أنا اسكندرانى بالحب.. وليس بشهادة الميلاد.
عشت عمري كله الا قليلا .. أعشق الأسكندرية.. وبوجه خاص الترام .
لم يكن عشقا من جانب واحد. كنت أشعر أنه يحتوينى في كل مرة من مئات المرات التي اخترته فيها لمشوار أو نزهة أو مساحة للتفكير في أمر ما.
كثيرا ما أراحنى وأعطانى الحل المستحيل.
كنت أجلس بين وجوه عدة . أطفال وشباب ونساء وكبار زى حالاتى. لم أشعر لحظة الا بالألفة من صديق حميم . جمع كل الأحباب في عرباته الثلاث واحيانا الاثنتان فقط . أزرق أصفر أخضر .
في الترام .. من محطة مصر بعربته الواحدة . الي بوالينو ولا محرم بك ولا الحضرة . مرورا بالمستشفي العسكرى والمعهد الصحى وكنيسة القديسين لسوق الحضرة . أو من محطة الرمل مرورا بالشاطبي والجامعة والشبان المسلمين وكامب شيزار والأبراهيمية وسبورتنج وسيدى جابر وسان ستيفانو والهداية وأقبال ورشدي وكليوباترا وفيكتوريا . أو من الرمل لكرموز وأهلها الطيبين .
في الترام.. تجد مصر كلها .. مش اسكندرانية وبس . تجد دفء المشاعر والذكريات . تجد قصصا للحب لم تكتمل . تجد مواساة من لناس لناس لم تجمع بينهم أي صلة إلا اللقاء في عربة الترام .
تجد أجانب .. طليان جريك قبارصة .. يقولون لك ولدنا هنا أبا عن جد وسنموت هنا .
في الترام ..
تجد سائقا وكمساريا من زمن تاني خالص . يمسك الكمسارى بتذاكره . يا فتاح يا عليم . نص تذكرة باحاج ب5 جنيه . معلش التذكرة غليت .
يا إبني أنت علي السلم . مزوغ من دفع تمن التذكرة . أطلع فوق . وسماح المرة دى .
في الترام .. كل شيء حتي الزمن يتوقف للحظات .. مع توقفات الترام المتكررة مع كل إشارة مرور .
لا أحد يتذمر ولا يقول لك .. أيه الملل ده .
بل .. واحدة واحدة ورانا أيه . سوق علي مهلك سوق .. بكرة الدنيا تروق .
فسحة ببلاش .. وعلي يمينك وعلي يسارك ماتبقي من الأسكندرية الجميلة ومبانيها ومطاعمها ومحلاتها وجامعتها العريقة .. ونادى الاتحاد سيد البلد ونادى سبورتنج للرياضة البدنية .وحى ولاد الذوات .. كفر عبده .
في الترام ..
حياة وناس .. تبدأ من محطة الذهاب ولا تنتهي أبدا بمحطة الوصول . هي حياة مستمرة والي لقاء .
في الترام ..
ذرف الاسكندرانية دموعهم الحقيقية وهم يودعونه بالصور والتذكرة الأخيرة . بعد عشرة عمر أمتدت لأكثر من قرن .
راح الترام وراحت ذكرياته ..
تحية لأهالي الاسكندرانية الأصليين . ولا عزاء لأعداء الجمال .. عشاق الهدم والقبح .
فالتاريخ .. لاينسي أبدا .
------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]






