها القيم الرأسمالية البازغة، في تلك الآونة.
أما الصحوة الثانية: فقد تمت في القرن التاسع عشر، عندما ظهرت الأفكار "الميثودية" و"المعمدانية"، التي قامت على حرية التدين وفرديته، بوصفه علاقة مباشرة بين العبد وربه، ولا دخل لأية مؤسسة به. وأن المطلوب فقط هو ظهور هذا التدين على نحو سلوكي طيب، ولذلك ربطت هذه الأفكار بين الايمان الجيد والإصلاح الاجتماعي، فنادت بالغاء العبودية، وحقوق المرأة.. الخ. وهنا نلاحظ أن الفكر البروتستانتي قد ساهم في تعزيز الفردية والحريات الشخصية، واتسق على نحو بالغ مع مفهوم الليبرالية الرأسمالي، على النحو السالف ذكره.
كما كان للتنوع الديني الذي صاحب نشاط استعمار القارة الأمريكية، من جماعات كاثوليكية أسبانية وفرنسية، في الجنوب والغرب، وبرتستانتية بريطانية وهولندية في الشمال والشرق، كان لهذا التنوع دور كبير في احترام مفهوم الآخر على قاعدة الحرية الشخصية التي سبقت الإشارة اليها.
من هنا يتضح أن فكرة التدين كانت قائمة على الدوام في الثقافة الأمريكية، وان جرى تحويرها وتطويرها لتستوعب الواقع الرأسمالي والتعددي والثقافي الليبرالي الذي اكتنف التكون التاريخي للولايات المتحدة.
بيد أن تحولا جوهريا انتاب هذه الفكرة في خضم الصراع مع الأفكار الشيوعية المنتصرة، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. حيث غزت هذه الأفكار عقر دار الرأسمالية العالمية في الولايات المتحدة. واتهم عدد هائل من المثقفين الأمريكيين باعتناقهم للفكر الشيوعي. ولذلك ظهر نوع من حركات التطهير التي تشبه محاكم التفتيش الأسبانية في العصور الوسطى سميت ب "المكارثية" في أوائل عام 1950، وبلغت ذروتها في عام 1954. على خلفية موجة من الإضرابات العمالية التي ضربت المنشآت الصناعية، واستمرت خلال عامي 1945 - 1946. ولقد استمدت المكارثية اسمها من اسم من أطلقها وهو السيناتور جوزيف مكارثي. حيث قام بشن حملة ضارية لمكافحة ما أسماه "الخطر الأحمر"، ويقصد به خطر الأفكار الشيوعية، الذي رأى فيه تهديدا استراتيجيا لاستقرار النظام الرأسمالي، ولزعامة الولايات المتحدة للعالم الغربي الرأسمالي، على حد سواء. حيث جرى اتهام أعداد كبيرة من الموظفين والمثقفين من الكتاب والفنانين والمفكرين بالولاء للاتحاد السوفيتي، العدو الأول للولايات المتحدة في تلك الآونة. منهم تشارلي شابلن، وآرثر ميللر، ودالتون ترومبو، وبول روبنسون.. الخ.
وعلى الرغم من أن الموجة المكارثية في الخمسينيات لم تقم باستدعاء الدين ليقف في مواجهة المد الشيوعي، فان ذلك الاستدعاء قد تم، بصورة حرفية، في ثمانينيات القرن الماضي. وبخاصة، بعد اضراب عمال الفحم في بريطانيا، الذي استمر عاما كاملا (1984 - 1985) في ذروة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية. وهي الفترة التي أميل الى اطلاق اسم الحقبة "الريجانية الثاتشرية" عليها، نسبة الى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ورئيسة الوزراء الإنجليزية مارجريت ثاتشر. حيث تم تفعيل مصطلح "المحافظون الجدد" New Conservatism، الذي كان قد ظهر في أوائل سبعينيات القرن العشرين، للدلالة على اتجاه ينتهجه مجموعة من المثقفين من ذوي الأصول الليبرالية، الذين تحولوا نحو أقصى اليمين، في خضم انتقادهم لسياسات اليسار الأمريكي. حيث قموا بتبني سياسة خارجية تقوم على التدخل وإظهار العداء المطلق للشيوعية والقيم اليسارية. ودعموا فكرة النزوع نحو استخدام القوة مع أعداء الولايات المتحدة والمعسكر الغربي.
وتقوم رؤية المحافظين الجدد على الارتباط المباشر بين الدين والسياسة. عن طريق إقامة تحالف استراتيجي بين الرؤية السياسية واليمين الديني المسيحي، المتمثل فيما يعرف باسم "الصهيونية المسيحية" في الولايات المتحدة. حيث يتبنى هذا التوجه هدفين مرتبطين:
الأول: تعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم، عن طريق إذكاء الأصوليات الدينية، أو بالأحرى "تديين العالم"، بوصفه الوسيلة الأساسية لمكافحة انتشار الفكر الشيوعي.
الثاني: تأييد دولة الكيان الغاصب (إسرائيل)، بكل الوسائل والسبل المتاحة.
لقد تبلورت هذه الأهداف في كتابات المستشرق الأمريكي (برنارد لويس) في عدد من المقالات والكتب، وبخاصة في كتابه تشكيل الشرق الأوسط الحديث The Shaping Of Modern Middle East ،الذي ظهرت أفكاره الأولى في مقال ظهر عام 1964 ثم نشر بالعنوان الحالي عام 1994. وكذلك في أفكار زميله (صامويل هنتنجتون) في كتابه "صدام الحضارات" 1996.
وتتمثل هذه الأفكار في النقاط الأربع التالية:
- سايكس بيكو 2. وإعادة تشكيل خريطة المشرق على نسق جديد.
2- صدام الحضارات وتصارع الجذور الثقافية.
- الفوضى الخلاقة ونشر الديمقراطية.
- ضرب فكرة العروبة والفكرة الوطنية، عن طريق احياء "الهويات الصغرى" المتمثلة في: الدين، والطائفة، والمذهب، والعرقية الصغيرة. حيث يتم الاعتماد في ذلك على الاتجاهات الأصولية، وأهمها اتجاه الإسلام السياسي.
حيث يبرز الدين عند المحافظين الجدد، لا بوصفه عقيدة ايمانية، ولا ينطلق من أية معايير أخلاقية، بقدر ما يبرز بوصفه أداة جيوسياسية لفرض "الديمقراطية"، على الطريقة الأمريكية، وعلى النحو الذي يحقق مصالحها، وبالمقدار الذي لا يهدد هذه المصالح. كما تبنى المحافظون الجدد شعارات ذات طابع ديني صرف، مثل شعار "حرب الخير ضد الشر". مستمدين قوتهم من اتجاه "اليمين الديني"، الذي تتشكل كتلته الرئيسية من جمهور "الأصولية المسيحية"، والتي تسمى أيضا باسم "المسيحية الصهيونية". وهذا الجمهور يوفر قاعدة شعبية واسعة لسياسات هذا التيار. كما يقوم دعمهم لإسرائيل على تبنيهم لنبوءات انجلية وتوراتية بحسب التفسير البروتستانتي اليميني.
لقد بدأ استخدام المحافظين الجدد لخطاب "حرب الخير ضد الشر" بداية من عهد جورج بوش الابن، بوصفها غطاء لعدوان الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان. وعلى الرغم من أن المحافظين الجدد لا يظهرون تناقضهم مع المبدأ العلماني الذي يقضي بفصل الدين عن السياسة والدولة، فانهم يعملون على تأكيد حضور الدين في الحياة والقضايا العامة، ويرون فيه عنصر توحيد اجتماعي وغطاء سياسيا مهما.
ولقد تجلت تلك الوجهة الدينية، القائمة على أفكار المحافظين الجدد، في الخطاب الإعلامي والسياسي، حيث تبناها رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، بدءا من الرئيس جورج بوش الابن، وبلغت أوجها وأكثر أشكالها فجاجة في خطاب ومسلك الرئيس دونالد ترامب. ولم يتفوق عليه في تبني هذه الوجهة والتعبير عنها بكل الأشكال، الا وزير الحرب الأمريكي (بيت هجسيث)، الذي يظهر بالوشوم والرموز الدينية على جسده (مثل رمز شكل الصليب الذي ظهر ابان الحروب الصليبية) وكذلك في محتويات كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية: نضالنا من أجل البقاء أحرارا" American Crusade: Our Fight To Stay Free الذي ظهر عام 2020. حيث يتبنى هيجسيث رؤية تاريخية تنطلق من أن الحروب المعاصرة انما هي حروب دينية. كما ظهر هذا النزوع في القداسات التي يقيمها الوزير في وزارة الحرب. وتتمثل ملامح الحروب الدينية في عقيدة وتصرفات هيجسيث في القيام باضفاء صبغة دينية على العمليات العسكرية الأمريكية، بما يجعلها "حربا مقدسة"، حيث تتم عسكرة الدين عن طريق إضفاء غايات الهية على العمليات العسكرية، معتبرا أن الحرب الراهنة على ايران انما هي حرب إلهية، كما يتبنى عقيدة "المسيح والسيف"، عندما صرح بأن المحاربين الأمريكيين لا يعملون من أجل إرضاء العالم، بل يواجهونه بما أسماه "الدين الحق". كما قام بتنظيم صلوات وقداسات بشكل منتظم في مقر وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون، مخالفا في ذلك كل الأعراف العسكرية الراسخة في صفوف الجيش الأمريكي. وهو السلوك الذي أثار انتقادات واسعة وقلقا كبيرا بين مسئولين عسكرين سابقين مثل العقيد المتقاعد لاري ويلكرسون والجنرال المتقاعد راندي مانر، متهمين إياه بانتهاك الدستور وتقويض وحدة الجيش في زمن الحرب. حيث درج الجيش الأمريكي دائما على اعتماد قاعدة غير معلن عنها تقوم على عدم خلط الدين بالسياسة، مع ضمان حماية جميع الجنود بغض النظر عن معتقداتهم. حتى بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وأثناء الحرب في العراق وأفغانستان.
كما جلبت تصرفات وتصريحات هيجسيث انتقاد البابا ليو الرابع عشر، مصرحا خلال قداس أحد الشعانين، بأن الله "لا يستجيب لصلوات من كانت أياديهم ملطخة بالدماء". وأعتقد أن هذا التصريح لا يقصد به وزير الحرب فقط ولكن الرئيس ترامب أيضا.
وهذه الوجهة الدينية لدى وزير الحرب الأمريكي وعدد من المسئولين في إدارة ترامب تقوم تحديدا على اتجاه المسيحية الصهيونية، حيث صرح هيجسيث أثناء استجوابه بالكونجرس قائلا: "أنا مسيحي وأدعم بقوة دولة إسرائيل ودفاعها الوجودي والطريقة التي تقف بها أمريكا الى جانبها كحليف عظيم". حيث يصدر تصريحه عن فكرة ثابتة في اتجاه المسيحية الصهيونية، مفادها أن من حق اليهود في العودة الى الأرض المقدسة، بحسب ما ذكره سفر التكوين من العهد القديم.
الغضب الملحمي
ولعل هذا ما يفسر لنا تسمية الأمريكيين للحرب الحالية باسم "الغضب الملحمي". حيث تبرز كلمة "الملحمي" للدلالة على ما يعرف باسم الملحمة الكبرى أو حرب "هرمجدون"، وهي تعني الايمان بفكرة القضاء على الشيطان (تمثله ايران) في نهاية الزمان وعودة السيد المسيح ايذانا باعادة بناء الهيكل. بحسب الرؤية الصهيو مسيحية. كما يصف الرئيس ترامب الحرب على ايران بأنها "حرب صليبية بارة" Righteos Crusade فهي حرب مقدسة يخوضها المؤمنون (الأمة الأمريكية، حسب تصوره) ضد الكفار الذين يمثلهم الإيرانيون. وترامب في هذا المقام يقوم بدور المحارب الرسولي المختار من قبل الله.
ان هذا التوجه نحو الدين يدل على عمق الأزمة الحضارية الأمريكية والمأزق الوجودي الذي دخله النظام الرأسمالي. وهذا أمر متوقع فبحسب منطق التاريخ فان كل حضارة تدخل مرحلة الأفول تتحول الى الرموز والمفاهيم الدينية والأخلاقية.
ومن البديهي القول بأن المحرك الرئيسي للقوة الأمريكية بالتأكيد ليس هو الدين. فالجميع يعلم بأن الحروب الأمريكية هدفها محاصرة واضعاف القوى العالمية المهددة للهيمنة الأمريكية على العالم. وبخاصة الصين. وهذا ما ذكرته تفصيليا في مقالات سابقة. وما اللجوء الى الدين في هذه الحالة الا غطاء يضفي نوعا من القداسة على ممارسات دنيوية ذات أهداف سياسية واقتصادية خالصة.
----------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






