قبل كل حرب، وقبل كل عقوبة، وقبل كل تدخل عسكري، تخرج الولايات المتحدة لتذكّر العالم بأنها "موطن حقوق الإنسان"، أنها لا تتحرك إلا دفاعًا عن القيم، حمايةً للضعفاء، وإنقاذًا للبشر من طغيان حكوماتهم، خطاب ألفناه لعقود، صار جزءًا من المشهد السياسي العالمي، حتى أن كثيرين يتعاملون معه كحقيقة ثابتة لا تُناقش وإلا اعتبرنا جهلة لا نستحق الحياة؛ رغم أن هذا المشهد انهار دفعة واحدة عدة مرات، آخرها عندما انفجر في قلب هذا النموذج المدّعى قضية إنسانية مدوّية، تتعلق باستغلال ممنهج، واعتداءات جسيمة على أطفال، رجال قبل النساء، وما خفي كان أعظم، جرائم لا يمكن تصنيفها إلا باعتبارها من أبشع ما عرفه سجل حقوق الإنسان الحديث، مع تداول أسماء شخصيات نافذة، ورموز سياسية واقتصادية وإعلامية، وصولًا إلى أعلى هرم السلطة.
هنا لا يعود السؤال متعلقًا بسمعة أشخاص، ولا حتى بمصير قضية جنائية، بل السؤال الأكبر:
كيف يمكن لدولة أن تنصب نفسها وصيًّا أخلاقيًا على العالم أن تحتوي، أو تتعايش، أو تُدار داخلها مثل هذه الكارثة؟
الصدمة لم تكن في وقوع الجريمة وحدها، فالمجتمعات كلها معرضة للانحراف، لكن الصدمة الحقيقية جاءت من التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة، نفس الدولة التي لا تتردد في انتهاز أي فرصة لإدانة دول أخرى تحت ذريعة انتهاكات ضد حقوق الإنسان، وجدت نفسها فجأة في موقع الدفاع، مستخدمة لغة التهدئة، والتشكيك، وتأجيل الحسم، والاختباء خلف الإجراءات القانونية، وهي أدوات مشروعة في ذاتها، لكنها تفقد معناها الأخلاقي حين تُستخدم بانتقائية فاضحة للدفاع عن شخصيات معينة، بل وتترك لهم المجال لادعاء بطولات زائفة لإشغال الرأي العام، ليصل الأمر في أحيان كثيرة حد شن الحروب؛ وإزهاق أرواح الأبرياء ستاراً وفداء لزعماء العالم المزعومين.
على مستوى العالم، تم تلقّي هذه القضية باعتبارها دليلًا جديدًا على ما يسميه كثيرون "نفاق المنظومة الحقوقية الدولية"، فليس من السهل إقناع الشعوب بأن الحروب التي شُنّت كانت من أجل الأطفال والنساء، بينما داخل الدولة القائدة ذاتها شبكات استغلال يُقال إنها استمرت سنوات تحت نظر مؤسسات يفترض أنها تحمي، الأخطر من ذلك أن ما يُتداول حول إعلان هذه الملفات لاستغلالها كورقة ضغط سياسي، أو وسيلة ابتزاز داخل صراعات السلطة، مأساة إنسانية تتحطم على جانبيها آخر قشرة أخلاقية للنظام الدولي: حين يصبح انتهاك الإنسان نفسه جزءًا من لعبة النفوذ.
تبعات هذا المشهد لا تتوقف عند حدود الولايات المتحدة، إنها تضرب مصداقية الخطاب الحقوقي العالمي، وتمنح أنظمة كثيرة ذريعة جاهزة للرد: "انظروا إلى من يُحاضرنا"، لتتآكل فكرة العدالة الدولية، ويُترك الضحايا بلا معنى حقيقي لمعاناتهم فلا أمل في عقاب الجناة، العالم اليوم لا يشاهد مجرد فضيحة، بل لحظة كاشفة، لحظة يسقط فيها القناع عن نظام بنى سلطته الأخلاقية على الوعظ، لا على الالتزام، ومع كل وثيقة، وكل شهادة، وكل اسم يُتداول، يزداد السؤال إلحاحًا:
إذا كانت هذه هي حال "موطن حقوق الإنسان"، فما الذي تبقى من العدالة حين تُرفع الشعارات وتسقط القيم؟
--------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






